ما يوقظه الحبّ
الاهتمام في بدايته لا يشبه الحب — يشبه الترجمة. أن تهتم بشخص يعني أنك بدأت تقرأ تفاصيله بلغة لم يُعلّمك إياها.
ما لا يتّسع لمقال ولا يُختصر في جملة. كل مجموعة تلاحق فكرة واحدة من زواياها: الوحدة، الخوف، الذاكرة، ما نقوله وما نُخفيه.
الاهتمام في بدايته لا يشبه الحب — يشبه الترجمة. أن تهتم بشخص يعني أنك بدأت تقرأ تفاصيله بلغة لم يُعلّمك إياها.
تكسر الطفلة كوبًا في المطبخ فلا يلتفت إليها أحد، وتكسره أمام الضيوف فتنهال عليها كلمة «عيب» وكأنها ارتكبت خطيئة.
«كُلْ، فما زلتَ لم تبدأ بعد» — تُقال هذه الجملة بإلحاحٍ لطيف كلما حاولتَ وضع الملعقة جانبًا، ويُعاد ملء صحنك دون استئذان.
«ماذا سيقول الناس؟» سؤالٌ يُعاد طرحه قبل كل خطوة، فيُفصَّل القرار على مقاسه.
يبحث الإنسان عن معنى لحياته كمن يبحث عن مفتاح في بيت لا أقفال فيه. يُقلّب الأدراج، يُدخل يده في الجيوب، يشمّ رائحة كل غرفة كأن المعنى له عطر يدلّ عليه.
الندم لا يسكن الماضي كما نظن. الندم حيوان أليف يتبعك إلى كل غرفة، ينام عند قدميك، يأكل من صحنك. تعتاد وجوده حتى تنسى أنه ليس جزءًا منك.
اللحظةُ التي نقرّر فيها ألّا نُكمل شيئًا لا تكون حاسمة؛ بل غامضة. نادرًا ما نتركُ ما نحبّ بقرار؛ بل ننسحب منه تدريجيًّا، فلا نعرف متى انتهى.
القراءةُ الحقيقية ليست استهلاكًا للنصّ؛ بل مواجهةً معه. الكتابُ الذي يُغيّرك ليس الذي يُعطيك إجابات، بل الذي يُجبرك على الاعتراف بما كنتَ تعرفه ولا تجرؤ على…
اللغة ليست أداةً نعبّر بها عن أنفسنا؛ بل هي الحدّ الذي تقف عنده أنفسنا. ما لا نجد له كلمةً، لا نعجز عن قوله فحسب، بل نعجز عن أن نعرف أننا نعيشه.
التفاصيلُ الصغيرة في البيوت، كطريقةِ طيِّ المناشف، أو ترتيب الأكواب، ليست مجرّد عاداتٍ منزلية؛ إنها ديانةٌ خاصّة نمارسها ضدّ الفوضى.
الطفولةُ لا تنتهي بعمرٍ معيّن؛ تنتهي حين نكتشف، للمرّة الأولى، أن الكبار يخافون أيضًا.
أجسادُنا تعرف ما لا تعرفه رؤوسنا. الألمُ الذي يظهر في الكتف، والتوتّرُ الذي يسكن في الفكّ، والضيقُ الذي يُحكم في الصدر، ليست أعراضًا طبّيّة فقط؛ بل اعترافاتُ…
ليس الأرق، بل ما يسبقه. ذلك الثقل الذي يسبق الجفون إلى الوسادة، يستلقي هناك قبلك، ينتظر. تغمض عينيك فتجده مفتوحًا، يحدّق في السقف نيابةً عنك.
العتبةُ لا تخصّ غرفةً ولا الأخرى؛ لهذا نتمهّل عليها لحظةً، كأنّ على المرء أن يستأذن في دخول بيته.
الحنين لا يتذكّر — يُعيد التأليف. الماضي الذي نحنّ إليه لم يكن كما نراه الآن، لأنه حين كان حاضرًا كنّا نحنّ إلى ماضٍ أقدم منه.
نحسب أنّ الذاكرة تحفظ ما كان. لكنّها تعيد بناءه في كلّ مرةٍ نستدعيه — تُدفئ لون الضوء في تلك الغرفة، تُخفّف حدّة الصوت الذي أيقظك، تضيف عطرًا لم يكن هناك.
يقول الناس إن الحرية تعني غياب القيود. لكن المرء حين يُفتح له الباب فجأةً، يتجمّد على العتبة — يشمّ هواء الخارج فيجده بلا رائحة، بلا جدران تعكس نَفَسه.
الأمان لا يُنجَز. يتراجع بالضبط بمقدار ما نتقدّم نحوه، لأن كل مسافة نقطعها تكشف مسافةً لم تكن مرئية من قبل.
الرغبةُ لا تبحث عن موضوعها؛ بل تبحث عن ذاتها في كلّ موضوع. ولهذا، كلّما وصلنا إلى ما نشتهي، اكتشفنا أن الاشتهاء لم يكن هناك أصلًا.
مَن يؤجّل لا يؤجّل فعلًا — هو يستبدل زمنًا يملكه بزمنٍ يتخيّله. والتخيّل هنا ليس حلمًا بل عقدًا مع طرف غائب: غدٌ لم يوقّع على شيء.
الكذبة الأولى التي نتعلمها: أن السعادة هي الحالة الطبيعية، وكل ما عداها انحراف يجب إصلاحه. ثم نقضي العمر نبحث عن خلل فينا، بينما الخلل في التعريف ذاته.
نظنّ أن الفهمَ يُخفّف الألم. فنقرأ ونحلّل ونُسمّي ما نعانيه بمصطلحات دقيقة. لكن التسمية وهمٌ أنيق: نبني فوق الجرح مكتبةً، فيبدو الجرح أصغر.
نتصوّر القلق خللًا ينبغي إصلاحه. لكنّه في جوهره محاولة الذهن أن يمسك بالمستقبل قبل أن يصل — كيدٍ تُغلق على ماءٍ جارٍ فلا تحسّ إلّا ببرودته يتسرّب من بين…
يعرف أن شيئًا ما انكسر، لكنه لا يبحث عنه. يمرّ بيده على صدره أحيانًا كمن يتفقّد جيبًا فارغًا. ليس الألم هو المشكلة — المشكلة أنه لم يعد يُفاجئه.
هناك صمتٌ لا علاقة له بغياب الصوت. صمتٌ له وزن، يضغط على القفص الصدري من الداخل. تستيقظ به، تحمله معك إلى المطبخ، يجلس قبالتك وأنت تحرّك ملعقة في كوبٍ فارغ.
يقولون إنّ الوحدة غيابُ الآخرين. لكنّ أعمق أشكالها يحدث في مطعمٍ مزدحم، حين تضحك في التوقيت الصحيح وتسمع صوتك يخرج منك كأنّه يخصّ شخصًا آخر.
نخلع وجهًا على عتبة الباب، نرتدي آخر في المصعد، ثالثًا حين يرنّ الهاتف. لا أحد يسأل أين نضع الوجه الأول، ذاك الذي كان لنا قبل أن نتعلم الابتسام عند الطلب.
كنتُ أدخل الغرفة وأعدّ الرؤوس التي التفتت. أعدّها كمن يعدّ نبضه بعد الجري — ليتأكد أنه لا يزال حيًّا. الآن أدخل الغرفة وأبحث عن الكرسي الأبعد.