تعلّمتُ الحضور كما يتعلّم المرء لغة لا يُتقنها أبدًا: بحذرٍ يسبق كل جملة، وبأذنٍ تُصغي إلى نفسها قبل أن تُصغي إلى أحد. لم يطلب مني أحدٌ الصمت صراحةً؛ كان يكفي أن أتكلّم مرّة واحدة، فتُعاد صياغة كلامي حتى لا أتبيّن فيه صوتي، كي أفهم أن الحضور هنا ليس حقًّا أُمارسه، بل امتيازًا يُمنح بشروط لا تُعلَن عنها أبدًا، وتُكتشف فقط حين تُخالَف.
حين يصبح الحضور مخاطرة
وما أعنيه بالمكان ليس جدرانًا بالضرورة. قد يكون إنسانًا واحدًا، أو علاقة، أو لغةً نُحسن بها قول الحقيقة، أو أي مساحة نستطيع فيها أن نقول: هذا ما حدث لي، من غير أن تتحوّل الجملة إلى قفص.
كنتُ أدخل الغرفة فيُغلَق البابُ خلفي، وأشعر أن الأمان لم يدخل معي. الجدران وحدها لا تصنع مأوى؛ الباب المغلق يحبس الجسد، لا الخوف. كنتُ أجلس، وأتحدّث، وأضحك حين يُناسب أن أضحك، بينما جزءٌ منّي يقف عند الحائط يراقب الباقي، ويتأكّد أنه لم يقل شيئًا سيُستخدم لاحقًا ضده.
تكلّمتُ مرارًا، فسمعتُ الجملة نفسها بصيغٍ متعدّدة: هذا لم يحدث كما تقول. أنت تبالغ. أنت تتذكّر بشكل خاطئ. وحين كنتُ أتألّم، كان الألم نفسه يُطلب منّي أن أشرحه لمن سبّبه، كأنّ وجعي يحتاج إلى مذكّرة دفاع، وكأنّ الحقيقة وحدها لا تكفي ما لم تُقدَّم بصيغة لا تُحرج أحدًا سواي.
هكذا يبدأ الغياب: لا كقرارٍ مفاجئ، بل كعادةٍ تتسلّل إلى الجسد قبل أن يعرف صاحبها اسمها. خفّضتُ صوتي قبل أن يُطلب منّي ذلك. اخترتُ الكلمات الأكثر أمانًا قبل أن أُتَّهم بسوء اختيارها. وكنتُ أُخفي رغباتي كما يُخفي أحدهم نقودًا في بطانة معطفه، خشية أن تُصادَر باسم الحكمة، أو باسم وقتٍ غير مناسب أبدًا. ورتّبتُ وجهي في المرآة قبل أن أدخل، كما يرتّب أحدهم أوراقه قبل استجوابٍ لم يُعلَن أنه استجواب.
الجسد الذي بقي وحده
هناك فرقٌ لا يراه من لم يعشه: بين وحدةٍ يختارها المرء ليستعيد نفسه، فتكون كالماء العائد إلى مجراه بعد فيضان؛ وبين وجودٍ بين الناس وهو يشعر أنه غير مسموح له أن يكون نفسه، فيصير الحضور استعراضًا لا لقاءً. الأول راحة. الثاني إنهاكٌ يرتدي ثوب الألفة.
وبين الاثنين مسافةٌ أخرى، أظلم منهما: غيابٌ يُعلَّق فيه الصراع ولا يُحسَم. أوّل ما يحدث فيه ليس نشوة، بل ارتخاء: يفكّ الجسد إطباقه من غير أن أطلب منه، فأظنّه راحة. لكن الألم لا يذهب، بل يبتعد؛ أسمعه كما يُسمع صوتٌ من غرفة مجاورة، أعرف أنه صوتي، ولا يعنيني ما يقول.
وهذا هو الثمن الذي لا يظهر إلا بعد حين: كانت ذاكرتي قد تعلّمت من المكان أن تشكّ في شهادتها، فتراجعها مرّتين قبل أن تصدّقها؛ أمّا المادة فلم تجعلها تثق بنفسها، بل أعفتها من الشهادة كلّها، فتوقّف السؤال قبل أن تولد الإجابة. لكن ذلك الإعفاء لم يكن مجّانًا؛ فكلّ مرةٍ تتوقّف فيها الشهادة، يتراكم فوق الجرح ما مرّ من غير أن يُرى. وحين يعود الإحساس، لا يجد الإنسان جرحه كما تركه، بل أوسع بمقدار ما غاب عنه.
أما الحضور الحقيقي، فلم أعرفه إلا متأخرًا: هو أن تشعر بنفسك من غير خوفٍ دائم من أن يُعاد تفسير شعورك نيابةً عنك.
أن تقول: هذا ما حدث لي. ثم لا يحدث شيء.
جسدي كان يبقى في مكانه بينما أنسحب أنا إلى الداخل، كمن يترك معطفه معلَّقًا على كرسيّ ليوهم الغرفة أنه ما زال فيها. كنتُ أُصغي، وأومئ، وأشرب قهوتي في وقتها، بينما الجزء الذي يشعر فعلًا يبتعد خطوة، ثم خطوة أخرى، حتى صار حضوري كلّه أداءً يُحسن التمثيل أكثر مما يُحسن الحياة.
ثم امتدّ الحذر من الواقعة إلى صياغتها: صارت الذاكرة تجرّب أكثر من نسخة للحادثة الواحدة، وتحذف من كل نسخة ما قد يستدعي الاعتراض، حتى لم يعد السؤال: هل حدث هذا؟ بل: كيف أرويه من غير أن أُحاسَب على روايته؟
والضوء، ذلك الشيء الذي يُفترض أن يكون خفيفًا، صار ثقيلًا في تلك الغرف؛ لأن الضوء يعني أن تُرى، وأن تُرى يعني أن تُفسَّر، وأن تُفسَّر يعني أن تُعاد كتابتك بلغة غيرك. كنتُ أفضّل الظل، لا لأنني أحببتُ العتمة، بل لأن العتمة وحدها لم تكن تسألني شيئًا.
أما اليقظة، فكانت أشبه بالوقوف الطويل في غرفة لا تحتوي مقعدًا: انتباهٌ لا ينقطع، يُنهك الجسد أكثر مما تُنهكه أي حركة؛ فالحركة تنتهي، أمّا الانتباه إلى نبرة صوتك المقبلة فلا ينتهي أبدًا.
الغياب بوصفه مأوى
وما كنتُ أطرحه على نفسي، من غير أن أُحسن صياغته بهذا الوضوح، كان سؤالًا واحدًا يتكرّر:
ماذا يحدث للإنسان حين لا يجد مكانًا يستطيع أن يكون فيه حاضرًا من غير أن يُدافع باستمرار عن حقيقة وجوده؟
ولوقتٍ طويل، كان جوابي عن هذا السؤال أنّ العيب فيّ. سمّيتُ انسحابي ضعفًا، وسمّيتُ صمتي جبنًا، وسمّيتُ حاجتي إلى الاختفاء عجزًا عن مواجهة الحياة كما يواجهها من هم أصحّ منّي. لم يخطر لي أن الغياب قد يكون شكلًا ناقصًا من النجاة، لا نقيضها؛ أن الجسد حين لا يملك أن يهرب من المكان، يهرب من داخله، وهذا كل ما فعلتُه طوال تلك السنوات.
ثم خرجتُ. لم يكن خروجًا دراميًّا، ولا قرارًا حُسم في ليلة واحدة؛ كان أقرب إلى مسافة تتّسع ببطء بيني وبين ذلك المكان، حتى صرتُ خارجه من غير أن أتذكّر اللحظة التي عبرتُ فيها الحدّ.
وحدث ما لم أتوقّعه: هدأ جسدي. توقّفت المراقبة الدائمة لنبرتي وحركة وجهي. عاد إليّ النوم بلا حراسة، وعاد التفكير بلا رقيبٍ داخلي يراجع كل جملة قبل أن أُفكّر بها. عندها فقط عرفتُ أن بعض ما كنتُ أسمّيه اضطرابًا لم يكن خللًا في تكويني، بل كان استجابةً طويلة، دقيقة، مُرهقة، لمكانٍ لم يحتملني كما أنا.
وما عرفتُه لم يكن خاصًّا بذلك المكان؛ فالبنية تتكرّر حيثما وُجد شرطها: حين يُنكَر إحساس الإنسان مرارًا، يتعلّم ألّا يثق به. وحين يُطلب منه أن يتكيّف مع ما يؤذيه، يتعلّم أن الأذى طبيعي. وحين يصير بقاؤه في الجماعة مشروطًا بأن يُقلّل نفسه، يتعلّم القسمة: جزءٌ يُعرض، وأجزاءٌ تُخفى، حتى ينسى أين وضع الباقي منه.
ما بقي بعد الخروج
غير أن المكان لا يخرج مع الإنسان بالسرعة نفسها.
بقيتُ أشهرًا أُعدّ في رأسي جوابًا عن سؤالٍ لم يسأله أحد، وأصوغ الحادثة مرّتين قبل أن أرويها لمن لن يجادلني فيها أصلًا. وذات مساء انتبهتُ أنني خفّضتُ صوتي في غرفةٍ فارغة.
لا أحد يسمع، ولا أحد يعترض؛ الجسد وحده كان يواصل تنفيذ اتفاقٍ لم يبقَ له طرفٌ آخر.
هناك عرفتُ أن الغياب لم يكن حالة، بل مهارة؛ وأن ما يُتقَن في سنوات لا يُنسى لأن الباب تغيّر. الأمان لا يأتي دفعة واحدة، بل كما يعود الإحساس إلى طرفٍ خدِر: وخزًا أولًا، ثم انزعاجًا، ثم لمسًا يعرف ما يلمس.
ولهذا لا أظنّ الشفاء أن أتعلّم احتمال المكان الذي ألغاني. والعزلة التي اخترتُها أخيرًا ليست انسحابًا آخر؛ إنها المسافة التي أُعيد فيها معايرة صوتي: كم يحتاج من الصمت ليثق بنفسه، وكم يحتاج من الغياب ليتعلّم كيف يحضر من غير أن يُدافع.
لم أكن أبحث عن ظلٍّ أستتر تحته؛ كنتُ أبحث عن ضوءٍ لا يشترط كشفي ثمنًا لرؤيتي.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
