قصائد

لم تُولدي

الشايُ الذي تَعَلَّمَ انتظارَها

يدٌ تكتب على ورقةٍ في ضوء قنديل، وفوق الورقة طيفُ امرأةٍ من دخانٍ مضيء، ونافذةٌ تطلّ على مدينةٍ في الغسق.

ما كان أوّلُ ما جرى بيني وبينَكِ كاللِّقاءْ
بل كنتِ قبل الدار، قبل الاسم، قبل الابتداءْ
ما كان وجهٌ، كان ظلٌّ في الهواءْ
ثم استوى الظلُّ امرأةً
ورفعتِ كفًّا لم أرَهْ
ومشيتِ من جهة الحديث إليَّ من غير ارتباكْ
وجلستِ في طرف الكلام، ولم تقولي: ما هناكْ
وبقيتِ في الغرف الصغيرة، ما سألتُ عن السببْ
وصنعتِ لي بيتًا من الخشب القديم ومن حطبْ

**

وفتحتِ في الجدران نافذةً على ما لا يكونْ
وجعلتِ لي في الوقت ركنًا لا تمرُّ به السنونْ
وتعلَّم الشايُ انتظارَكِ، والرغيفُ تعوَّد الكفَّينِ، والبيتُ اطمأنّْ
فغدوتِ عادتيَ التي لا يعرف الجيرانُ منها غيرَ ظلٍّ في الدخانْ
وملأتِ بيتي بالحكايات التي ما قالها أحدٌ ولا سمع الزمانْ
ولقد أحبَّكِ كلُّ ما في الدار، حتى الماءُ صار له انتظارْ
وأنا أصدِّقُ كلَّ ما تبنينَهُ، والحبُّ أعمى بالنهارْ

**

ثم انكسرْ
شيءٌ صغيرٌ في الكلام، ولم أكن أدري بماذا ينكسرْ
الحبُّ يعرف قبل صاحبه ويصمت كي يداري ما يصيرْ
لا تذهبي
لا تبرحي الدار الصغيرة في السكونْ
لا تتركي اسمَكِ وحدَهُ في الحلق يبحث عن يدينْ
ويمرُّ في الدار اضطرابْ
ويدُ الغياب تجسُّ بابَ الدار، ثمَّ يُدَقُّ بابْ
وأنا أقاوم، والمحبُّ إذا أحبَّ فلا يرى
والحبُّ آخرُ من يرى

**

حتى وقفتُ أمام مرآتي أنادي، فاستدار إليَّ وجهي لا سواهْ
وسألتُ عن أثرِ الخُطى فوقَ الدَّرَجْ، لم يَبْقَ منها اتّجاهْ
وسألتُ جارتَنا القديمة: هل مررتِ بها؟ فقالت: من تريدْ؟
لم تُولَدِي
ما كان أوّلُنا، ولا كان اللقاءْ
وأنا الذي حفر القناة، وخاض فيها، ثم أغرقه صداهْ
وأنا الذي كتب الرسائل، ثم وقَّعها بخطِّ يدِ امرأةٍ
لم تُولَدِي
بل كنتِ رحمةَ خاطرٍ في ليلةٍ لا تنتهي
وأنا الذي أحببتُ فكرتَها، ولم أُحبِبْ مِنْ أحدْ
ماذا أسمّي ما جرى بيني وبيني؟ لا أحدْ
لم تُولَدِي
بل كنتِ أجملَ ما استطعتُ، وكلُّ ما لا نستطيع هو الأشدّْ

**

ولذاك أترك باب غرفتيَ الصغيرة مُشرَعا
ولذاك أترك في الحديث مكان صوتِكِ فارغًا ومُوسَّعا
لا أشتهي أن أستفيقْ
الحلمُ أرحمُ، والحقيقةُ لا تجيد سوى الطريقْ
فأنا أريدُكِ أن تكوني، لا لتبقَيْ، بل لأبقى في يديكِ ولن أفيقْ
لا شيءَ يوجعني سواكِ، ولا سواكِ له شفاءْ
وأحبُّكِ الأولى، وإن لم تُخلَقي، وأحبُّكِ الأخرى بلا أيِّ ابتداءْ
وهنا على ورقي، وفي لغتي، وفي نبضات ما بعد الغدِ

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.