نصوص

خطوط التماس

ثلاثة أكوابٍ بيضاء وواحدٌ أزرق. تضعه في الخلف، ثم تعيده إلى الأمام، ثم ترجعه — ومفتاحه يدخل القفل.

يدٌ تلمس أحد ثلاثة أكواب بيضاء بجانب كوب أزرق داكن، مصفوفة على رفّ خزانة خشبية مفتوحة.

ثلاثة أكواب بيضاء وواحد أزرق.
وضعت الأزرق في الخلف.
ثم غيّرت رأيها.
أعادته إلى الأمام.
لا — هكذا يبدو كأنها تنتظر أحدًا.
أرجعته.
أغلقت باب الخزانة.
فتحته مرة أخرى.
أدارت الكوب بحيث تواجه أذنُه الحائط، لا الباب.
أغلقت الخزانة.
صوت الخشب القديم حين يُغلق — جافّ، قصير، لا يشبه الإغلاق بقدر ما يشبه القطع.

مفتاحه في القفل.
صوتان معدنيان: الأول حين يدخل المفتاح، والثاني حين يستدير.
بينهما فاصل تعرفه — تردّد يده المعتاد قبل أن يفتح.

— وصلتِ قبلي.
— بقليل.

معه رائحة الخارج.
ليست عطرًا — هواء جافّ وبقايا حرارة شمس متأخرة محتبسة في نسيج القماش.
دخل بها إلى المطبخ، وخلال ثوانٍ ذابت في هواء المكان.
جلس على الكرسي المقابل.
وضع هاتفه على الطاولة بشاشته نحو الأسفل.
لاحظت ذلك.
شيء انقبض — ليس في مكان محدّد.

— القهوة جاهزة؟
— لا. نسيت.

لم تنسَ.
لكن «نسيت» أقصر من الحقيقة.
والحقيقة كانت وقوفًا طويلًا أمام خزانة وكوبًا يتنقّل بين موضعين.

نهض ليُعدّها.
فتح الخزانة.
يده ذهبت مباشرة نحو الأزرق.

— هذا كوبكِ المفضّل، صح؟

هزّت رأسها.
حركة لا تعني نعم ولا تعني لا.

أدار صنبور الماء ليملأ الغلّاية.
صوت الماء على المعدن — أجوف في البداية، يرتجّ، ثم يمتلئ تدريجيًّا ويثقل ويصير أغمق، حتى يختفي تحت مستوى السطح.
أغلق الصنبور.
وقف ينتظر الغلّاية.
هي تنظر إلى ظهره.
عرض كتفيه يأخذ حيّزًا من المطبخ لم تنتبه له من قبل.
المطبخ يبدو أضيق قليلًا حين يقف هو فيه.

صبّ القهوة.
وضع الكوب أمامها.
جلس.
بخار رفيع يصعد من السطح الأسود ثم يتلاشى.

ضوء ما بعد الظهيرة يدخل من النافذة بزاوية منخفضة.
مستطيل شاحب على البلاط بينهما، حوافّه واضحة — خط فاصل بين بلاطة مضاءة وبلاطة مُعتمة.
هي على حافة الضوء.
هو في وسطه.
ذرّات غبار ترتفع وتهبط في المستطيل المضاء ببطء شديد.
رائحة البنّ تملأ المسافة.
صوت البرّاد الخافت — هدير بعيد، منتظم.

— جارتك الجديدة تسمع موسيقى عالية.
— كل يوم. من الثالثة للسابعة تقريبًا.
— ألا يزعجك؟
— اعتدتُ عليها. أحيانًا أشغّل شيئًا فوقها. أحيانًا أتركها.

أتركها.

الكلمة بقيت في الهواء لحظة.
لكنّ يده توقّفت — توقّف لا يُرى، يُحسّ فقط في تغيّر إيقاع حركته.

— هل تريدين أن أصلح مقبض الباب قبل ما أمشي؟
— أيّ باب؟
— باب الحمام. قلتِ الأسبوع الماضي إنه يصدر صوتًا.
— أصلحتُه.
— بنفسك؟
— ليس صعبًا.

أخذ رشفة.
نظر من النافذة.
هي راقبت يديه.
كان يلفّ الكوب بكلتيهما — الأصابع متشابكة حول الخزف، بيضاء قليلًا عند المفاصل من الضغط.
بعد الرشفة الأولى أرخى كتفيه.
يداه تغطّيان الكوب بالكامل.
هذا ما جعلها تنظر بعيدًا.

— الأسبوع الجاي عندي معرض صغير. في ذلك المكان اللي في الدرعية.
— أعرف.
— حجزت ستّ لوحات بس.
— ست لوحات كافية.
— ما أعرف. ممكن أسحب وحدة.
— ليش؟

صمت.

من الجدار المشترك مع الجارة، إيقاع خافت — باص كهربائي عميق يتسرّب عبر الخرسانة.
ليس صوتًا بعد.
اهتزاز تشعر به في باطن القدمين أكثر ممّا تسمعه بالأذن.

اللوحة السادسة كانت قد رسمتها بعد ليلة قضاها عندها.
لم يحدث فيها شيء — عشاء بسيط، حديث متقطع.
نام على الأريكة وهي ترسم.
تنفّسه بطيء، ثابت، يتسرّب من الغرفة الأخرى كصوت ماء في أنابيب بعيدة.
يدها كانت تتحرّك على القماش بإيقاع مختلف عن المعتاد.
أبطأ. أقل حذرًا.
الفرشاة تنزل أنعم على السطح — ضغطة أخفّ.
حين رأت اللوحة في ضوء الصباح، الألوان كانت أدفأ. الخطوط أليَن.
ما يحدث حين تسمع تسجيلًا لصوتها.

— أيّ لوحة؟
— الأخيرة.
— اللي فيها الأزرق الغامق؟
— إيه.
— تلك أحسن لوحة.

مستطيل الضوء على البلاط تحرّك.
ملليمترات.
حافّته وصلت إلى طرف قدمها — حرارة خفيفة على الجلد عبر الجورب.

— سلمان.
— هم؟
— لا... لا شيء.

اسمه فقط.
نطقته لتتأكد أنه شخص آخر، هناك، على الجهة الأخرى من الطاولة.


ليس في الخطوط التي رسمتها يدها وهو نائم.

— أعتقد... لازم نتكلم عن—

رنين الغسالة.
صوت ميكانيكي حادّ.
طنّة إلكترونية واحدة، ثم صمت، ثم طنّة ثانية.

وقفت.
أسرع ممّا ينبغي.
الكرسي انزلق على البلاط — احتكاك جافّ سكن فورًا.
مشت نحو الغسالة.
فتحت بابها.
رائحة المنظّف خرجت دفعة واحدة — كيميائية،
حادّة، نظيفة بشكل لا يشبه أي نظافة طبيعية.
بخار خفيف يتصاعد من فوّهة الآلة.
الملابس في الداخل ملتفّة على بعضها.
بدأت تُخرجها قطعة قطعة.

هو بقي جالسًا.
ينظر إلى ظهرها.
قميص أبيض.
بنطال رمادي.
منشفة.

كل قطعة تخرج ثقيلة بالماء — قماش يلتصق بأصابعها ثم ينفصل ببطء.
تمدّه بين يديها، تسوّي التجاعيد بكفّيها — ضغطة من الأعلى للأسفل، بطيئة — تعلّقه بمشبك.
نقرة المشبك حين ينقرّ: صوت معدني صغير، حادّ، نهائي.

ثم — توقّفت.

في يدها قميصه.
الرمادي الذي تركه المرة الماضية.
كانت قد وضعته في الغسالة مع ملابسها.
لم تفكّر في ذلك حينها.
أو فكّرت ولم تتوقّف.
أو توقّفت ولم تُرجعه.
القماش بين أصابعها مختلف — أثقل، نسيج أخشن، يحتفظ بماء أكثر.

علّقته.
بين قميصها الأبيض وبنطالها.
لم تضعه في جهة.
لم تفصله.
بقي هناك —
قماش رمادي مبلّل بين قماشين لها.
يقطر على البلاط بإيقاع غير منتظم.

حين عادت إلى المطبخ، لم تنظر إليه.
لكنها رأت — بحافّة بصرها — أن نظره كان على حبل الغسيل.
تأخّر فيها جزءًا من الثانية أكثر من اللازم.

ثم عاد إلى كوبه.
لم يقل شيئًا.
وجهه لم يتغيّر.

القهوة باردة.
قهوتها وقهوته.

مستطيل الضوء لم يعد موجودًا.
الموسيقى من شقة الجارة توقّفت — حتى الاهتزاز في الأرضية.

— بكرة عندي اجتماع بدري، قال. وقام.

الكرسي تحرّك.
نفس صوت الاحتكاك.

— طيب.

مشى نحو الباب.
توقّف عند حبل الغسيل.
نظر إلى القميص الرمادي بين ملابسها.

ثانيتان.
لم تستطع أن تقرأ وجهه لأنها كانت تنظر إلى يديه.
ويداه لم تتحرّكا نحو القميص.

— خلّيه عندك. ألبسه المرة الجاية، قال.
بنبرة من يقول: «أغلقي النافذة قبل ما تنامين.»
مشى إلى الباب.

— اللوحة. لا تسحبيها.

لم تردّ.
أغلق الباب.

صوت عادي.
صوت شخص يخرج من بيت شخص آخر في مساء يوم عادي.
ثم خطواته في الممرّ — تبتعد.
كل خطوة أخفت من التي قبلها.
الأخيرة لم تسمعها.
ربما حدثت وربما لا.

بقيت جالسة.
الهواء في المطبخ بدأ يبرد.
تشعر به على ذراعيها العاريتين.

مدّت يدها نحو كوبه هو.
ليس كوبها.
كوبه.
الأبيض.
رفعته.
حافّته لا تزال تحمل أثر رطوبة خفيفة حيث لمستها شفتاه.
رشفت من نفس المكان.
القهوة باردة تمامًا.
مرّة.
وفيها طعم آخر لا تعرف إن كان من القهوة التي بردت أو من فم شرب من نفس الحافّة.

وضعته.
قامت.
غسلت الكوبين.
الماء الساخن على يديها — حرارة بعد البرودة.
أصابعها تحمرّ تحت الماء.
رائحة الصابون.

فتحت الخزانة.
الأزرق في الخلف حيث تركته.
مدّت يدها.
أمسكت به.
الخزف بارد.
أخرجته ببطء —
وحرّكته نحو الأمام.

نصف المسافة.
ليس في الخلف، وليس في الأمام.
في مكان بين المكانين.
تركته هناك.

أغلقت الخزانة.
وبقيت واقفة أمامها.

المطبخ معتم.
وقميصه يقطر في الغرفة الأخرى —
نقطة...
نقطة...
نقطة.

نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.