تلتفّ أصابعي حول الفنجان كأنها وجدت أخيرًا عملًا تُشغَل به قبل أن يُطلَب منها شيء. الحرارة تصعد إلى راحة يدي، وأراقب يدًا أخرى تتقدّم على الطاولة ببطءٍ لا يحمل أي تهديد، ومع ذلك تنسحب يدي بمقدار رشفةٍ كاملة، لا أكثر ولا أقل.
سنتيمترٌ واحد.
«كافٍ»، تقول يدي، دون أن تستشيرني، ودون أن تنتظر ردًّا.
والابتسامة، حين تصل، تصل في موعدها بالضبط، كموظّفٍ لا يتأخّر أبدًا: لا كوجهٍ ينفتح، بل كبابٍ يُغلق بعنايةٍ من الداخل. «أنا بخير»، أقول، وأكاد أصدّق نفسي، لولا أنّ جزءًا منّي يقف على مسافةٍ يراقب المشهد كلّه كمتفرّجٍ تأخّر عن الفهم. لأنّ هذا، في الحقيقة، ليس ارتباكًا عابرًا يستحقّ أن يُنسى بحلول المساء.
هذا إتقان.
لا يبلغ أحدٌ هذه النعومة في الانسحاب من أوّل محاولة؛ يدي مرّت بتدريبٍ طويل لم أحضر جلساته، وتخرّجت منه بامتياز، وأنا لا أزال أحسب نفسي جالسًا في الصفّ الأوّل أتعلّم الحروف. ولا بدّ، أمام إتقانٍ كهذا، من سبب، يبدو لأوّل وهلة بديهيًا: أنّ من ينسحب هكذا إنّما يخشى القرب، يخشى أن يُجرَح، أو أن يُترَك بعد أن يقترب أكثر ممّا ينبغي.
لكنّ هذا الافتراض الواضح خاطئٌ من جذوره. البعدُ لم يكن يومًا مشكلتي؛ في البعد أنا بليغ، أُحسن اختيار الكلمة، وأُتقن الصمت في موضعه والكلام في موضعه.
القربُ لا يهدّدني بالفقد كما قد يظنّ من يسمع حكايتي فيتعجّل التعاطف.
القربُ يهدّدني بالوصول.
في الرسالة أملك زرّ الإرسال، وأملك المسوّدة، وأملك التأجيل: أكتب الجملة، أمحوها، أعيد صياغتها بنبرةٍ أهدأ، وأنتظر الصباح لأراجعها مرّةً أخيرة قبل أن أقرّر أنها تشبهني بما يكفي.
على الطاولة، لا زرّ.
لا مسوّدة.
لا صباحٌ أراجع فيه شيئًا.
هذا وحده يكفي ليفسّر الفنجان. لكنّ «الوصول» كلمةٌ عريضة، ولا يكفيها أن تكون مجرّد اسمٍ جديد للمشكلة القديمة: فما الذي يصل تحديدًا حين يصل أحدٌ إلى هذه المسافة؟
القربُ ينزع عنّي القلم.
طوال الوقت كنتُ المؤلّف الوحيد لهذه الصورة: أختار الزاوية، وأُنقّح الإضاءة، وأقرّر متى تظهر الابتسامة ومتى ينسحب الفنجان نحوي بدل أن يبقى في مكانه. ثمّ يدخل شاهدٌ حقيقيّ إلى الغرفة، ويبدأ هو أيضًا بالكتابة عنّي بلا استئذان: يرى تغيّر صوتي قبل أن أسمعه أنا، يلاحظ ارتباك يدٍ ظننتها متقنة. وهنا يتحوّل الأمر من عقوبةٍ إلى صفقة: أدفع بالعزلة، وأستلم في المقابل سيطرة. أدفع، لا أُصادَر، كي أبقى الممسك الوحيد بخيط صورتي. وأنا من يجدّد إيجار هذه المسافة في كلّ مرّة، بمحض اختياري، وأسمّي التجديد أحيانًا «حذرًا» فقط. فالمهدَّد إذن ليس أنا. المهدَّد حصريّةُ تأليفي لنفسي. لا أخشى أن أُهجَر، ولا حتى أن أُجرَح: أخشى، ببساطةٍ تكاد تكون محرجة، أن يكون لي مؤلّفٌ سواي.
وما إن أعترف بهذا حتى أدرك أنني لست الوحيد الذي يعقد صفقةً كهذه في الخفاء. فكلّ من يرتبك أمام القرب يعقد الصفقة نفسها تقريبًا: يشتري بعملةٍ من العزلة وهمًا من السيطرة، ويظنّ أنّه أوّل من اكتشف هذه التجارة. والمفتاح الوحيد الذي يجعلها ممكنة أنّ الأدوات التي أُحبّ بها هي نفسها أدوات ابتعادي: البلاغةُ التي تجذب هي البلاغةُ التي تحفظ مسافة الصفحة، والصمتُ الموحي الذي يُغري بالتأويل هو الصمتُ الذي يمنع السؤال المباشر.
طليقٌ في لغة الشوق، أمّيٌّ في لغة الحضور.
والأسوار، أدرك هذا متأخّرًا كعادتي، لم تُبنَ لتمنع أحدًا من الدخول؛ فمن أراد الدخول وجد دائمًا شقًّا أوسع من أن أُغلقه. بُنيت لتُبقي نسخةً واحدة منّي في السلطة: النسخة المرتّبة، المؤلَّفة. السورُ إذن موجَّهٌ إلى الداخل، ضدّ المرتبك الذي فيّ، لا إلى الخارج. وأداة الحبّ نفسها، على ما يبدو، أداة الحجب.
وإن كانت الكتابة إحدى تلك الأدوات، فهذا الذي تقرؤه الآن لا يُستثنى من الحساب.
فما الذي يجري هنا فعلًا؟
أعترف بالخوف من القرب، نعم، لكن على مبعدة صفحة. أعترف بالارتباك، لكن في وقتٍ اخترته أنا وحدي، بكلماتٍ نقّحتُها مرارًا حتى استقرّت على الشكل الذي يريحني، أي حتى توقّفت عن الارتجاف. هذه الفقرة بالذات كُتبت أربع مرّاتٍ على الأقلّ؛ والنسخة التي ارتجفت فعلًا، التي خرجت منّي دفعةً واحدة بلا تهذيب، حُذفت منذ زمن ولن يراها أحد. ما تقرأه الآن أنيقٌ بما يكفي ليُشبه اعترافًا، ومؤجَّلٌ بما يكفي ليبقى آمنًا. لم يكن الخوف إذن من الحبّ، ولا حتى من الانكشاف كما بدا في الصفحة الأولى. كان الخوف من التزامن: أن أُرى وأنا حاضرٌ في اللحظة نفسها، دون فاصلٍ أُنقّح فيه نفسي، دون تلك المسافة التي تحوّل الارتعاش إلى جملةٍ رشيقة تصلح للنشر. وهذا الاعتراف نفسه ليس خروجًا من الآلية التي وصفتُها للتوّ؛ إنّه إحدى حركاتها الأدقّ. انكشافٌ مؤجَّل يبقى، رغم كلّ ما فيه من شجاعةٍ ظاهرة، انسحابًا آخر، بثوبٍ أكثر جرأة.
ومع ذلك يبقى فنجانٌ حقيقيّ، على طاولةٍ حقيقية، ويدٌ تقترب منه ليست استعارة. في المرّة القادمة، حين تقترب يدُه من يدي فوق تلك الطاولة، سأحاول أن أترك الفنجان حيث هو. لن أحمل جوابًا محضَّرًا في جيبي، ولن أبحث، بينما هو يتكلّم، عن الجملة التالية التي سأقولها لأملأ الفراغ قبل أن يتّسع. ولن أُحمّل الصمتَ معنى هذه المرّة، كما اعتدت أن أفعل حين كنت أخشى أن يُترَك عاريًا بلا تفسيرٍ يحميه. سأدع الابتسامة، إن جاءت، تتأخّر حتى تصل بعد الشعور، لا قبله بثانيةٍ مدرَّبة كما كانت تفعل دائمًا. لا شفاء في هذا، ولا أظنّ أنّ شفاءً من هذا النوع موجودٌ أصلًا.
مجرّد محاولة، بيدٍ لا تزال تتذكّر جيدًا كيف تنسحب، لكنّها، هذه المرّة، تبقى.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
