كان القلمُ في يدي قبل أن أُقرّرَ أن أكتب.
هي أمامي مباشرةً، يفصلُنا وعاءٌ زجاجيٌّ صغيرٌ فيه نبتةٌ نسيَت أن تقف. خلفنا آلةُ القهوة تدفعُ بخارَها بأزيزٍ قصيرٍ ثم تصمت، وكرسيٌ يُسحب على البلاط في مكانٍ ما، وصوتان يضحكان عند الطاولة المجاورة. بيننا نحن، لا صوت.
كتبتُ أولًا أن نظرتَها الأخيرة كانت باردة. ثم شطبتُها. «باردة» كلمةٌ أنيقةٌ بما يكفي لتبدو صحيحة، وفقيرةٌ بما يكفي لتخونَ ما جرى. لم أشعرْ ببردٍ حين مرّت عيناها فوقي؛ شعرتُ بجفافٍ مفاجئٍ في الحلق، كأنّ الهواءَ بين مقعدَينا فقدَ شيئًا من أكسجينه. لم تكن نظرتُها باردة. كانت تمرُّ فوقي دون أن تلمسَني، كما تمرُّ يدٌ على غبارٍ قديمٍ لا ترغبُ في إزاحته.
الضوءُ الأزرقُ من هاتفها يتحرّكُ على الطاولة كلّما وصلَتها رسالةٌ لا تفتحها. كتبتُ أن الصمتَ بيننا جدار. ثم تراجعت. الجدارُ ثابت، وهذا الصمتُ كان يتحرّك: يضغطُ على الهواء بيننا، يُبطئُ يدَها وهي تدورُ حول الكوب دون أن ترفعه، يجعلُ الضوءَ الواصلَ إلى وجهَينا أقلَّ قدرةً على العبور. المسافةُ بين كرسيَّينا لم تتغيّر منذ جلسنا، ومع ذلك ظلَّت تتّسع.
جسدي كان يعرفُ قبل أن يعرفَ القلم. العضلاتُ الصغيرةُ أسفلَ وجنتي انقبضت. ذراعي اليسرى ثقُلت على حافة الطاولة كأنها لم تعُد تعرفُ إلى أيّ جسدٍ تنتمي. وفي المنطقة الصغيرة بين الحلق والصدر، حيث تقفُ الجملةُ قبل أن تصيرَ صوتًا، تجمّعَ شيءٌ ولم يصعد.
فأكتب، وأُتقنُ الهرب إلى الكتابة. أكتبُ «ألم»، فأخسرُ هيئةَ اليد. أكتبُ «فراق»، فأخسرُ بطءَ التنفّس. أكتبُ «صمت»، فأخسرُ ذلك الشيءَ الصغيرَ الذي حدثَ أسفلَ فكّها حين ابتلعَت ريقَها ولم تقلْ شيئًا. كلُّ كلمةٍ أضعُها أشطبُها بعد قليل، بخطٍّ واحدٍ رفيعٍ مستقيم يُبقيها مقروءةً تحته؛ رفضٌ أنيقٌ، أنشغلُ به عن كلِّ ما عداه.
ثم رأيتُها تجمعُ نفسها. لا شيء يستحقُّ الوصف: كفٌّ تستقرُّ على حقيبةٍ في حِجرها، ظهرٌ يبتعدُ عن مسند الكرسي. والقلمُ في يدي يتابع؛ بدأتُ سطرًا جديدًا أصفُ فيه كيف تجمعُ نفسها للرحيل — بدل أن أرفعَ رأسي إليها. وعرفتُ، وأنا أكتب، أنّ الكتابةَ لم تكن تقرّبني من اللحظة؛ كانت طريقتي في ألّا أكونَ فيها.
نهضت.
سقطَ القلمُ من يدي — لا أعرفُ إن تركتُه أم أفلتَني. تدحرجَ على الدفتر وجرَّ خطًّا من الحبر عبرَ كلماتي كلِّها، المشطوبةِ والباقية، خطًّا لم أكتبْه أنا. الحبرُ الذي ظلَّ محبوسًا في القلم طوالَ الساعة انفلتَ دفعةً واحدة، ولطّخَ كلَّ شيء.
ومدَدتُ يدي. لا إلى الورق. إلى معصمها.
وقلتُها. الجملةَ التي لم تكن على حافة ما لا يُقال، التي كانت طوالَ الوقت في متناول اليد: «لا تذهبي.» خرجَ صوتي متكسّرًا، أعلى مما أردت، حتى التفتَ إلينا وجهٌ من الطاولة المجاورة. كلمتان. هذا كلُّ ما تطلّبه الأمر. كلمتان تأنّقتُ ساعةً كاملةً كي لا أنطقَ بهما.
توقّفت. لم تسحبْ يدَها، ولم تجلس. معصمُها تحت أصابعي كان أدفأَ من الزجاج؛ نبضٌ صغيرٌ يضربُ هناك، سريعًا، تحت إبهامي.
خلفنا، عادت آلةُ القهوة إلى أزيزها، ثم صمتت.
على الطاولة، الدفترُ مفتوح، وأكثرُ ما كتبتُ غارقٌ تحت الحبر المنسكب.
لا أعرفُ إن كانت الكلمتان قد وصلَتاها، أم وصلَتا بعد فوات الأوان. أصابعي على معصمها.
وأبقى هكذا، لا أعرف: أكان الحبرُ عاجزًا عن لمس الجلد، أم كنتُ أنا مَن خبّأَ يدَه خلفه كلَّ هذا الوقت؟
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
