الملف مفتوح أمامي منذ أربعين دقيقة.
أعرف ذلك لأن القهوة كانت ساخنة حين جلست،
والآن غشاء رقيق يغطي سطحها كجلد ميت.
لم أقرأ سطرًا واحدًا بعد.
أقول لنفسي إنني أستعد.
أرتّب ذهني.
شيء في رائحة الحبر على الورق —
رائحة معدنية خفيفة تشبه الدم القديم —
يجعل أصابعي تتصلّب قبل أن تقلب الصفحة.
ثلاثة أيام.
أمامي ثلاثة أيام لإغلاق الملف قبل أن تنتقل القضية إلى مكتب آخر.
الرقم لا يعني شيئًا بذاته —
ثلاثة أيام يمكن أن تكون عمرًا أو لا شيء —
لكنه يضغط على مكان محدد خلف عيني اليسرى،
نبض صغير متواصل لا يهدأ منذ أن وصلني الإنذار صباح الثلاثاء.
وجزء مني يريد لهذه الأيام الثلاثة أن تمرّ.
أن ينتقل الملف إلى مكتب آخر.
أن يقرأه شخص لا يعرف أحدًا فيه.
القتيل: ماجد عبدالله المنصور.
أربعة وخمسون عامًا.
وُجد في مكتبه، الباب مقفل من الداخل بالمفتاح.
لا كسر، لا عنف ظاهر.
فقط رجل جالس خلف مكتبه،
رأسه مائل قليلًا إلى اليمين كمن ينصت لشيء بعيد،
وفنجان شاي نصف فارغ أمامه.
السم — وقد كان سمًا، أكّد التقرير ذلك —
مادة بطيئة الأثر تذيب جدار المعدة من الداخل كحمض صامت.
السم كان في الشاي.
هذا واضح.
ما ليس واضحًا هو كل شيء آخر.
ثلاثة أشخاص كانوا في المبنى ذلك المساء:
زوجته نوف، شريكه التجاري فهد، وسكرتيرته ريم.
كل واحد منهم يملك سببًا.
كل واحد منهم يملك فرصة.
أول ما لاحظته حين دخلت مكتب ماجد —
والملاحظات الأولى هي الأصدق، قبل أن يتدخل العقل بتفسيراته —
كان البرودة.
ليس برودة التكييف،
بل برودة أخرى.
برودة غرفة لم يتنفس فيها أحد منذ ساعات.
الهواء كان ثقيلًا وساكنًا كماء في بركة راكدة.
ثم الرائحة.
ليست رائحة موت — تلك تأتي لاحقًا —
بل رائحة نظافة مفرطة.
معقّم، وتحته شيء آخر —
بقايا عود، خيط رفيع من البخور القديم عالق في نسيج الموكيت.
كأن أحدًا مسح كل سطح في المكتب بعناية قبل أن يغادر.
سطح المكتب لامع بشكل غير طبيعي،
كمرآة بُنّية صغيرة.
الأرضية خالية من أي أثر.
حتى سلة المهملات كانت فارغة.
هذا الفراغ قال شيئًا.
لكنني اخترت ألا أكتبه.
من ينظّف مكتبًا بهذه العناية قبل أن يتركه؟
سألت نفسي هذا السؤال مرة واحدة،
ثم أسكتُّه.
كان مبكرًا جدًا — هذا ما قلته لنفسي.
أول ما رأيته منها كان الهدوء.
هدوء مدروس،
كشعر أسود مسحوب إلى الخلف بإحكام.
نوف.
زوجته.
حين سألتها أين كانت الساعة السابعة مساءً —
الوقت التقريبي الذي تناول فيه ماجد الشاي —
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“في الطابق السفلي.
أنتظره كي نعود إلى البيت معًا.
أنتظره دائمًا.”
كلمة «دائمًا» لفتتني.
لا الكلمة نفسها، بل الطريقة التي نطقتها بها.
بوزن.
سألتها عن علاقتها بزوجها.
«طبيعية»، قالت.
ثم أضافت، بعد صمت لم يكن طويلًا لكنه كان كافيًا لأشعر بحافته:
«طبيعية كأي زواج بعد عشرين سنة.»
لم أسأل.
لكن شيئًا في نبرتها —
أو ربما في رائحة عطرها،
عطر ثقيل فيه نفحة خشبية تشبه رائحة الأثاث القديم —
جعلني أنتقل إلى السؤال التالي بسرعة أكبر مما ينبغي.
أصابعه هي أول ما لفتني.
تعبث بأي شيء قريب — قلم، حافة طاولة، زر قميصه.
فهد.
شريك ماجد.
وجه عريض وعينان لا تستقران.
وأصابع فهد كان لها اتجاه.
«ماجد كان مديونًا»، قال فهد،
بنبرة من يلقي حقيقة مؤلمة لكنه ارتاح لإلقائها.
“ثلاثة ملايين للشركة،
ومثلها ديون شخصية ما أعرف تفاصيلها.
كنت سأواجهه بها هذا الأسبوع.”
«سأواجهه.»
الفعل المستقبلي.
رجل يتكلم عن خطة لم تعد ممكنة.
سجّلت هذه الملاحظة.
ثم قال شيئًا غريبًا:
«ماجد كان يعرف.»
«يعرف ماذا؟»
“أنني سأواجهه.
كان يعرف أنني اكتشفت.”
«كيف تعرف أنه كان يعرف؟»
صمت.
أصابعه توقفت عن الحركة لأول مرة منذ بداية الجلسة.
«لأنه غيّر أقفال مكتبه قبل أسبوع.»
هذه معلومة لم أجدها في أي تقرير.
أقفال جديدة.
مفتاح جديد.
مكتب مقفل من الداخل بمفتاح
لم يمضِ على صنعه أسبوع.
كتبتها في ملاحظاتي مرتين.
خطّطت تحتها.
كنت سأنهي الجلسة.
لكن فهد قال شيئًا آخر وهو يقف:
“كان يجب أن أسأله إن كان بخير.
لكنني لم أسأل.
لم يسأله أحد.”
سجّلت الجملة.
لم أتوقف عندها.
صمت.
هذا ما استقبلني به المقعد الثالث.
صمت مختلف عن هدوء نوف.
هدوء نوف كان سطحًا أملس فوق ماء عميق.
هذا كان فراغًا.
كأن من تجلس أمامي أفرغت نفسها عمدًا
قبل أن تدخل الغرفة.
ريم.
سكرتيرة ماجد.
جلست على الكرسي ولم تسند ظهرها.
جسدها في نصفه الأمامي — حاضر، منتبه —
لكن كتفيها كانتا منسحبتين إلى الداخل، قليلًا،
كأنهما تحميان شيئًا في الصدر.
حين دخلت الغرفة، نظرت إليّ نظرة واحدة
ثم أنزلت عينيها.
ليس خجلًا.
أنزلتهما بطريقة
من يعرف أن ما في عينيه قد يقول أكثر مما ينبغي.
أجابت على كل سؤال بدقة مقلقة.
الأوقات، الأماكن، التفاصيل — كلها حاضرة ومرتبة.
أعرف من التجربة أن الذاكرة المثالية في التحقيقات
عادةً تعني أحد أمرين:
إما ذاكرة استثنائية فعلًا،
أو رواية مُعدّة مسبقًا.
لكن هناك تفصيلة واحدة.
حين سألتها عن الشاي —
من أعدّه، كيف وصل إلى مكتب ماجد —
ارتجفت يدها اليسرى.
رأيتها.
رأيتها بوضوح كافٍ لأكتب عنها.
في الملاحظات كتبت:
«ربما ارتجفت.»
أضفت «ربما»
وأنا أعرف أنني رأيت.
«أنا أعدّ الشاي كل يوم»، قالت.
“أتركه على مكتبه قبل أن أغادر.
هذا روتين منذ ثلاث سنوات.”
ثلاث سنوات.
قالتها بصوت مستوٍ.
لكن أصابعها اليسرى انضمّت إلى بعضها فوق ركبتها.
قبضة صغيرة ليست قبضة.
كمن يمسك بخيط لا يريد أن يفلته.
“قبل أن تغادري…
أي أن الشاي يبقى وحده في المكتب بعد مغادرتك.”
«نعم.»
كان يجب أن أسألها:
“لماذا ثلاث سنوات؟
لماذا أنتِ تحديدًا؟”
كان يجب أن أسأل عن العلاقة
التي تجعل شخصًا يعدّ الشاي لشخص آخر
كل يوم لمدة ثلاث سنوات.
كان يجب أن ألاحظ
أن كتفيها انسحبتا أكثر
حين ذكرت اسمه.
لكنني سألتها عن الأوقات.
«كم من الوقت بين مغادرتك وشربه للشاي عادةً؟»
«عشر دقائق. خمس عشرة. يعتمد على اجتماعاته.»
عشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة.
لكن ماجد غيّر الأقفال قبل أسبوع.
فمن يملك المفتاح الجديد؟
كان هذا هو السؤال الذي يجب أن يُوجَّه لريم.
هي الأقرب.
هي التي تدخل المكتب كل يوم.
لكنني لم أسألها.
انتقلت إلى الأقفال كمسألة لوجستية —
سألت مكتب الصيانة —
وأبعدت ريم عن مسار السؤال.
هنا يبدأ الشقّ.
سألت مكتب الصيانة.
المفتاح الجديد: نسختان فقط.
واحدة مع ماجد — وُجدت في جيب سترته —
وواحدة «احتياطية»
كان يُفترض أنها في خزانة الإدارة.
الخزانة فارغة.
النسخة الثانية غير موجودة.
أحد الثلاثة يملكها.
أو ماجد نفسه أعطاها لشخص ما.
ليس خوفًا من هذا الشخص.
بل لأنه كان يثق به.
رجل يغيّر أقفاله خوفًا من شخص،
ثم يعطي النسخة الاحتياطية لشخص آخر.
شخص قريب.
يومان متبقيان.
أفتح الملف مرة أخرى.
صور مسرح الجريمة.
المكتب اللامع.
الفنجان نصف الفارغ.
وجه ماجد المائل قليلًا إلى اليمين.
أنظر إلى الصور
وأشعر بشيء يتحرك في قاع ذاكرتي.
يشبه لحظة تسبق العطسة —
شيء يكاد يتشكّل
ثم يتراجع.
المكتب نظيف جدًا.
هذا أول ما لاحظته.
لكنني الآن ألاحظ شيئًا آخر:
المكتب نظيف،
لكن الكرسي ليس كذلك.
مسند الذراع الأيمن عليه بقعة صغيرة.
في الصورة تبدو داكنة،
بنّية ربما.
أقرّب الصورة.
لا أستطيع التأكد.
لماذا ينظّف أحدهم كل المكتب
ويترك بقعة على الكرسي؟
شخص نظّف المكتب
قبل أن يحدث ما يحدث فيه.
أكتب في ملاحظاتي:
«التنظيف ربما سبق الحادثة.»
أنظر إلى الجملة.
أمسح كلمة «ربما»
ثم أعيدها.
أعود إلى فهد.
إلى جملته: «ماجد كان يعرف.»
إلى أصابعه
التي تتحرك نحو جيبه.
أطلب منه إفراغ جيوبه.
يتردد.
ثم يخرج محفظة، مفاتيح سيارة، هاتفًا،
وورقة مطوية.
الورقة عليها رقم هاتف.
بخط ماجد —
أتعرف على خطه
من التوقيعات في الملف.
رقم لا اسم بجانبه.
أتتبع الرقم.
الرقم يعود لعيادة نفسية.
ماجد كان يراجع طبيبًا نفسيًا.
هذا أيضًا لم يكن في أي تقرير.
أمسك بهذه المعلومة.
أضعها في خانة فهد.
فهد يعرف عن العيادة.
الورقة في جيب فهد.
أكتبه.
أخطّط تحته.
السرية الطبية تمنعني من الوصول إلى الملف.
لكنني أحصل على معلومة واحدة من الاستقبال —
معلومة صغيرة تُقال عرضًا:
“آخر موعد له كان الثلاثاء.
جاء مع شخص.
لا أتذكر إن كان رجلًا أو امرأة.”
الثلاثاء.
قبل يومين من وفاته.
جاء مع شخص.
أكتب هذا في الملاحظات.
أكتبه بسرعة.
لا أتوقف عنده.
لا أرسم حوله دائرة
كما فعلت مع ديون فهد وأقفال ماجد.
أكتبه
وأقلب الصفحة.
أراجع تسجيلات كاميرا المبنى.
لا توجد كاميرا داخل المكتب.
لكن هناك كاميرا في الممر.
أراقب التسجيل
من الساعة الخامسة حتى الثامنة مساءً.
الخامسة وعشر دقائق:
ريم تخرج من المكتب.
تحمل حقيبتها.
تمشي بخطوات ثابتة.
لا شيء غير عادي.
أوقف التسجيل هنا.
أعيده.
أشاهد ريم تخرج مرة أخرى.
خطواتها ثابتة.
ثابتة جدًا.
أعيده مرة ثالثة.
لا.
خطوات عادية.
أمضي.
الخامسة والنصف:
فهد يدخل إلى الممر.
يقف أمام باب المكتب.
لا يدخل.
يقف ثلاثين ثانية — عددتها —
ثم يمشي بعيدًا.
السادسة إلا ربعًا:
نوف تصعد الدرج.
تتوقف في الممر.
تنظر إلى باب المكتب.
ثم تنظر إلى الكاميرا.
ثانية واحدة.
ربما أقل.
ثم تدخل المكتب.
تبقى ثماني دقائق.
تخرج.
تنزل الدرج.
السادسة والربع:
لا أحد.
السادسة والنصف:
ماجد يدخل مكتبه.
وحده.
لا أحد يدخل بعده.
أسجّل كل هذا بعناية.
أرسم جدولًا زمنيًا.
أضع علامات.
ملاحظاتي عن فهد ونوف
تملأ صفحة ونصف.
ملاحظاتي عن ريم —
خروجها في الخامسة وعشر دقائق،
خطواتها،
حقيبتها —
أربعة أسطر.
أربعة أسطر.
يوم واحد.
أنا الآن أمام ثلاث حقائق
وحفرة لا أرى قاعها:
ريم أعدّت الشاي وغادرت.
فهد وقف أمام الباب ولم يدخل.
نوف دخلت وبقيت ثماني دقائق.
الاحتمال الأبسط:
نوف وضعت السم في الشاي
خلال الدقائق الثماني.
لديها الفرصة.
لديها الوصول.
ولديها الدافع:
عشرون سنة
من «الطبيعي»
الذي لم أسأل عن معناه.
لكن لماذا تنظر إلى الكاميرا؟
لماذا تريد أن تُسجَّل
وهي تدخل مكتب رجل
سيموت بعد ساعة؟
إلا إذا كانت تريدني أن أشتبه بها —
فأبحث عمن يختبئ.
ومن يختبئ؟
فهد وقف أمام الباب ولم يدخل.
لكن الكاميرا تغطي زاوية واحدة من الممر.
هناك عشر ثوانٍ
بين خروج ريم
ووصول الصورة التالية.
خلل في التسجيل.
عشر ثوانٍ.
عشر ثوانٍ
بعد خروج ريم تحديدًا.
لم أكتب هذه الملاحظة.
كتبت: «خلل في التسجيل» فقط.
لم أربط بين الأمرين في الملف.
هل يكفي عشر ثوانٍ
لفتح باب،
وضع شيء في فنجان،
وإغلاق الباب؟
ربما.
إن كان لديك المفتاح.
إن كنت تعرف مكان الفنجان.
إن كنت تضعه على المكتب
كل يوم
منذ ثلاث سنوات.
الجملة الأخيرة كتبتها
ثم شطبتها.
كتبت فوقها:
«ينطبق على أي شخص يعرف المكتب.»
أتصل بالعيادة النفسية مرة أخرى.
هذه المرة أضغط أكثر.
لا أطلب الملف.
أطلب شيئًا واحدًا:
هل الشخص الذي رافق ماجد يوم الثلاثاء
كان رجلًا أم امرأة؟
الموظفة تتردد.
ثم تقول:
“أظن أنها كانت امرأة.
شابة.”
ريم.
ريم رافقت ماجد
إلى الطبيب النفسي
قبل يومين من موته.
ريم التي تعدّ له الشاي
كل يوم
منذ ثلاث سنوات.
ريم التي ارتجفت يدها
حين سألتها عن الشاي.
ريم التي انسحبت كتفاها
حين ذكرت اسمه.
أكتب اسمها في ملاحظاتي.
ثم أقلب الصفحة بسرعة.
والآن أقف
أمام السؤال الذي لا أريد أن أسأله.
حين دخلت غرفة التحقيق،
حين رأيت وجهها —
الهادئ،
المجوّف،
الفارغ كغرفة أُخلي منها كل أثاث —
تذكّرت حفل تخرّج.
بطاقة تهنئة
كتبت عليها كلامًا لا أتذكره.
وجه أبيها
وهو يقدّمها لي.
ابنة زميل قديم.
أراجع ملاحظاتي.
ملاحظاتي من جلسة ريم
أقصر بكثير
من الجلستين الأخريين.
جمل مبتورة.
أسئلة لم أطرحها.
لم أسألها عن علاقتها بماجد خارج العمل.
لم أسألها لماذا رافقته إلى الطبيب.
لم أسألها عن المفتاح الاحتياطي.
لم أسألها
ما الذي كان يحدث في ذلك المكتب
لمدة ثلاث سنوات
خلف باب مغلق.
وفي الهامش — بخطي —
كلمة واحدة شطبتها
لكنها لا تزال مقروءة:
«بريئة.»
كتبتها
قبل أن أسألها
سؤالًا واحدًا ذا معنى.
ساعات.
أفتح التسجيل مرة أخرى.
أراقب ريم تخرج من المكتب.
الخامسة وعشر دقائق.
تمشي بخطوات ثابتة.
تحمل حقيبتها
في يدها اليمنى.
أوقف الصورة.
حقيبتها في يدها اليمنى.
حين دخلت مكتب التحقيق،
كانت الحقيبة على كتفها الأيسر.
لا شيء غريب.
الناس يغيّرون
طريقة حمل حقائبهم.
لكن هناك شيئًا آخر.
حقيبتها في التسجيل
تبدو أثقل.
الطريقة التي تميل بها يدها،
الانحناءة الطفيفة في المعصم.
أراه.
لكنني أكتب في الملاحظات:
«لا ملاحظة ذات دلالة.»
لا ملاحظة ذات دلالة.
لكنني أعود
إلى التفصيلة التي أهملتها:
ريم تخرج
الخامسة وعشر دقائق.
بعدها عشر ثوانٍ من الخلل.
ثم يظهر فهد.
عشر ثوانٍ.
ماذا لو لم تكن تلك
عشر ثوانٍ من الخلل؟
ماذا لو كان أحدهم يعرف
أن الكاميرا تنقطع
حين يُفتح باب الطوارئ
في نهاية الممر؟
ماذا لو خرجت من الباب الأمامي،
ثم عادت من باب الطوارئ،
دخلت المكتب
في العشر ثوانٍ الميتة،
وضعت ما يجب وضعه في الفنجان،
ثم خرجت
قبل أن تعود الصورة؟
هذا يتطلب دقة جراحية.
ومعرفة بنظام الكاميرات.
ومفتاحًا.
وريم كانت ترافق ماجد
إلى طبيبه النفسي.
وريم كانت تعدّ له الشاي
كل يوم.
وريم هي الشخص
الذي كان ماجد —
الرجل الخائف
الذي غيّر أقفاله —
قد يمنحه مفتاحًا.
ليس خوفًا منها.
بل ثقةً بها.
لكن الدافع.
أين الدافع؟
فهد لديه ثلاثة ملايين سبب.
نوف لديها ما يكفي.
إلا إذا كان الدافع
من نوع
لا يُكتب في التقارير.
ماجد كان يراجع
طبيبًا نفسيًا.
ريم رافقته.
ثلاث سنوات
من العمل
مع رجل يملك عليها سلطة.
وجهها المجوّف.
ذلك الفراغ
الذي ظننته هدوءًا
ولم أسأل عمّا أفرغه.
وحين ذكرتُ اسم ماجد
أول مرة،
انسحبت كتفاها
إلى الداخل.
أفكر في هذا
وأشعر بشيء يتحرك في صدري.
لكنني لا أكمل الفكرة.
أقلب الصفحة.
اليوم الأخير.
أجلس في المكتب.
الملف أمامي.
القهوة باردة مرة أخرى.
والغشاء على سطحها
أصبح أسمك.
لا يتحرك.
كأنه تصلّب.
ليس لديّ دليل قاطع.
لديّ عشر ثوانٍ ميتة،
وبقعة على كرسي
لم أطلب فحصها،
ورقم عيادة
في جيب شريك،
ونظرة زوجة
إلى كاميرا،
ويد سكرتيرة
ارتجفت
وأنا كتبت «ربما.»
لديّ ثلاثة أشخاص
يستطيع كل واحد منهم
أن يكون القاتل.
واحد منهم
تركته يخرج من غرفة التحقيق
بأسئلة أقل
وملاحظات أقصر.
أكتب التقرير الأخير.
أضع فهد
في الخانة الأولى.
الديون.
الفرصة.
الوقوف أمام الباب.
الورقة في جيبه.
الأقفال
التي غُيّرت بسببه.
القصة منطقية.
متماسكة.
تكفي لإغلاق الملف.
أبنيها بعناية —
كل دليل طوبة.
أضع القلم على الورقة.
أكتب اسمه:
فهد عبدالعزيز الفهيد.
الحبر يسيل
على الورقة بسلاسة.
ثم أتوقف.
الغشاء على القهوة
لا يتحرك.
الهواء في المكتب
ثقيل وساكن.
برودة غرفة
اتُّخذ فيها قرار.
في الهامش —
تحت اسم فهد،
تحت التقرير المرتّب،
تحت كل شيء —
تظهر كلمة واحدة:
«ريم.»
أنظر إليها.
لا تدخل التقرير.
أشطبها.
ليس بخط سريع.
بخط بطيء.
متعمّد.
أشطبها
حرفًا حرفًا.
أغلق الملف.
الباب مقفل من الداخل.
المفتاح الاحتياطي
لم يُعثر عليه.
البقعة على الكرسي
لم تُفحص.
والعشر ثوانٍ الميتة
ستبقى ميتة.
أترك القهوة
على المكتب.
الغشاء فوقها
أصبح سطحًا أملس
لا يعكس شيئًا.
كمرآة انطفأت.
أمشي إلى الباب.
أدير المقبض.
بارد تحت أصابعي.
بارد
كمعدن لم يلمسه أحد
منذ وقت طويل.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
