البخار يصعد من الطبق. يراقبه وهو يتلاشى قبل أن يصل إلى وجه أمه. بينهما مسافة ذراع واحدة — خمسون سنتيمترًا ربما، لو أن أحدًا كلّف نفسه بالقياس — لكن البخار يعرف ما لا يعرف هو كيف يقوله: هناك أشياء تتبخّر في منتصف الطريق.
الملاعق تصطدم بالصحون. صوت معدني قصير، جاف، يتكرر بانتظام كأنه نبض غرفة عمليات لا يعرف أحدٌ فيها من المريض. أبوه يمضغ ببطء. الفكّ يتحرك بإيقاع آلي، والعينان على الطعام — ليس لأن الطعام يستحق التأمل، بل لأن النظر إلى الطعام أسهل من النظر إلى الابن. لا يعرف متى تعلّم الأب هذا. لا يعرف متى تعلّم هو ألّا ينتظر.
المائدة مستديرة. ملاحظة هندسية لا ينبغي أن تؤلم أحدًا، لكنها تؤلمه بطريقة لا يستطيع تفسيرها. المائدة مستديرة، والوجوه موزّعة عليها كأرقام ساعة، وهو جالس عند الثامنة.
الرقم الذي لا ينظر إليه أحد إلا بالصدفة، حين يتحقق من كم بقي قبل أن ينتهي كل شيء.
يمرّر إصبعه على حافة الطاولة تحت مستوى النظر. الخشب أملس وبارد. يبحث عن شيء — خدش، نتوء، ثقب صغير — أيّ علامة تثبت أنه جلس هنا من قبل، أن أصابعه لمست هذا السطح آلاف المرات. لكن الخشب لا يحتفظ بأثر الجلوس. الخشب يحتفظ بأثر السكين فقط.
الصوت يصل متأخرًا.
الأم تسأل الأخ عن يومه. الكلمات تعبر الهواء فوق رأسه كطيور لا تهبط. يتابعها بعينيه — مسارها القوسي من فمها إلى أذن الآخر — ويحاول ألّا يلاحظ أن القوس لا يمرّ به. ليس تجاوزًا مقصودًا. الأسوأ من ذلك: ليس مقصودًا. هو ليس عقبة في طريق الكلام — هو المنطقة التي لا يعبرها الكلام أصلًا، لأنها لم تُرسَم على الخريطة.
الجسد هنا. يعرف ذلك لأنه يحسّ بصلابة الكرسي تحت عظام الحوض، وبالحرارة الخافتة التي تتسرّب من الطبق إلى ساعده. لكن هناك شيئًا آخر — شيئًا لا يملك له اسمًا بعد — يجعله يشكّ أحيانًا أنه يجلس خلف زجاج سميك. الزجاج نظيف، شفاف تمامًا، لا خدش فيه، ولهذا لا يلاحظه أحد. لا هو. لا هم. الجميع يتصرفون كأن الهواء بينهم هواء عادي. لكن الهواء العادي ينقل الدفء. هذا الهواء يوقفه على بعد مليمتر من الجلد.
كان في السابعة — أو الثامنة، لا يذكر، والفرق لا يهم لأن الأطفال لا يقيسون الألم بالأرقام — حين اكتشف أن الأيدي التي تُطعمك ليست بالضرورة الأيدي التي تراك. الإطعام فعلٌ جسدي. ملعقة تدخل فمًا. كتلة غذائية تنزلق نحو المعدة. الجسد يكبر. الملابس تضيق. يشترون ملابس أكبر. الجسد يكبر أكثر. العملية تبدو ناجحة من الخارج. لكن شيئًا في المنتصف — بين الملعقة والفم، بين القميص الجديد والجلد — شيئًا ما لم يصل. كأن هناك عضوًا لا يظهر في الأشعة توقّف عن النمو في وقتٍ ما، وصار الجسد يكبر حوله ويلتفّ عليه ويغطّيه، والجميع يرون الجسد الكبير ولا أحد يرى العضو المتوقف في الداخل.
لا يعرف ما اسم هذا العضو.
ربما ليس له اسم. ربما لهذا لا يراه أحد.
الشيء الذي لا يملك اسمًا لا يملك جنازة.
هذا ما لم يقله له أحد. اكتشفه وحده، ببطء، كمن يمشي في ممر طويل ولا يلاحظ أن الضوء يخفت إلا حين يصل إلى منتصفه ويستدير فيجد أن الباب الذي دخل منه لم يعد مرئيًا. لم يُغلَق — فقط ابتلعته المسافة.
الحزن الذي يحمله لا يشبه الحزن الذي يعرفه الناس. حزن الفقد له شكل: غياب مفاجئ، مكان فارغ كان مشغولًا، صورة على الجدار ووجه لن يعود. ذلك حزن له جغرافيا. له حدود. يستطيع صاحبه أن يقف عنده ويقول: هنا — هنا بالضبط حدث الكسر. لكن حزنه ليس له مكان. ليس له تاريخ. لم يحدث في يوم محدد ولم يبدأ بحدثٍ محدد. هو أشبه بتسرّب مائي داخل جدار: لا يُرى من الخارج، والجدار يبدو متماسكًا، والطلاء ناعم، لكن الإصبع الذي يضغط على المكان الخطأ سيشعر بالرطوبة، بالليونة، بشيء تحت السطح لم يعد صلبًا.
لكن من يضغط على الجدران؟
أخوه يضحك. الأم تبتسم. الأب يرفع رأسه للحظة ثم يعود إلى طبقه. المشهد دافئ. لو صوّره أحد من الخارج — لو التقط صورة الآن، من الزاوية الصحيحة، بالإضاءة المناسبة — لبدت عائلة مجتمعة حول مائدة. ساخنة. حيّة. مكتملة.
الصورة لا تكذب.
لكنها لا تنقل درجة حرارة الهواء بين الأجساد. لا تنقل المسافة الحقيقية — تلك التي لا تُقاس بالسنتيمترات بل بعدد المرات التي مدّ فيها يده ولم يلمس شيئًا. الصورة تُظهر البخار الصاعد من الطعام، لكنها لا تُظهر المكان الذي يتوقف فيه الدفء. لا تُظهر الخط غير المرئي الذي يفصل بين من يُرى ومن لا يُرى. الخط الذي تعلّم — ببطء، بصبر يشبه صبر الصدأ — أن يعيش على جانبه البارد.
أحيانًا يجلس في هذا المقعد نفسه — مقعد الثامنة — ويفكر أنه لو اختفى الآن، لو تبخّر كما يتبخر بخار الطبق، لاحتاج الأمر دقائق قبل أن يلاحظ أحدهم. ليس لأنهم قساة. لا يعتقد أنهم قساة. القسوة تتطلب نيّة، وما يحدث هنا أبعد من النيّة وأقدم منها. ما يحدث هنا أن عيونهم تعلّمت مسارًا ثابتًا: من الطبق إلى الطبق، من الوجه المألوف إلى الوجه المألوف، وهو يقع في المنطقة العمياء. تلك البقعة في الشبكية التي لا تستقبل الضوء. موجود في مركز حقل الرؤية، وغير مرئي تمامًا.
الطفل الذي لا يُرى لا يُكذَّب.
الطفل الذي لا يُرى يكذّب على نفسه. يقول: ربما لم أرفع يدي عاليًا بما يكفي. ربما لم أتكلم بصوتٍ واضح. ربما لو ضحكتُ أعلى. ربما لو بكيتُ أعلى. ربما لو كسرتُ شيئًا — ربما لو كسرتُ شيئًا ثمينًا — سيلتفتون.
أعرف أنهم لن يلتفتوا.
... ثم يكبر. ويفهم أن المسألة ليست في ارتفاع الصوت. المسألة أنه يتكلم بتردد لا تلتقطه آذانهم. كموجة صوتية خارج نطاق السمع — موجودة، حقيقية، تهتز في الهواء، لكنها لا تحرّك طبلة أحد.
البخار توقف.
الطبق أمامه فاتر الآن. يمرّر إصبعه على حافة الطاولة مرة أخرى — الخشب لا يزال أملس، لا يزال بلا أثر — ويفكر أن هذا ربما هو أدقّ تعريف لما يعيشه: أن تجلس إلى مائدة كل مساء، وتأكل، وتمضغ، وتبلع، وتقوم، وتغسل طبقك، وتعود إلى غرفتك، والخشب تحت أصابعك لا يتذكر أنك كنت هنا.
الطعام كان ساخنًا.
لا يذكر إن كان قد شبع.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
