ينطفئ آخر مصباح في البناية المقابلة، فيتراجع المستطيل الأصفر عن الجدار ببطء، كأنّ أحدهم يسحب ملاءةً عن سرير. تتسرّب العتمة من زوايا الغرفة أولًا، من خلف الخزانة، من تحت الطاولة، ثم تزحف نحو الوسط حتى تبتلع لمعةَ الكأس على الرفّ. في الخارج، تهدأ المحرّكات واحدًا تلو الآخر، حتى لا يبقى إلا أزيز خفيّ لا مصدر له.
عند النافذة، يقف جسدٌ ساكن. لا يفعل شيئًا.
كفّه على الزجاج، والبرد يصعد من راحته إلى الرسغ، وأصابعه تترك على البخار أثرًا يتلاشى قبل أن يكتمل. الهواء يدخل من شقٍّ ضيق، رطبًا، يحمل رائحة إسفلتٍ بلَّله الندى. يتباطأ الصدر مع الشهيق، ويطول الزفير قليلًا في كل مرة.
الضوء الوحيد الباقي بعيد: نقطةٌ بيضاء معلّقة فوق سطحٍ ما، ترتجف كلما مرّ بينها وبين العين تيارٌ دافئ.
ثم لا شيء. الظلام يكتمل. وتغرق المدينة في نومها كحجرٍ يغرق في ماءٍ راكد.
كم بقي هذا الجسد واقفًا؟ لا أحد يعرف. شيءٌ ما، في هذه اللحظة، توقّف عن العدّ.
الساعة على الجدار تواصل دورتها، عقاربها تقطع المسافات نفسها التي تقطعها في الظهيرة، لكنّ الزمن الذي يجري داخل النافذة لم يعد يطابقها. صار للحظة سُمكٌ آخر، كأنّ الدقيقة فُتِحت من الداخل واتّسعت لتبتلع ساعةً كاملة.
ها هنا يبدأ السؤال بالتسرّب، لا كفكرةٍ تُطرَح، بل كرطوبةٍ تنفذ من تحت الباب.
هذا السكون الذي يحيط بالجسد الآن، أين هو؟ في الخارج، في غياب الضوء وانقطاع الأصوات؟ أم في العين التي تتأمل العتمة فتجد فيها ما لا تجده العين النائمة؟
الظلام واحد، يسقط على المدينة كلها بالتساوي: على النائم والساهر، على من يحبّ ومن لا يحبّ أحدًا. فلماذا لا يكون الليل، إذًا، إلا عند بعضهم؟ لماذا يمرّ على الملايين انقطاعًا للعمل وراحةً للجسد، ثم يتوقّف عند نافذةٍ واحدة فيصير حدثًا؟
ربما لأنّ الليل، قبل أن يكون زمنًا، انحجاب.
الشمس حين تغيب لا تأخذ معها الضوء وحده، بل تأخذ وضوح النهار كله؛ ذلك الوضوح الذي يفرض على الأشياء حدودها، ويعطي كل وجهٍ اسمه وكل فعلٍ مبرّره. في النهار نلبس على وجوهنا الأقنعة التي تطلبها الساعة.
أما حين تنطفئ المصابيح، فتسقط الأقنعة واحدًا واحدًا، لا لأنّ أحدًا يخلعها، بل لأنّ الظلام يلغي الحاجة إليها.
لم يعد هناك من ينظر.
ولأنه لم يعد هناك من ينظر، يجد الإنسان نفسه عاريًا أمام حقيقته، بلا دورٍ يؤدّيه. وفي هذا التعرّي يحدث ما يشبه الحرمان.
الليل يقطع عن الوعي مدخلاته المعتادة: الألوان، الوجوه، الحركة. فلا يبقى أمامه إلا أن يرتدّ إلى داخله. تنكمش الغرفة حتى تطابق حدود الجلد، ويصير الغائب أقرب من الحاضر.
فلا عجب أن يجد العشق في الليل شرطه؛ إنه الرحم الذي تتهيّأ فيه الذات لأن تمتلئ بآخر.
أو هكذا يبدو الأمر، للوهلة الأولى.
غير أنّ في هذا التفسير ما يخدعنا بسهولته. فهو يجعل الليل فاعلًا والذات منفعلة، كأنّ العتمة تصبّ العشق في الإنسان صبًّا.
ولو كان كذلك، لوُلِد العشق في كل ليلٍ ولدى كل ساهر. لكنّ الليل يمرّ ثقيلًا فارغًا عند الكثيرين؛ يعدّون فيه دقائق الأرق، ويثقل عليهم سواده كحملٍ بلا معنى.
الفيزياء نفسها، السكون نفسه — ولا عشق.
فأين ذهب المعنى الذي ظننّاه كامنًا في الظلام؟ هنا يلتفت السؤال إلى وجهه الآخر.
ماذا لو لم يكن في الليل معنىً أصلًا؟ ماذا لو كان الظلام حيادًا كونيًا محضًا، دورانًا أعمى لكوكبٍ يدير ظهره للشمس، لا يختلف عن أي حركةٍ ميكانيكية في الكون؟
عندئذ يكون العاشق هو من يأتي بالمعنى من خارج المادة، هو من يؤثّث الفراغ بما ليس فيه. لا يجد ليلًا جاهزًا ينتظره، بل يصنع ليله بيديه: يأخذ السكون فيجعله صدىً لصوت غائب، ويأخذ العتمة فيجعلها شاشةً يعرض عليها صوره.
الظلام في هذا الوجه ليس فضاءً يحوي العاشق، بل مرآةٌ لا يرى فيها إلا نفسه.
والأبعد من ذلك أنه يصنع الزمن.
بينما يقيس النائم ليله بثماني ساعاتٍ متساوية، يعيش العاشق ليلًا لا علاقة له بعقارب الساعة. يمدّ لحظة الانتظار حتى تصير دهرًا، ويكثّف لحظة الحضور حتى تمرّ كبرق. ديمومةٌ لا تُقاس ولا تُجزّأ، تتمدّد وتنكمش بكثافة الشعور وحده.
وحين يملك الوعي زمنه هكذا، يبدو أنه ليس أسير الليل بل سيّده؛ وأنّ الليل ليس ظرفًا مفروضًا من الخارج، بل مادةٌ ليّنة بين يديه.
فإن صحّ هذا، انقلبت المعادلة الأولى رأسًا على عقب: الليل لا يصنع العشق، بل العشق يصنع الليل.
والآن، أيّ الوجهين نصدّق؟
كلاهما يقف على أرضٍ صلبة.
وكلاهما، حين نطيل النظر، يتداعى تحت قدميه.
فالذات التي تزعم أنها تخلق الليل من فراغها تظل خاضعةً لفيزياء هذا الليل: لبردٍ يسري في الأطراف، لجفنٍ يثقل رغمًا عن الشوق، لنبضٍ يتباطأ مع تقدّم الساعة. الليل يكتب في الجسد ما لم يستأذنه فيه، ويجرّه نحو حافة النوم سواء أحبّ أم لم يحبّ.
فأيّ سيادةٍ هذه التي يدّعيها الوعي على ما يطفئه؟
وفي المقابل: أيّ فاعليةٍ تلك التي ننسبها إلى الليل، وهو يمرّ على النائمين بلا أثر، صامتًا حتى يوقظه من يصغي؟
قد يُغري هذا بحلٍّ ثالث: أن يكون المعنى لا في الليل وحده ولا في العشق وحده، بل في الشرارة التي تقدح حين يتصادمان. الليل يقدّم المادة الخام، والعاشق يقدّم القصد؛ كالعود يحمل في خشبه كل الألحان الممكنة، لكنه يظل صامتًا حتى تلمسه الأصابع.
لكنّ هذه الصورة، على جمالها، تطمئننا أكثر مما تكشف. فهي تفترض شريكين متكافئين يتقاسمان العمل بسلام، بينما التجربة الحيّة لا تعرف هذا الصفاء.
في الليلة الواحدة، لا يدري العاشق متى كان يصنع ليله ومتى كان الليل يصنعه؛ ولا أين تنتهي يده وأين يبدأ الوتر. الشرارة لا تفصل بين حجرين، إنها تمحو الحدّ بينهما لحظةَ الاحتكاك.
فلا التفاعل يحسم السؤال، بل يؤجّله؛ يلفّ التناقض في صورةٍ أنيقة دون أن يحلّه.
ويظل القلق قائمًا: من الأسبق؟ من يدين للآخر بوجوده؟ لا أحد يعرف، ولا أحد، فيما يبدو، قادرٌ أن يعرف.
وحين يبلغ السؤال هذا الحدّ، ينفتح تحته سؤالٌ أعمق، عارٍ، بلا تمهيد:
هل هناك ليلٌ خارج الوعي أصلًا؟
تخيّل أنّ البشرية انقرضت. اختفت كل عينٍ تنظر، وكل قلبٍ يحبّ، وكل وعيٍ يقول «ليل». وظلّت الأرض تدور، يغيب عنها الضوء ويعود في دورةٍ صمّاء.
هل يبقى هناك «ليل» بالمعنى الذي نعرفه — الليل الذي فيه ستر، الذي تتّسع فيه الدقيقة وتثقل فيه النجوم؟ أم أنّ الليل ينهار في تلك اللحظة، فلا يبقى منه إلا تعاقبٌ ميكانيكيٌّ بين ظلمةٍ وضوء، حدثٌ لا يعنيه أن يُسمّى ليلًا، لأنه لم يعد هناك من يسمّيه شيئًا على الإطلاق؟
أمامنا احتمالان، وكلاهما لا يُطاق.
إمّا أنّ الليل ظاهرةٌ مستقلة، قائمةٌ سواء رآها أحدٌ أم لا، وعندئذ يكون وعينا مجرّد شاهدٍ متأخّر، حضر ولا فضل له إلا أنه حضر.
وإمّا أنّ الليل، بكل معناه، إنتاجٌ إدراكيٌّ محض، لا وجود له خارج الوعي الذي يصوغه، وعندئذ يكون الكون من دوننا مادةً خرساء، تدور بلا ليلٍ ولا نهار، لأنهما اسمان لم يخترعهما إلا من يعيش بينهما.
الأول يجعلنا زائدين على العالم.
والثاني يعلّق العالم في هشاشة أبصارنا.
والسؤال يبقى مفتوحًا، معلّقًا في العتمة كتلك النقطة البيضاء البعيدة، يرتجف ولا ينطفئ.
عند النافذة، ما زال الجسد واقفًا. اليد نفسها على الزجاج نفسه، والهواء الرطب نفسه يدخل من الشقّ الضيق، والنقطة البيضاء ما زالت معلّقةً لم تتحرّك.
لم يتغيّر في المشهد حرفٌ واحد.
الظلام هو الظلام، والسكون هو السكون.
لكنّ شيئًا تغيّر في العين التي تنظر. فالجسد الذي ظنّ، حين بدأ الليل، أنه واقفٌ داخل العتمة يتأمّلها من بعيد، لم يعد يعرف أين تنتهي العتمة وأين يبدأ هو.
هل هو في الليل، أم أنّ الليل صار فيه؟
ولا جواب.
البرد ما زال يصعد في الكفّ، والنقطة البيضاء ترتجف ولا تنطفئ.
لا يشعر بالنقص، بل بشيءٍ يشبه السكينة، يخالطها قلقٌ خفيف لا يفارقها؛ كأنّ بقاء السؤال مفتوحًا هو، وحده، ما يجعل الليل ليلًا، وما يجعل الواقفَ عند النافذة قادرًا على أن يحبّ.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
