أغلِق الباب.
انتظر.
أوّل ما يحدث ليس الهدوء؛ بل أنّ شيئًا كان يحجبك عن نفسك يُرفَع فجأة.
تنسحب أصوات العالم واحدًا واحدًا — أزيز المكيّف، حفيف الشارع البعيد، الطنين الذي لا تعرف مصدره وكنت تعدّه فراغًا — حتى لا يبقى في الخارج شيء.
عندها لا يأتي السكون؛ يأتي صوتٌ آخر، كان مختبئًا طوال هذا الوقت.
دقّةٌ في الصدر، بطيئة، ثقيلة، تكبر حتى تملأ القفص.
تحتها حفيفٌ رفيع، متّصل، لزج — الدم يمرّ في رأسك، وقد كان يمرّ منذ وُلدت دون أن تنتبه.
أزيزٌ عالٍ، رفيعٌ كخيط، يسكن أقصى الأذن ولا يتوقّف.
صريرٌ خافت في المفصل حين تثني إصبعك.
ابتلاعةٌ تدوّي في الحلق.
لا فراغ هنا؛ امتلاءٌ يضيق به الصدر، ضجيجٌ ظلّ يجري تحت العالم طوال حياتك، يستره العالم.
الجسد لم يكن صامتًا قطّ؛ كان مغمورًا فحسب.
تقف، فيميل تحتك شيءٌ لا تراه.
العضو الذي يسمع هو نفسه الذي يمسكك واقفًا، وقد فقد ما يتّكئ عليه.
تمدّ يدك تطلب جدارًا.
الدقائق تطول وتفقد حوافّها، لأنّ لا شيء في الخارج يقيسها لك؛ كنت تظنّ أنّ الزمن في الساعة، فإذا هو في صرير الأشياء وهي تتحرّك حولك، يربطك بالعالم لئلّا تسقط في داخلك.
ثم يأتي الاعتراف، متأخّرًا، بنبرةٍ تكاد تكون مضحكة: أنت لم تطلب الصمت قطّ.
كلّ تلك السنوات وأنت تشتكي الضجيج، تبحث عن غرفةٍ هادئة، عن لحظةٍ بلا صوت — وحين وجدتها أخيرًا، لم تحتملها.
لم تكن تريد الهدوء؛ كنت تريد ضجيجًا مألوفًا يستر هذا، صوتًا من الخارج يشغلك عن صوتك من الداخل، حتى لا تصغي إلى الماكينة الرطبة التي تخفق وتضخّ وتئزّ، ولا شيء وراءها.
هنا تبدأ الفكرة في الانحناء على نفسها.
قُل إنك سمعتَ دقّات قلبك.
لكن أين سمعتها؟
لم يصل إلى أذنك شيء؛ جاء الصوت من الداخل، من اهتزازٍ في الأنسجة، ترجمه شيءٌ ما إلى «دقّة»، إلى حدثٍ له بداية ونهاية وإيقاع.
أنت لم تسمع القلب؛ سمعتَ ترجمةً له.
والترجمة ليست أمينة؛ هي اختيار.
الدماغ لا يلتقط العالم كما تلتقط العدسةُ المشهد؛ يبنيه، يخمّن، يسدّ الفجوات بما يتوقّعه، ثم يسلّمك الحصيلة بثقةٍ تامّة بوصفها ما هو هناك.
جرّب أبسط من ذلك.
راقب فمًا يتكلّم في الضوء: شفتان تنطبقان ثم تنفرجان، والصوت الذي «تسمعه» ينثني ليطابق ما تراه العين.
أغمض عينيك في منتصف الكلمة، يتبدّل الحرف نفسه في أذنك.
لم يتغيّر الهواء؛ تغيّر التأويل.
الأذن أطاعت العين.
أيّ الحاستين سمعت إذن؟
ولماذا تثق بإحداهما والأخرى تكذب أمامك مباشرة؟
ليست الحواس نوافذ تطلّ منها على الخارج؛ هي ورشةٌ مغلقة صاخبة، تستقبل إشاراتٍ خامًا — ضغطًا، اهتزازًا، فوتونات — وتصنع منها لونًا وصوتًا ودفئًا، ثم تخفي أثر الصنعة، وتناولك المنتَج كأنه كان هناك قبل أن يصلك.
أنت لا تعيش في العالم؛ تعيش في ما صنعه دماغك عنه، وتحسب الفرق معدومًا، لأنك لم ترَ الجهة الأخرى قطّ.
والجهة الأخرى — ما الذي هناك فعلًا؟
لا صوت.
هذا أصعب ما في الأمر.
في الخارج لا رنين ولا نغمة ولا صراخ؛ هناك هواءٌ يُدفَع فيتدافع، جزيئاتٌ تصطدم وتنضغط وترتدّ، موجةٌ من الطاقة الحركية تسري في وسطٍ مادّي.
حركةٌ صمّاء، بلا لون ولا طعم ولا معنى.
الانفجار الأعظم لا يدوّي في ذاته؛ يدفع ما حوله ويمضي.
الزجاج الذي يتحطّم لا يصرخ؛ يقطّع الهواء إلى موجاتٍ صغيرة سريعة.
الرعد كتلةُ ضغطٍ تتمدّد، لا غضبَ فيها.
كلّ ما سمّيناه أصواتًا، طوال التاريخ، طوال الأساطير التي علّقناها على الرعد والريح والبحر، لم يكن إلا اضطرابًا في وسطٍ شفّاف، ينتظر — دون أن يدري أنه ينتظر — أذنًا تحوّله إلى شيء.
العالم محايدٌ إلى حدّ القسوة: لا يَطنّ، لا يَهمس، لا يَئنّ؛ كلّ هذه أفعالنا نحن، نسقطها عليه ثم ننسى أننا فعلنا.
الخارج أصمّ.
والأصمّ لا يعرف أنه أصمّ.
ولأنّ هذا الحدث الذي لا جسد له لم يدع لنا قرارًا، أردنا أن نراه؛ أن نمسكه بأعيننا ما دمنا لا نمسكه بأيدينا.
يَنثر أحدهم حَفنةَ رملٍ على صفيحةٍ معدنية، ويمرّر قوسًا على حافّتها، فترتجف الصفيحة، وتفرّ الحبيبات من مواضع الاهتزاز إلى خطوطٍ هندسيةٍ متناظرة تطلع من العدم.
ها هو الصوت — تقول لنفسك — صار مرئيًّا، له صورة، له وجه.
لكن انتبه إلى ما حدث: الرمل لم يُرِك الصوت؛ أراك ما يفعله الصوت بالرمل.
الرسم ليس الاهتزاز؛ هو أثره في شيءٍ آخر.
وكلّ تمثيلٍ كذلك — الموجة على الشاشة، الرقم على المقياس — ظلٌّ يتركه الحدث على سطحٍ قابلٍ للتأثّر، نخطئ فنحسبه الحدث نفسه.
نطارد الظلّ مطمئنّين إلى أننا قبضنا على الجسد، وكلّما اقتربنا من التمثيل ابتعد عنّا الشيء؛ فالتمثيل، مهما دقّ، يقع دائمًا في صفّنا من الجدار، لا في صفّه.
بيننا وبين ما يحدث طبقةٌ من الترجمة لا تُرفَع، وهي كلّ ما نملك؛ لا سبيل إلى الخروج منها لنرى الأصل عاريًا، لأنّ كلّ خروجٍ ترجمةٌ جديدة.
هذا الجدار، بيننا وبين الشيء في ذاته، لم نبنه؛ وُلدنا خلفه.
وأقصى ما نملك أن نرسم على وجهنا منه أشكالًا أنيقة، ونسمّيها معرفة.
فأيّ كائنٍ هذا الذي نكونه؟
طوال الوقت نتصرّف كشهود، نقف أمام العالم ونصفه، نحسب أنّ بيننا وبينه صلةً مباشرة، نافذةً يعبرها كما هو.
ثمّة سخريةٌ في هذا يصعب تفاديها: «رأيتُ بعينيّ»، «سمعتُ بأذنيّ» — هذه التي نرفعها أختامَ يقين ليست شواهد على العالم؛ هي حدود زنزانتنا.
كلّ ما رأيته، كلّ ما سمعته، كلّ ما لمسته، لم يبرح جمجمتك قطّ.
عشتَ عمرك كلّه في غرفةٍ مظلمة، تُعرَض على جدرانها أفلامٌ عن خارجٍ لم تطأه، وأقنعتَ نفسك أنّ الأفلام هي الخارج.
والآن اقلب المعادلة كلّها.
لم نكن نسأل السؤال الصحيح.
لم يكن السؤال: كيف نسمع العالم؟
بل: من أين جاء الصوت أصلًا؟
وإذا لم يكن في الخارج صوت، ولا لون، ولا حرارةٌ كالتي نحسّها — فالعالم خارج الكائنات ليس عالمًا فقيرًا أبكمَ مؤقّتًا ينتظر من يهبه صوته؛ إنه صامتٌ في جوهره، صمتًا مطلقًا أزليًّا لا استثناء فيه.
الصمت ليس ما يحدث حين تغيب الأصوات؛ الصمت هو الحالة الأولى للوجود.
أمّا الصوت — كلّ صوت — فالاستثناء النادر، الحدث العابر الذي لا يقع في الكون الواسع إلا في نقاطٍ مجهرية متناثرة: حيث صادفت موجةٌ صمّاء غشاءً رقيقًا في رأس كائنٍ حيّ، فاشتعل من الاصطدام شيءٌ لم يكن: معنى.
تأمّل حجم المفارقة دون أن تهرب منها.
هذا الكون — بمجرّاته التي تتصادم، وشموسه التي تنفجر، وثقوبه التي تبتلع النجوم، وعواصفه التي تمزّق كواكب أكبر من الأرض بألف مرّة — غارقٌ منذ بدايته في صمتٍ مطبق.
كلّ هذا العنف يجري بلا صوت.
أعنفُ ما في الوجود أبكم.
الصمت ليس استثناءً في الكون؛ الصمت هو الكون.
والنغمةُ الوحيدة في هذا الخراب الصامت تولد في طبلة أذنٍ بشريةٍ لا تتجاوز سُمكَ ورقة.
الكون لا يَهدر؛ نحن نَهدر بالنيابة عنه.
صوت أمّك، وترٌ يُنقَر، مطرٌ على نافذة، اسمك حين يناديه أحدهم — كلّها أحداثٌ تقع فيك أنت، لا في الخارج.
الخارج لم يسمعها قطّ؛ الخارج لا يسمع شيئًا.
نحن لا نسمع العالم؛ نخترع صوته لحظةً بلحظة، ونملأ به صمتًا لا قرار له، لأننا لا نطيق أن نقف فيه عُزّلًا.
عُد الآن إلى الغرفة التي بدأنا منها.
أغلِق الباب من جديد.
اسمع جسدك يطلع من تحت العالم.
حين يسقط الخارج كلّه ولا يبقى إلا الضجيج الذي تصنعه أنت — أيّ الحالتين هي الحقيقة؟
العالم الصاخب الذي تسكنه كلّ يوم، أم هذا الصمت الذي ظهر بمجرّد أن أغلقتَ بابًا؟
إن كان الصمت هو أرض الوجود الأولى، وكان كلّ ما سمعتَه يومًا صناعةً داخلية لا صدى لها في الخارج — فهل كنتَ يومًا شاهدًا على شيءٍ خارجك، أم كنتَ طوال عمرك تصغي إلى نفسك وتحسبها العالم؟
ربّما لسنا أذن الكون؛ ربّما نحن الجَلَبة الوحيدة التي يفتعلها الفراغ ليحتمل فراغه.
لكن مَن ذا الذي يسمع هذا السؤال وهو يُكتب الآن — ومن أين له بصوت؟
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
