وضعتُ التينة في فمي.
لم أعضّها فورًا.
تركتُها لحظةً على اللسان — كاملةً، ملساء، بجلدها الرقيق الذي يشبه جفنًا مغمضًا.
كانت شكلًا فقط: كثافةٌ صغيرة تشغل حيّزًا بين اللسان والحنك، تُقاوم بلطفٍ دون أن تبوح.
اللسان مرّ على سطحها كأصابع تقرأ وجهًا في العتمة — حرارةٌ خفيفة، ملمسٌ مخمليّ، انحناءةٌ لا تُخبر بما في الداخل.
ثمّ عضضت.
وفي اللحظة التي اخترقت فيها الأسنان الجلد، حدث شيءٌ لا يُمكن التراجع عنه.
انشقّ الغلاف وانفتح اللبّ كجرحٍ صغيرٍ لم يُطلب منه أن يلتئم.
سائلٌ كثيفٌ فاضَ على اللسان — ليس حلوًا، بل شيءٌ أكبر من الحلاوة: كأنّ الشمس التي نضجت فيها التينة على الغصن تكثّفت كلّها في تلك الرشفة الأولى.
والبذور — البذور لم أتوقّعها.
صغيرةٌ وكثيرة، لا تُرى من الخارج، لكنّها الآن تطقطق بين الأضراس كأنّها لا تعرف كيف تُقال إلّا حين تُكسَر.
ما كنت أعرفه عن التينة قبل العضّة كان لا شيء.
والشكل — في الفم — لا قيمة له.
الفم لا يرى.
لا يُحيط بالشيء من مسافة كما تفعل العين، ولا يكتفي بأطراف ما يتسرّب منه كما يفعل الأنف.
الفم مختلف.
الفم لا يفهم إلّا بالتدمير.
ثمّة لحظةٌ في كلّ عضّة — تلك التي تسبق ظهور الطعم — يحدث فيها عنفٌ صامت.
الأسنان تُطبق.
القشرة تنفتح.
الألياف تتمزّق.
والمادة التي كانت قبل ثانيةٍ واحدة تملك شكلًا وحدودًا وتماسكًا — تفقد كلّ ذلك دفعةً واحدة لتصير فُتاتًا وعصارة.
ثمّ يأتي اللعاب — يتسلّل بين الفُتات، يُذيب ما تبقّى من صلابة.
إنزيماتٌ تبدأ عملها فورًا كمحقّقين يفكّكون المادة إلى اعترافاتها الأخيرة.
قطعة الخبز تبدأ بالبوح — تكشف عن حلاوةٍ لم تكن ظاهرة — وهي لا تزال تُسحق.
لكنّها لكي تبوح، يجب أن تفقد نفسها.
كلّ نكهةٍ هي ما يقوله الشيء وهو يتلاشى.
المادة الصلبة صامتة.
الطعم محبوسٌ في الشكل، ولا سبيل إلى معرفته إلّا بكسره.
وحين يُكسَر، لا يمكن إعادته.
أرفع كوب القهوة.
اليد تعرف وزنه قبل أن أفكّر فيه.
البخار يصل إلى الأنف أوّلًا — خريطةٌ أوّلية، مبتورة، للطعم الذي لم يحدث بعد.
يُنذر ولا يُنقذ.
ثمّ أرشف.
والسائل يدخل الفم حارًّا — الحرارة تسبق الطعم، تجعل الشفتين تنقبضان قبل أن يقرّر اللسان ما إذا كان يُريد الاستمرار.
ثمّ تنزل المرارة.
لا تنزل كما ينزل الحلو — رقيقًا، مُنتشرًا، مُتسلّلًا إلى الأطراف — بل تنزل كخطٍّ عموديّ في الحلق: ثقيلة، واضحة، لا تعتذر.
وفي اللحظة التي يبلغ فيها السائل مؤخّرة اللسان، تصعد الروائح من الحلق إلى الأنف — من الداخل هذه المرّة، لا من الخارج — وفجأةً تتّسع القهوة.
ما كان مرارةً فقط يصير الآن شيئًا أكثر تعقيدًا: عمقٌ مُدخّن، ظلّ حلاوةٍ محترقة، ذكرى خشبٍ بعيد.
ما أسمّيه «طعم القهوة» لا يأتي كلّه من اللسان — يأتي من هذا الممرّ الرجعيّ، من الروائح التي لا تصعد إلّا بعد أن يبدأ السائل في الاختفاء نحو الأعماق.
حبّات البنّ كانت خضراء وصامتة ذات يوم.
ثمّ وُضعت على النار حتّى تشقّقت واسودّت وأطلقت دخانها كآخر ما تملكه.
ثمّ طُحنت.
ثمّ أُذيبت في ماءٍ مغليّ.
ما أشربه الآن ليس نبتة — إنّه رمادُ نبتةٍ مرّت بعدّة مراحل من الفناء قبل أن تصل إلى فمي.
ونحن نحبّ ذلك.
نختار الفناء.
ندفع أكثر من أجل الأشياء التي مرّت بتحلّلٍ أطول.
الجبن المعتّق ليس حليبًا — هو ما يحدث للحليب حين يُترَك في العتمة أشهرًا، تتغذّى عليه كائناتٌ مجهريّة تُفكّك بروتيناته وتُحطّم دهونه إلى مركّبات لم تكن موجودة فيه أصلًا.
اللذّة العميقة لا تأتي من المادة وهي سليمة، بل من المادة وهي تنهار.
الطعم الحقيقيّ لا يسكن في الشيء، بل في خرابه المُنظَّم.
النبيذ المعتّق والخلّ البلسميّ والمخلّلات — كلّها أشياء تحمل في نكهتها طبقاتٍ من الزمن المتكاثف.
في المعتّق، لا يعود الزمن فكرة.
يصير طعمًا.
أضع قطعة سكّرٍ على لساني وأنتظر.
لا أمضغها.
أتركها تذوب وحدها.
في البداية لا شيء — مجرّد صلابةٍ باردة تقاوم اللعاب.
ثمّ تبدأ الحواف بالتراجع.
تفقد القطعة زواياها أوّلًا، كأنّ الزمن يُنعّمها من الخارج إلى الداخل.
وتبدأ الحلاوة — لا تبدأ كلّها دفعة واحدة، بل تتسرّب كخيطٍ رفيع يتّسع ببطء حتّى يملأ الفم كلّه.
كلّما تضاءل حجم القطعة ازدادت الحلاوة.
وحين تختفي القطعة تمامًا، تبلغ الحلاوة ذروتها.
الذروة والغياب يتطابقان.
لكنّ ما يحيّرني ليس التحلّل — ما يحيّرني هو ما يحدث بعده.
التينة التي عضضتُها قبل قليل لم تعد تينة.
تحوّلت إلى عصارةٍ ولُبٍّ وبذورٍ مطحونة — ثمّ بلعتُها.
انتهت.
لكنّ شيئًا منها بقي في فمي — ليس المادة، بل أثرها.
ترفع ملعقةً من شوربةٍ في مطعمٍ لم تزره من قبل، فيفتح فيك بابًا لم تكن تعرف أنّه موجود، ويخرج منه مطبخٌ بعيد ورائحةُ بهاراتٍ كانت تملأ بيتًا لم يعد بيتًا.
الذاكرة تعمل كاللسان لا كالعين.
لا تحتفظ بالشيء سليمًا واضح الحواف — بل تحتفظ بأثره بعد أن تحلّل فيها.
المادة تفنى في الفم.
والطعم يبقى في الذاكرة.
لكي تعرف الشيء، عليك أن تقبل أنّه لن يكون شيئًا بعد الآن.
الفم ليس حاسّة.
الفم عتبة.
ليس مدخلًا فقط ولا مخرجًا فقط — بل تلك المنطقة الضيّقة التي يتوقّف فيها العالم عن كونه خارجيًّا ولا يصير بعد داخليًّا.
وفي ذلك الفراغ الصغير الرطب المظلم يُقرَّر مصير الشيء: إمّا أن يُبتلَع فيصير جزءًا من لحمك ودمك، أو أن يُلفَظ فيعود إلى العالم لكنّه لن يعود كما كان — يكون قد فقد بنيته، أطلق مركّباته، تشرّب اللعاب.
العين تأخذ صورة التفاحة ولا تكلّف التفاحة شيئًا.
الأذن تأخذ الصوت دون أن تُنقص من مصدره.
حتّى اللمس يترك الشيء قائمًا في حدوده.
لكنّ التذوّق يأخذ الشيء كلّه.
لا أحد يستطيع أن يستخرج من جسدي تينة الصباح ويعيدها تينة.
ما حدث لا يُعكَس.
المعرفة التي يمنحها الفم باهظة: تكلّف الشيءَ وجوده.
أعود الآن إلى الطاولة.
التينة الثانية لا تزال هناك.
مستديرة، ناعمة، مغلقة على نفسها كمن لا يعرف ما ينتظره.
أنظر إليها وأعرف شكلها ولونها ووزنها التقريبيّ — العين تقول لي كلّ ذلك مجّانًا.
لكنّني لا أعرف ما في داخلها.
لا أعرف طعمها.
لن أعرف حتّى أكسرها.
وحين أكسرها — لن تعود موجودةً لكي أسألها.
لا تعرف الشيء إلّا حين يكون قد انتهى.
ولا تملك منه — بعد أن تعرفه — إلّا أثره فيك.
والأثر ليس الشيء.
الأثر ما يتبقّى في الجسد حين يغيب كلّ شيء آخر.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
