في الساعة التي ينام فيها كل صوتٍ في الدَّارة إلا صوت الماء، كان ساري يخرج بمفتاح الديوان في كفّه، فيجده دافئًا من طول ما حمله، كأن الحديد تعلّم حرارة اليد ونسي حرارة الشمس.
كان يمشي على حافة القناة الكبرى، والطين الرطب يرسل رائحته الثقيلة الطيبة من القاع، ورائحةَ ورقٍ قديم تخرج من جيبه حيث الدفتر الصغير الذي لا يفارقه. عند البوابة الأولى يقف قليلًا، يميل برأسه نحو الخرير كما يميل الطبيب برأسه نحو الصدر، ثم يرفع اللوح الخشبي من مجراه ويقول بصوتٍ لا يوقظ أحدًا: «هذا بيت الحدّاد يا ماء، فاعرِفه.»
ينساب الماء في الساقية الضيقة، ويصدر عند مدخل حوش الحدّاد صوتًا يعرفه ساري من بين ألف صوت: صوت ماءٍ يصطدم بحجرٍ مائل لم يصلحه أحد منذ سنين، فيتقافز فوقه ثم يهدأ. كل بيتٍ في الدَّارة له صوتٌ حين يدخله الماء، والقيّم يعرفها كلها في الظلمة: بيت النخّال يبتلع الماء ابتلاعًا سريعًا لأن أرضه عطشى دائمًا؛ بيت أمّ سالم يستقبله بصوتٍ ناعم لأنها فرشت مجراه بحصى مستوٍ منذ عشرين سنة؛ بيت الراعي فيه غَلَل خفيف تحت الجدار يسرّب قطرات لا يهتم أحد بها؛ وبيت سعدى العجوز، التي تنام وبابها الداخلي موارب لتسمع الخرير قبل أن تسمع الديك، يستقبل الماء بصوتٍ عميق كأنه ينزل في بئر.
عند كل بوابة يقول الجملة نفسها: «هذا بيت فلان يا ماء، فاعرِفه.» ثم يعيد اللوح إلى مجراه فيقف الماء عند الحدّ، مطيعًا كأنه فهم.
كتب في دفتره تلك الليلة، على ضوء قنديلٍ صغير عند عتبة الديوان:
الماء في هذه الساعة لا يشبه ماء النهار. يمشي أخفّ، ويرتطم أقلّ، كأنه يعرف أن لا أحد يسمعه غيري. وأنا لا أطلب منه شيئًا، وهو لا يطلب مني شيئًا، ولذلك نتفاهم.
كان يمرّ في دورته على أربعة عشر بيتًا قبل أن تميل النجوم كلها إلى جهةٍ واحدة من السماء. وحين يصل إلى بوابته هو، في آخر الدورة، كان يرفع اللوح بالحركة نفسها التي رفع بها كل الألواح قبله، ويسمع الماء يدخل نحيلًا فاترًا، متأخرًا كأن الطريق أنهكه، ثم يعيد اللوح ويمضي إلى فراشه.
تلك البوابة وحدها كان يفتحها في صمت.
في النهار تصحو الدَّارة على وجهٍ آخر: سورٌ من طين يحيط بالنخل والبيوت، وبوابةٌ كبيرة تُفتح مع الشمس، وفناءٌ أمام الديوان يجتمع فيه الرجال. وعلى الجدار الرئيسي شعارٌ محفور بخطٍّ عميق قديم:
«الماء يبلغ كلَّ بيت.»
كان الحرف الأول منه قد امتلأ بطحلبٍ أخضر خفيف من رذاذ القناة، فبدا في الصباح أنضر من بقية الحروف.
كان أهل الدَّارة يفخرون بأن أحدًا فيهم لا يقف على باب أحد. يقولون: «الأدب مسافة»، ويعنون بها الشيء الجميل: ألّا تثقل على جارك، ألّا تفتّش عليه، ألّا تُحرجه بسؤال. وحين يمرّ ساري بالفناء صباحًا كان السلام يصله، لكنه يصله متأخرًا قليلًا؛ يمرّ الخبز من يدٍ إلى يد مرتين قبل أن يلتفت أحدهم إليه فيقول: «صباح الخير يا قيّم.» ولم يكن ساري يحسب هذا التأخير؛ أشياء تصل، ولها ساعتها.
نشأ ساري بالمناوبة. مات أبواه في سنةٍ واحدة، فوضعه الديوان في جدول: بيتٌ يطعمه أسبوعًا، وبيتٌ يؤويه أسبوعًا، ودفترٌ يسجّل من أطعمه ومتى، حتى لا يقع على بيتٍ واحد ثِقلٌ لا يحتمله. كان الجدول عادلًا تمامًا. تعلّم ساري العدّ قبل أن يتقن الكلام: عرف أن الأسبوع سبعة، وأن بيت النخّال يأتي بعد بيت الحدّاد.
ودورُ بيته هو السابع: بعد منتصف الليل، حين يصل الماء نحيلًا فاترًا، وقد ذاق فيه طول الطريق وطعم الطين. كان يشربه في الصباح ممتنًّا.
كان الديوان غرفةً طويلة بسقفٍ من جريد، على رفوفها ثلاثة دفاتر:
دفتر الأدوار، وهو أنظف أثاث الدَّارة وأدقّها، يحدّثه مسند كل صباح بخطٍّ صغير متساوٍ، لا يند عنه رقم، ولا يمرّ عليه يومٌ بلا توقيع.
ودفتر النوائب، لتسجيل كل عطلٍ يصيب القناة: انسدادٌ، أو كسرُ لوح، أو ماءٌ فاض على طريق. مفهرسٌ بالسنوات، تُقرأ صفحاته فتعرف تاريخ الأعطال كله منذ أربعين سنة.
ودفتر الافتقاد، الذي أسّسه الجدّ نفسه، وكتب على غلافه بخطّه: «لمن انقطع خبره». ما زال في مكانه على الرف، وما زال ورقه الأول صلبًا لم تلمسه يد، بعد أربعين سنة، لأنه لم يُكتب فيه شيء.
وفي اللوائح مادتان تحرسان النظام. المادة السابعة: نفير الخلل، جرسٌ يُقرع بنقراتٍ معلومة إذا أصاب القناة عطل، يجتمع عندها الديوان «قبل أن يفرغ الإبريق». وكان أطفال الدَّارة يعرفون نقراته لعبةً، يطرقونها على أوانٍ نحاسية فارغة، ويتنافسون في إتقان الفاصل بين النقرة والنقرة. والمادة التاسعة: إذا انقطع خبر أحدٍ ثلاث ليالٍ سُئل عنه، ولها نقراتٌ خاصة منصوص عليها في اللائحة نفسها. لم يكن أحد في الدَّارة، لو سألته، يعرف كيف تُطرَق.
المادة موجودة بخطّ الجدّ، والإيقاع ضاع.
وكان مسند، رئيس الديوان، يشرح ذلك كله بيقين رجلٍ يحبّ ما يحرسه. يقول إن الجدّ الأول، قبل أن يحفر القناة، رأى بيتين تقاتلا على الماء حتى سال الدم قبل أن يسيل النهر، فحفر القناة ووضع الجدول لا ليعطي الناس ماءً فقط، بل ليعفيهم من الحاجة إلى الطلب. ثم يختم بالجملة التي تُقال في الدَّارة كما تُقال الأمثال: «العدل أن لا يحتاج أحدٌ أن يطلب.»
وكان صادقًا.
هذا أصعب ما في الأمر: أنه كان صادقًا.
وضحى، أمينة كتب الديوان، هي أول من علّمه الحروف. كان صغيرًا، يجلس قربها على الحصير بين رفوف الدفاتر، فتعطيه دفترًا ملغى وتقول له أن يكتب في الهامش، لأن المتن مكتوب. قالت له يومًا، وهي تسوّي القلم في يده: «الهامش لك، والمتن للديوان.» فحفظها كما يحفظ الطفل أول قاعدةٍ يسمعها عن العالم، ولم يسأل يومًا لماذا يكون المتن لغيره دائمًا.
حين كبر صار يكتب في دفترٍ صغير سمّاه «دفتر الليل»: يصف الماء وهو يعبر، والنجوم فوق النخل، وصوت البوابات. كانت وضحى تأخذه منه أحيانًا، تنسخ منه سطورًا بخطها الجميل، وتقرأ منها في مجلس النساء عندها، فتقول له بعدها إن فلانة بكت من وصف الماء. وكانت تقول له كلمةً واحدة كلما أعادت الدفتر: «هذا آمن.» ولم يفهم من أيّ شيءٍ تريد أن تؤمّنه.
أعطتني وضحى اليوم قلمًا جديدًا وقالت إن خطّي صار أحسن من خط الديوان. ثم قالت: احفظه للهوامش.
في موسمٍ من المواسم، بلا سببٍ ظاهر، بدأ ساري يتعلّم فعلًا لم يكن يعرف أن له اسمًا: أن يطرق بابًا بلا سبب.
كان قد غرس نخلةً صغيرة عند حائط بيته قبل سنوات، فأثمرت أول تمرها ذلك العام. فوضع التمر في كيسٍ من خوص، وذهب به إلى بيت الحدّاد. وقف عند الباب، ورفع يده، ثم أنزلها، ثم رفعها وطرق. وحين فُتح الباب وجد وجهًا مندهشًا يسأله في لطف: هل في القناة شيء؟
قال إنه جاء بتمر.
فأخذ الحدّاد الكيس وشكره كثيرًا، أكثر مما يشكر رجلٌ رجلًا على كيس تمر، ووقفا في العتبة صامتين لحظة، ثم قال الحدّاد إنه لن يعطّله.
لاحظ جسده الفرق قبل أن يلاحظه عقله: يده كانت ترتجف وهي تمدّ الكيس. عرف الارتجافة؛ كانت ارتجافة يدٍ تحمل شيئًا لا يبرّره جدول. مشى في طريق العودة يشعر بحرارةٍ في وجهه لا يعرف اسمها. وفي تلك الليلة، وهو يفتح البوابات، انتبه إلى أنه يعدّ: أربعة أبواب طرقها هذا الشهر، وباب واحد فقط طُرق عليه في السنة كلها، وكان لأمرٍ يخصّ القناة.
خجل من نفسه خجلًا حقيقيًّا. أن يعدّ الرجلُ ما يعطي وما يأخذ عيبٌ يعرفه كل أهل الدَّارة، والعدّ في هذه البلدة للماء لا للناس. لكنه لم يكن يعرف لغةً أخرى؛ أطعمته البيوت بالدَّور، وكُتب اسمه في دفترٍ قبل أن يُنادى به.
عددت اليوم من سأل عني في مرضي قبل سنتين. ثم شطبت العدد. ثم تذكّرته. الحساب يبقى في الرأس حتى لو مُحي من الورق، وهذا أسوأ ما ورّثوني.
في الأسبوع نفسه مرّ بأطفالٍ يلعبون في ظل السور. كانوا قد قسموا أنفسهم بيوتًا، وجعلوا لكل بيتٍ دورًا، وواحدٌ منهم يطرق على إناءٍ نحاسي نقرات النفير بإتقانٍ عجيب. وقف يتفرّج عليهم مبتسمًا. فرآه أصغرهم، ونادى عليه، وقال إنهم لم يجعلوا له بيتًا في اللعبة، لأنه ليس بيتًا؛ هو القناة. ثم عاد إلى لعبه.
ضحك ساري، وضحك الأطفال. وسألهم بعدها، ليطيل الوقوف معهم، إن كانوا يعرفون نقرات المادة التاسعة كذلك. فنظروا إليه لا يفهمون. قال: النقرات التي تُقرع إذا غاب أحدٌ ثلاث ليالٍ. فقال أكبرهم إن هذه ليست في اللعبة. وقال آخر إنه لم يسمع بها. ثم عادوا إلى نقرات الخلل، يطرقونها في تسابقٍ حتى ملأت الصوتُ الشارعَ كله.
مشى ساري إلى الديوان في ذلك المساء، وفتح اللائحة، وقرأ المادة التاسعة بخطّ الجدّ: نقراتٌ ثلاث متقاربة، ثم فاصل، ثم نقرة. ووقف أمام الجرس المعلّق في الفناء وقتًا طويلًا، ولم يقرعه.
لم يكن هناك من غاب.
في تلك الأيام كتب في دفتر الليل سطرًا لم يشبه ما قبله:
البيوت في هذه البلدة تفتح بواباتها، ولا تفتح أبوابها.
قرأه بعد أن كتبه مرتين، ثم أغلق الدفتر بسرعة، كأن الجملة قد تُسمَع من الورق.
جاءت وضحى في زيارتها التالية وأخذت الدفتر كعادتها. لم تعده في الأسبوع الذي يليه، ولا في الذي بعده. مرّت ثلاثة أسابيع، وكان ساري يمرّ بها في الديوان فتسلّم عليه وتسأله عن القناة ولا تذكر الدفتر، فيسألها هو عن دفاتر السنة الماضية ولا يذكره كذلك، وكان الصمت بينهما مهذّبًا جدًّا.
ثم أرسلته إليه ملفوفًا بخرقةٍ نظيفة، مطويّةٍ بعناية من يلفّ شيئًا هشًّا. فتحه ساري تحت القنديل، يقلّب الصفحات بأصابع مبتلّة بالعرق، يبحث عن كلمة: تعليقٍ، أو تحذير، أو حتى غضب. فلم يجد شيئًا إلا فوق كلمة «بواباتها»: حرفًا صغيرًا بخطّها، مكتوبًا في الأعلى، يصحّح إملاءً وقع فيه سهوًا.
ذلك التصحيح كان كل ما قالته له وضحى إلى آخر أيامه في الدَّارة.
جاء عيد الوفاء كما يجيء كل عام. عُلّقت الأكاليل من السعف الأخضر على البوابات كلها، ودُهن حديد الألواح بزيتٍ حتى لمع، وملأت رائحة الزيت والتمر المشوي الفناء، وطاف الناس بين البيوت يتأملون الزينة كأنهم يزورون القناة لا بعضهم بعضًا.
وقف ساري عند بوابته يشرح لرجلٍ من الشباب كيف يرتفع اللوح، ويده على المقبض تريه المقدار الذي يكفي. فجاء من ينظّم الصور والمواقف وقال له في لطفٍ تام: «تنحَّ خطوة يا قيّم، كي تظهر البوابة.»
فتنحّى خطوة. وظهرت البوابة، لامعةً بزيتها وأكاليلها، وقال أحدهم إنها أجمل عام.
وفي العيد نفسه، كما كل سبع سنين، جرت قرعة الأدوار. أخرج مسند الإناء النحاسي القديم، وسحب الأطفالُ الأوراقَ واحدةً واحدة، ونودي على الأسماء في تصفيقٍ خفيف. خرج بيت النخّال في الدور الأول، وخرج بيت ساري في الرابع، فصفّق الناس له أكثر مما صفّقوا لغيره.
وقبل أن تغرب الشمس كان أهل البيوت قد تبادلوا الأدوار فيما بينهم بموجب «عرف الاستقرار»، لأن الأرض تحفظ ريّها والنخل يعرف ساعته، وليس من الحكمة أن يُقلَب ما استقرّ سبع سنين. تبادلوا بالتراضي، بلا خصومة، بلا ورقة. وعاد كل بيتٍ إلى دوره القديم قبل العشاء.
وعاد دور ساري إلى السابع.
مرض خُضَير في أول الشتاء.
كان خضير ينظّف طمي القناة: يمشي على الضفة كل صباح بمجرافٍ خشبي، يزيل ما تراكم من الطين حول الألواح وعند مفارق الفروع، فيمشي الماء على عمله ولا يقف عنده أحد. رجلٌ وحده، بيتُه عند طرف السور، وكلامه قليل.
في الليلة الأولى لم ينتبه أحد. في الليلة الثانية سأل رجلٌ في الفناء: أين خضير هذه الأيام؟ فقال آخر: «الماء يعرف طريقه»، وضحك الجالسون، وانتقل الكلام إلى موسم التمر.
في الليلة الثالثة احتبس الماء في الفرع الشرقي.
في الصباح وجدوا الطمي متكوّمًا عند المفرق كأنه جدار صغير، والماء يقف عنده ثم يرتدّ. وقُرع النفير، فاجتمع الديوان قبل أن يفرغ الإبريق، وخرج ثلاثة رجالٍ بالمجارف ينظّفون المفرق، واستغرق ذلك ساعتين. وحين قال أحدهم إن خضيرًا لو كان هنا لأنهاها في نصف ساعة، ذهبوا إلى بيته، فوجدوه ملقًى على فراشه منذ ثلاث ليالٍ، لا يقدر أن يقوم إلى الباب.
حملوه، وسقوه، وأقاموا عنده امرأةً من جيرانه تخدمه، وكانوا كرماء تمامًا. وما إن استقام الماء في الفرع الشرقي حتى عادت البلدة إلى نهارها.
في المساء فتح كاتب الديوان دفتر النوائب وسجّل الحادثة بخطٍّ سريع: «نائبة انسداد.» ثم أرّخها، ثم أغلق الدفتر ووضعه في مكانه على الرف.
جاء ساري في الصباح التالي على عادته يراجع الدفاتر قبل دورته. وقف أمام السطر طويلًا، والغرفة باردة، ورائحة الورق القديم تملأ صدره. ثم فتح المحبرة، وشطب السطر بخطٍّ واحد هادئ، وكتب تحته بخطّه:
«نائبة: انقطاع خبر خُضَير ثلاث ليالٍ.»
ثم جفّف الحبر بطرف كمّه، وأعاد الدفتر إلى الرف، وخرج إلى القناة.
قُرع النفير بعد يومين.
سمع ساري النقرات وهو في بيته: ثلاثٌ متتابعة، ثم اثنتان. عرفها كما يعرف اسمه. لبس ومشى نحو الديوان مسرعًا، يفكّر في أي فرعٍ يمكن أن يكون العطل، وفي الألواح التي كان ينوي تغييرها قبل الشتاء. كان قد سمع هذا النفير عشرات المرات في حياته، لكنه كان يسمعه دائمًا وهو في الداخل، بين المجتمعين.
تلك كانت أول مرة يسمعه فيها من الخارج.
كانوا قد سبقوه. اجتمع الديوان بسرعةٍ لم يرها في أربعين سنة، أسرع من أي سلامٍ عرفته الدَّارة. جلسوا في نصف دائرة تحت سقف الجريد، والإبريق في الوسط ما زال ممتلئًا، وضوء الظهيرة ينزل بين السعفات فيرسم خطوطًا رفيعة على الدفاتر المفتوحة أمامهم.
كانت الوجوه كلها معروفة له منذ الطفولة، وكانت كلها لطيفة. لم يرفع أحدٌ صوته. لم ينظر إليه أحد شزرًا. أجلسوه في المقدمة، وقدّموا له الماء أولًا.
قرأ فالح البيان.
فالح ابن عمه، الذي كان ساري يبادله الدور في ليالي الحرّ فيعطيه ساعته لينقذ فسائله، مراتٍ لا يعرف عددها أحد. وقف بورقةٍ مكتوبة بخطٍّ ليس خطّه، وقرأ منها أن الديوان ينظر في مسألة تتصل بسلامة الدفاتر؛ وأن دفتر النوائب موضوع للنوائب التي تصيب القناة؛ وأن ما يخصّ الناس له دفتره؛ وأن التصحيح في الدفاتر من غير جلسة يفتح بابًا لا يُغلق. كانت يده ترتجف قليلًا وهي تمسك الورقة، الارتجافة نفسها التي رآها ساري في يده وهو يشكره في الليل عند البوابة. لكنه قرأ حتى آخر سطر.
ثم تكلم رجلٌ من الحاضرين فقال إن السطر الذي كُتب — «نائبة: غياب خضير عن عمله ثلاث ليالٍ» — فيه اتهامٌ للناس كلهم، وليس هذا من عادات الدَّارة.
لم يكن هذا هو السطر. لم يكتب ساري «غياب» ولا «عن عمله»؛ كتب «انقطاع خبر». فهم ساري، وهو يسمع، أن جملته قد دارت بينهم أيامًا قبل هذه الجلسة، وأن أحدًا منهم لم يجلس معه ليسأله ماذا أراد بها.
كان أمين التصحيح، وقد صحّح في حياته آلاف الأرقام.
لم يصحّح هذا.
جلس صامتًا حتى انتهوا، ثم تُلي القرار بنصّه:
«تقرر إعفاءُ القيّم إكرامًا لطول عنائه، ومنحُه زيادةً ودّية في الدور.»
ثم قام مسند فصافحه بحرارة، وشكره باسم الديوان على أربعين سنة لم تسقط فيها ليلة، وقال إن أحدًا لن يعرف القناة كما عرفها. وكان صادقًا في كل كلمة.
ووُضع المفتاح على صينيةٍ نحاسية صغيرة، مصقولٍ من طول الكفّ، ودُفعت الصينية إليه ليضع المفتاح عليها بيده. وضعه. كان بارد الطرف من ناحية الحلقة، دافئًا من الناحية التي يُقبض عليها. وحين رفع يده عنه سمع صوت الحديد على النحاس، صوتًا خفيفًا نظيفًا مثل صوت فنجانٍ يُعاد إلى مكانه.
بقي في الدَّارة أسابيع بعد ذلك.
اكتشف أن اليوم طويل جدًّا إذا لم تكن فيه ساعات معلومة. كان يستيقظ بعد منتصف الليل في موعد دورته القديم، ويجلس في الظلمة يسمع الماء يمرّ في القناة الكبرى بلا حاجةٍ إليه، ثم ينام قبيل الفجر.
ولاحظ أن السلام صار يمرّ به. لم يقطعه أحد، ولم يمنعه أحد؛ صار يصله ويمضي، كما يمرّ الضوء في الزجاج. لم يعد أحد يسأله عن الألواح ولا عن مواعيد الشتاء، وصار الشباب يمرّون به إلى بيت القيّم الجديد.
وفي دفتر الأدوار، بعد شهر، أُدمج دورُه في دور البيت المجاور «ترشيدًا للجدول ومنعًا لهدر الفائض»، فصار بيته يشرب من فائض جاره، لا من ساعةٍ باسمه. وكان الفائض في الحقيقة أكثر من حصته القديمة.
وفي أحد تلك الأيام وجد على عتبته دفترًا قديمًا مربوطًا بخيط: أحد دفاتر طفولته، ذلك الذي كتب في هوامشه حروفه الأولى بخطٍّ غير متقن، بينما وضحى تكتب في متنه. لم تكن معه رسالة، ولم تأتِ وضحى، ولم يذهب إليها ليسأل. حمله ووضعه في صندوقه مع ثيابه، ولم يعرف إن كان هدية وداعٍ أم تصفيةَ عهدة.
خرج من الدَّارة في صباحٍ عادي، من البوابة الكبيرة، ومعه صندوقٌ صغير ودفتران. سلّم على الحارس، وردّ الحارس السلام، وسأله إن كان سيتأخر. قال: لا أدري. فقال الحارس: على خير.
لم ينتبهوا لغيابه أيامًا. ثم سأل طفلٌ أمّه لماذا لم يعد يسمع خطواتٍ في الليل عند بوابتهم، فقالت له إن للقناة قيّمًا جديدًا، وإن كل شيء بخير، ونام الطفل.
وفي دفتر الأدوار، بعد أسابيع، كُتب في خانة بيته سطرٌ بخطٍّ ليس خطّه، بالصيغة التي ابتكرها هو نفسه قبل عشرين سنة لبيوتٍ انقرضت ولم يبقَ فيها أحد:
«أُقفل الدَّور على خير، وانتقل أهله إلى ما وسِعهم.»
عاش بعدها سنواتٍ في بلدةٍ على نهر.
كان النهر عريضًا لا يُقاس ولا يُدار: يجري في وضح النهار كما يجري في الليل، يأخذ منه من شاء في الساعة التي يشاء، بلا ألواحٍ ولا مفاتيح ولا دفاتر. في الأسابيع الأولى كان يقف على الضفة ويداه لا تعرفان أين تستقرّان، ثم تعلّم أن يضعهما خلف ظهره.
عمل في نسخ الأوراق لتجار البلدة، وكان خطّه أحسن خطٍّ في السوق. سكن غرفةً فوق مخزن، وسلّم عليه الناس في الصباح والمساء، وسألوه عن أهله فقال إنه من بلدة بعيدة فيها قناة، ولم يستفسر أحد أكثر من ذلك، لا لقسوةٍ، بل لأن هذا شأنه.
وظلّ جسده يعدّ. كان يستيقظ في الساعة نفسها كل ليلة، تلك الساعة التي بعد منتصف الليل، بلا جرسٍ ولا موعد، فيمشي إلى الضفة ويقف قليلًا ثم يعود. وكان يحسب في رأسه، بلا قصد، كم مرة سلّم عليه صاحب المخزن هذا الأسبوع، ثم يشتم نفسه في سرّه، ثم يعود إلى الحساب.
هنا الماء أكثر من حاجتهم، ولذلك لا أحد يشكر أحدًا عليه. أظنني كنت أحب القناة لأنها كانت قليلة.
ولم يصله من الدَّارة خبر. مرّ في السنة الرابعة تاجرٌ كان يعرف تلك الجهة، فسأله ساري عن أخبارها، فقال التاجر إنه لم يمرّ بها هذا العام، لكنه سمع أنهم استبدلوا بالألواح الخشبية بواباتٍ من حديد، وأنها تُغلق إغلاقًا محكمًا لا يسرّب قطرة. قال ذلك وهو يعدّ نقوده، ثم انتقل إلى الكلام عن أسعار التمر.
وفي ليلةٍ من ليالي السنة السابعة، أيقظته الساعة نفسها.
قام كما يقوم كل ليلة، ومشى إلى النهر. كان الليل صافيًا، والماء يجري عريضًا في الظلمة بصوتٍ واحد متصل، لا صوت له عند بيتٍ ولا عند بيت. وقف على الطين البارد حافيًا، وأحسّ بردَه يصعد في قدميه.
فتح فمه وبدأ التلاوة القديمة، بالصوت الخافت نفسه الذي لا يوقظ أحدًا:
«هذا بيتُ...»
ثم سكت في منتصفها.
وقف طويلًا، والماء يمرّ أمامه بلا انتظار. ثم قال:
«هذا أنا، ساري بن راشد، فاعرِفه.»
ثم صمت.


