قصص

ماجد، وما تبقّى

روايةُ رجلٍ يتسرّب من حوافه

لوحة لوجه رجل شاب في إضاءة خافتة، ملامحه تتلاشى وتتشوّش في العتمة المحيطة به وكأنها تفقد تماسكها.

كان المكيّف يُصدر طنينًا خافتًا حين فتح ماجد عينيه. الساعة الثالثة وعشر دقائق فجرًا، أرقام خضراء تطفو في العتمة على الطاولة المجاورة. لم يكن ثمة ما يُوقظه — لا صوت من الشارع، لا حلم يتذكره. لكن شيئًا في جوفه كان يدقّ. ليس ألمًا. ليس خفقانًا عاديًا. بل دقّات صارت تُسمع، كأن جدارًا رقيقًا بينه وبين أعضائه قد ترقّق فجأة، وبدأ الصوت يتسرب منه.

ظلّ ممددًا على ظهره. السقف فوقه أبيض مائل للرمادي في الضوء الشحيح الذي يدخل من حافة الستارة. سمع صوت سيارة بعيدة تمرّ ثم تغيب. ثم عاد الطنين، وعاد معه ذلك الإيقاع في صدره الذي لم يكن يسمعه من قبل. جلس ببطء. ملاءة السرير انزلقت عن كتفه ولمست ذراعه بملمسها البارد، وأحسّ بالقشعريرة كأنها أوّل مرة يشعر بنسيج على جلد. نظر إلى يديه المفرودتين على ركبتيه. كان الضوء المتسلل من النافذة يرسم عليهما خطوطًا باهتة. يداه. لكن بينهما وبينه مسافة لم يلاحظها يومًا — مسافة بحجم سؤال.

وقف. مشى نحو الحمام. في المرآة الصغيرة فوق المغسلة، كان وجهه عاديًا: عينان مُنتفختان قليلًا من النوم، ذقنٌ تحتاج حلاقة. غسل وجهه. الماء على بشرته كان صحيحًا ومألوفًا. لكنه فيما كان يرفع رأسه ويمسح وجهه بالمنشفة، أحسّ بشيء يشبه التأخر — كأن الماء لامس جلده أولًا، ثم وصل الإحساس به بعد لحظة.

عاد إلى السرير. أغمض عينيه وحاول النوم. لكن جسده لم يعد صامتًا. الهواء يدخل ويخرج من رئتيه بإيقاع يُسمع الآن كخرير بعيد. ظلّ هكذا حتى بدأ ضوء الفجر يتكاثف خلف الستارة، ولم ينم.


في الصباح، كان المطبخ مُضاءً بضوء شمس حادّ يدخل من النافذة المطلّة على موقف السيارات. ماجد وقف أمام الرخامة. الغلاية تغلي وتُصدر صفيرًا يتصاعد. كوب القهوة الأبيض واقف أمامه بجانب علبة النسكافيه. مدّ يده لالتقاط الكوب.

توقفت يده في الهواء.

لم يكن عجزًا. كان شيئًا آخر — كأن الحركة التي ينبغي أن تحدث من تلقاء نفسها قد تفككت إلى خطوات منفصلة، وكل خطوة تنتظر أمرًا. رفع ذراعه. فتح أصابعه. أمالها نحو خزف الكوب. ثم أغلقها عليه. الكوب بارد في قبضته. نقله نحو الغلاية. صبّ الماء. بخار ارتفع ومسّ وجهه. لكن كل فعل كان يحتاج إلى انتباه مُرهق، كأنه يتعلّم الإمساك بالأشياء لأول مرة.

صوت هاتفه رنّ من الغرفة. رسالة من زميله فهد: «لا تنسى الاجتماع الساعة 9.»

حرّك إبهامه على الشاشة وكتب «تمام.» لكن حتى حركة الإبهام كانت تبدو غريبة هذا الصباح — كأنه يُشاهد إبهام شخصٍ آخر يتحرك على زجاج مصقول.

شرب قهوته واقفًا. الطعم كان كطعمها كلّ يوم. لكن كلّ يوم قبل اليوم، لم يكن الطعم يحتاج إلى تأكيد.

في المكتب، كان ضوء الفلوريسنت أبيض ومستويًا فوق الرؤوس. ماجد جالس خلف مكتبه، الشاشة أمامه تعرض جدولًا بأرقام المبيعات الشهرية. حوله، الصوت المعتاد: نقر لوحات المفاتيح، همهمة المكيّف، ضحكة بعيدة من ناحية المطبخ المشترك.

فهد مرّ بجانبه وألقى ملفًا ورقيًا على طرف المكتب.

«هذا تقرير الربع الأخير. راجعه قبل ما يسأل عنه أبو خالد.»

ماجد أومأ برأسه. فتح الملف. كلمات مطبوعة على ورق أبيض. نظر إلى الدباسة على طرف المكتب. شيء معدني أسود، ثقيل قليلًا، بزاوية حادة. يعرفها. يعرف وظيفتها. لكن اسمها — الاسم الذي ينبغي أن يلتصق بها كظلّها — لم يكن هناك.

ليس أنه نساه. كان الاسم يسبح في مكان ما، مثل سمكة ترفض أن تُمسك. حاول أن ينطقه في سرّه. الحروف جاءت، لكنها جاءت مجوّفة، كأصداء في بئر فارغة. نقل بصره إلى القلم. ثم إلى الشاشة. الكلمات المكتوبة على الجدول بدت فجأة كرموز منفصلة عن معانيها — أشكال هندسية سوداء على خلفية بيضاء.

«ماجد.»

التفت. كانت نورة، المصممة التي تجلس في الطرف البعيد من المكتب المفتوح، واقفة بجانبه بكوب شاي في يدها.

«بسألك عن الملف اللي أرسلته أمس. شفته؟»

«أيّ ملف؟»

«ملف التصاميم. أرسلته على الإيميل.»

«آه... أيوا. شفته.»

لم يكن قد شافه. لكن الكلمات خرجت بسلاسة، كأن جزءًا منه يعرف كيف يُجيب بينما الجزء الآخر لا يزال ينظر إلى الدباسة ويحاول تذكّر لماذا فقدت الأشياء أسماءها.

نورة أومأت ومشت. لم تلاحظ شيئًا. أحدًا لم يلاحظ شيئًا.

بعد الظهر، كان ماجد في شقته. جلس على الأريكة. كلّ شيء في الغرفة كان في مكانه: التلفاز المُطفأ، الرفّ بكتبه القليلة، المزهرية الصغيرة الفارغة على الطاولة الزجاجية. لكن الغرفة كانت ساكنة سكونًا غريبًا. ليس سكون الهدوء، بل سكون الأشياء التي انسحبت.

في الأيام العادية، كان للأريكة دعوة صامتة تقول «اجلس»، وللنافذة إيماءة تقول «انظر»، ولضوء العصر المائل فوق الأرضية حرارة ترشد خطواته دون أن يفكّر. كل ذلك اختفى. الأريكة تحته لم تكن سوى كتلة من القماش والإسفنج تحتلّ حيّزًا. التلفاز مربّع أسود صامت. المسافة بين الطاولة والرفّ بدت محسوبة بشكل هندسي جاف، كأن أحدًا رتّب الأثاث وفقًا لمعادلة ثم غادر.

رنّ هاتفه. أمه.

«ألو يا ماجد، كيفك يا بعدي؟»

«بخير الحمد لله.»

«صوتك تعبان.»

«لا، بس ما نمت زين البارحة.»

تحدثت عن جارتها أم عبدالله التي أجرت عملية في ركبتها، وعن الطقس الذي صار حارًا مبكرًا هذا العام. ماجد كان يسمع صوتها ويردّ في المواضع المناسبة — «الله يشفيها»، «إي والله» — لكنه كان في الوقت نفسه ينظر إلى المزهرية الفارغة على الطاولة ويفكّر في أنها لم تحمل وردة واحدة منذ أن اشتراها قبل سنتين، وأن وجودها بلا وظيفة يجعلها أصدق شيء في الغرفة.

«ماجد؟ أنت معي؟»

«إي، معك.»

«قلت لك تتعشى عندنا يوم الخميس.»

«إن شاء الله.»

أغلق الخط. الغرفة لم تتغيّر. الأشياء في أماكنها. لكنها كانت تُحدّق فيه بلامبالاة ثقيلة، كأنه دخل غرفة ليست غرفته وجلس على أريكة ليست أريكته في حياة لم يخترها.

في صباح اليوم التالي، خرج ماجد من البناية ومشى نحو موقف السيارات. الهواء كان ساخنًا رغم أن الساعة لم تتجاوز الثامنة. مفتاح السيارة في يده. خطواته على الإسفلت.

سيارة أجرة بيضاء مرّت أمامه ببطء. لوحتها تنتهي بالأرقام 397. تاريخ ميلاده: 9 / 3 / 97. نظر إليها وهي تبتعد ثم رفع كتفيه. صدفة.

عند إشارة المرور الأولى، توقف خلف شاحنة صغيرة. على مؤخرتها ملصق أزرق باهت كُتب عليه «الله يحفظك من كل عين.» نفس درجة اللون الأزرق للملف الذي كان يراجعه بالأمس في المكتب. أزاح الفكرة عن ذهنه. لكنها لم تُزح.

في المقهى الذي يشتري منه ماءً أحيانًا قبل المكتب، كان المذياع يبثّ أغنية قديمة. وقف عند الثلاجة يختار قارورة ماء. الأغنية تقول شيئًا عن ظلال تتبع أحدًا في الشوارع. أوقف يده في الهواء. العضلات بين كتفيه انقبضت.

الرجل خلف الكاشير — وجه سمين، شارب رقيق — نظر إليه بانتظار.

«بكم المويه؟»

«ريالين.»

دفع ومشى. لكن شيئًا في مشيته تغيّر. صارت خطواته أسرع. عيناه تلتقطان تفاصيل لم يكن ينتبه لها: لون قميص الرجل الواقف عند الرصيف، عدد السيارات المركونة على اليمين، ملصق إعلاني ممزّق على عمود إنارة كُتب عليه جملة ناقصة: «لا تنظر—»

الجزء الثاني ممزّق. لا تنظر ماذا؟

كل شيء أصبح يتصل بكل شيء. الأرقام والألوان والكلمات العابرة تنسج شبكة لم يطلبها. ليس جنونًا. ليس بعد. فقط انتباهٌ أصبح حادًا أكثر من اللازم، كسكين شُحذت حتى صارت تجرح اليد التي تمسكها.


في المكتب، حاول أن يعمل. فهد كان يتحدث مع سعيد بجانب آلة القهوة عن مباراة بالأمس. ضحكتهما وصلت إلى مكتبه كصدى مألوف ومريح. أراد أن ينضم إليهما لكنه لم يفعل. ظلّ ينظر إلى الشاشة.

مرّت ساعة. ثم ساعة أخرى. لاحظ أن الأرقام في الجدول لم تتغيّر. نفس الأرقام. نفس الجدول. لا — الأرقام تتغيّر، لكن التجربة لا تتغيّر. الجلوس أمام الشاشة اليوم هو نفس الجلوس بالأمس. القهوة بالأمس هي نفس القهوة اليوم. حتى ضحكة فهد تبدو كتسجيل يُعاد تشغيله.

وقف وذهب إلى الحمام. أغلق الباب. وقف أمام المرآة الصغيرة فوق المغسلة. وجهه هناك، كالعادة. غسل يديه بالصابون ببطء. الماء جرى على أصابعه. ثم أطفأ الصنبور ووقف في الصمت. في هذا الصمت المحصور بين جدران ضيقة، شعر للحظة أن اليوم لم يبدأ بعد، وأن ما مرّ منه ليس سوى ذاكرة ليوم آخر ارتدت قناع الحاضر.

عاد إلى مكتبه. فهد مرّ بجانبه.

«كل شيء تمام يا ماجد؟»

«إي.»

«تبان مُشتّت اليوم.»

«ما نمت زين.»

فهد أومأ ومشى. ماجد فتح الملف مرة أخرى. نفس الأرقام. نفس الضوء الأبيض الساقط من السقف. نفس الطنين الخافت لآلة التكييف. الزمن يتحرك على ساعة الحائط. لكنه لا يتراكم. الأحداث تقع ثم تتبخّر، لا تبني شيئًا، لا تقود إلى أي مكان. كان ماجد يجلس في مركز يومه كحصاة في قاع نهر — الماء يمرّ فوقها ولا يحملها.

عاد إلى الشقة مساءً. أغلق الباب خلفه. أسدل الستارة. كانت الغرفة مُضاءة بضوء السقف الأبيض. خلع حذاءه ووضعه بجانب الباب. جلس على الأريكة.

ثم بدأ الشعور.

لم يكن خوفًا بالمعنى المألوف. كان شيئًا أقدم. إحساس بأن جدران الغرفة ليست محايدة. الزاوية خلف التلفاز، السقف الأبيض، المسافة الفارغة بين الأريكة والنافذة — كل هذا كان ينظر إليه. ليس بعيون. النظرة لم تكن تأتي من مكان محدد. كانت خاصّية للفراغ نفسه.

قام ففحص النافذة. مغلقة. تأكد أن الستارة تسدّ كل شقّ. فتح باب غرفة النوم ونظر. سرير مرتّب. دولاب مغلق. لا أحد. عاد إلى الصالة. جلس في زاوية الأريكة، ظهره إلى الجدار.

أخرج هاتفه وفتح تطبيق التواصل الاجتماعي. صور أشخاص يضحكون في مطاعم. مقاطع فيديو. تعليقات. مرّر إبهامه على الشاشة، لكن المحتوى كان يمرّ دون أن يلتصق بشيء. أغلق الهاتف. الشاشة صارت سوداء وانعكس عليها وجهه. ثم عكست أيضًا الغرفة خلفه. نظر إلى الانعكاس. الغرفة فارغة. طبعًا فارغة.

لكن الهواء كان أثقل مما ينبغي.

تحديدًا خلفه وإلى اليمين قليلًا — في تلك المنطقة التي لا تقع في مجال رؤيته المباشرة — كان هناك كثافة. ليست كتلة، ولا شكلًا، ولا حرارة. فقط ضغط. كأن شيئًا غير مرئي يحتلّ حيّزًا لم يكن مشغولًا قبل دقيقة.

لم يلتفت. كان يعلم أنه لو أدار رأسه سيجد الزاوية فارغة كما هي. وكان يعلم أيضًا أن هذا لن يُثبت شيئًا. لأن ما كان هناك لم يكن من النوع الذي يظهر حين تنظر إليه.

ظلّ جالسًا. ساكنًا. حتى أحسّ بأن عضلات رقبته تتصلّب من الجلوس في وضعية واحدة. قام ببطء. ذهب إلى المطبخ وفتح الثلاجة. الضوء الأبيض البارد غمر وجهه. أخرج قارورة ماء وشرب واقفًا. الماء بارد في حلقه. هذا حقيقي. هذا يمكن الوثوق به.

أغلق الثلاجة. الظلام عاد. ومعه عاد الإحساس — ليس في الصالة فقط، بل هنا أيضًا، في المطبخ، في الممرّ، في كل زاوية من الشقة.

في اليوم التالي، كان يغسل طبقًا في حوض المطبخ. صوت الماء يملأ المكان برتابة ناعمة. كفّاه مبلّلتان بالصابون. الطبق الأبيض ينزلق تحت أصابعه.

سمع اسمه.

«ماجد.»

واضح. محدّد. خلف أذنه اليمنى مباشرة. بصوته هو — لكن من الخارج. لم يلتفت. أصابعه ظلّت على الطبق. الماء يجري. قلبه أسرع قليلًا.

أغلق الصنبور. في الصمت الذي تلا ذلك، لم يسمع شيئًا آخر. لكن أفكاره لم تعد محتواة. ليس لها صوت — لكنها لم تعد داخله فقط. شيء في الغرفة يتلقّاها.

وقف ممسكًا بالطبق المبلّل. الماء يقطر من حافته على الرخامة. والصمت حوله صار أوسع من الشقة.

تلك الليلة، أطفأ التلفاز. كان يعرض برنامجًا حواريًا لم يسمع منه كلمة. الشاشة صارت سوداء. الغرفة امتلأت بالصمت.

لكنه لم يكن صمتًا فارغًا. كان صمتًا يحتوي شيئًا — كصندوق مغلق تسمع منه تنفّسًا خافتًا. جلس ساكنًا.

بعد دقيقة، بدأ يسمع طنينًا. ليس من الشارع، ولا من الأجهزة. لم يكن يأتي من مكان. ومع ذلك، كان خلفه. طنين تحوّل ببطء إلى همهمة متّصلة. الهمهمة لم تتشكّل. بقيت كما هي — لكنه فهمها. وجوهًا ضبابية تتبلور ثم لا تكتمل. كانت مكتملة.

أعاد تشغيل التلفاز. رفع الصوت. أصوات مقدّمي البرنامج ملأت الغرفة. امتلأ بها الصمت. لكنه لم يختفِ.

أدرك أن ما حاول الهرب منه لم يكن غيابًا للصوت. كان يعرف ما سيقال — قبل أن يُقال.

ظلّ مستيقظًا حتى الثالثة. ثم أغمض عينيه ونام على الأريكة والتلفاز مشتعل. في حلمه — إن كان حلمًا — كان يجلس في نفس المكان، ينظر إلى نفس الشاشة، لكن الأصوات القادمة منها كانت تنطق باسمه مرة كل بضع ثوانٍ، بصوت هادئ ومحايد.

استيقظ مع الفجر. ضوء رمادي يتسلل. ذهب إلى الحمام. فتح الصنبور. غسل وجهه. رفع رأسه.

المرآة.

وجهه فيها. نفس الملامح: الأنف، الجبين، الشامة على الخد الأيسر. كل شيء في مكانه. لكن شيئًا لم يكن صحيحًا. ليس في الملامح — في الطريقة التي تنظر بها العينان. كانتا تنظران إليه لا كانعكاس ضوئي بل كنظرة لها نيّتها المستقلة.

أمسك بحافة المغسلة. الخزف بارد تحت أصابعه. الماء يجري بصوت رتيب. أراد أن يبعد عينيه عن المرآة، لكنه تردّد. ليس لأن شيئًا يمنعه. بل لأنه لم يكن واثقًا أن الانعكاس سيبعد نظره أيضًا.

ظلّ ينظر. ثانية. ثانيتان. ثم، ببطء، أغلق الصنبور. خرج من الحمام دون أن ينشّف وجهه. الماء يقطر على رقبته ويبلّل ياقة قميصه. هذا الماء. هذا شيء يمكن الشعور به. هذا حقيقي.

أليس كذلك؟

الخميس. ذهب إلى بيت أمه كما وعدها. الشارع الذي يأخذه إلى حيّها القديم مألوف — نفس الأرصفة العالية، نفس المحلات، نفس الدكان الذي يبيع المعمول عند الزاوية. لكن المألوف لم يعد يعمل كما ينبغي. كان يمرّ بالأشياء دون أن تمسّه. المسافة بينه وبين العالم ازدادت اتساعًا — ليست مسافة جسدية بل مسافة من نوع آخر، كزجاج شفاف لا يُرى لكنه يمنع كل شيء من أن يصل.

أمه فتحت الباب. رائحة طبخها ملأت المدخل. «هلا يا ماجد. تعال تعال.»

جلس في الصالون. التلفاز مُشتعل على قناة دينية. صحن تمر على الطاولة. كوب شاي جاء بسرعة. أمه جلست مقابله وبدأت تتحدث. عن صحتها. عن أخته التي سافرت. عن فاتورة الكهرباء. كان يسمعها. يردّ. «الله يعين.» «إي.» «ما شاء الله.»

لكنه كان ينظر إلى وجهها ويحاول أن يتمسّك بملامحه.

لم تكن الملامح تختفي. كانت تتذبذب. كأن حدود عينيها ترتجف قليلًا، كصورة مرسومة على ماء. فمها يتحرك والكلمات تصل، لكن الحركة والصوت بدآ ينفصلان — الشفتان تتحركان بإيقاع، والصوت يصل بإيقاع آخر، متأخرًا بجزء من الثانية.

ركّز أكثر. حاول أن يعيد تجميع وجه أمه في ذهنه كما يعرفه. لكن كلما حدّق أكثر، زاد التفكك. الجلد تحوّل إلى سطح. العينان صارتا حفرتين تتحركان فيهما كرتان. الأسنان وراء الشفتين عظام بيضاء صغيرة.

«ماجد؟ ليش ساكت؟»

«لا، بس أفكّر.»

«تفكّر بإيش؟»

«لا شيء.»

قال «لا شيء» وهو يعني ذلك حرفيًا. كان يفكّر في لا شيء. في الفراغ الذي يتسع بين الأشياء ومعانيها، بين الوجوه وأصحابها، بين الكلمات وما تدلّ عليه.

غادر بعد ساعة. قبّل جبينها عند الباب. شفتاه لمستا جلدها الدافئ. هذا اللمس كان آخر شيء صادق أحسّ به في ذلك المساء — لكنه حتى وهو يبتعد في سيارته، لم يكن متأكدًا أنه هو من قبّلها، أم أن جسده فعل ذلك وحده بينما «هو» كان يراقب من مسافة بعيدة، كمن ينظر من نافذة عالية إلى رجل يشبهه يسير في شارع ضيّق.

الأيام التي تلت. أو ما بدا أنه تلا. ليست أيامًا بالمعنى الذي كانت عليه من قبل. أيامًا ذُبحت منها الحواف، فلم يعد يُعرف أين ينتهي أحدها ويبدأ الآخر.

ماجد يذهب إلى العمل. يجلس. ينقر على لوحة المفاتيح. ماجد يذهب إلى العمل. يجلس.

يضحك ماجد. فهد يلقي نكتة عند آلة القهوة. يضحك ماجد — أو بالأحرى يُنتج وجهه شكل الضحك. كان قد ضحك قبل ذلك.

ثم يعود إلى الشاشة. كان قد عاد. هذا يمكن الوثوق به. هذا حقيقي. أو كان.

في وقت ما — ربما قبل ذلك. في اجتماع الفريق، كان مديره أبو خالد يتحدث عن أهداف الربع القادم. خمسة أشخاص حول الطاولة. أقلام وأوراق ودفاتر. ماجد ينظر إلى شفاه مديره وهي تتحرك. الكلمات تصل واضحة: «محتاجين نرفع الأرقام بنسبة خمسة عشر بالمئة.» واضحة، لكنها تصل كصوتٍ في فيلم يُعرض في قاعة فارغة. يسمعها. يفهمها. لكنها لا تفعل شيئًا في داخله.

نظر إلى يديه على الطاولة. بدتا بعيدتين جدًا. ليست مسألة مسافة. كان يراهما بوضوح تام. لكنهما هناك وهو هنا، وبينهما مسافة لا تُقاس بالمساطر.

«ماجد، أنت معنا؟»

أبو خالد ينظر إليه. الجميع ينظرون إليه.

«إي، معكم.»

«إيش رأيك بالخطة؟»

«ممتازة.»

أومأ أبو خالد ومضى في كلامه. لم يسأل مرة أخرى. ماجد عاد إلى مراقبة يديه. ثم رفع إحداهما وأمسك القلم. ثم وضعه. حدث الفعل لكنه لم يشعر بأنه هو من قام به. كأن الفعل يقع في مكان آخر ويصله صوته فقط.

بعد الاجتماع، وقف فهد بجانبه في الممر.

«ماجد، أنت واخذ إجازة قريب؟»

«ليش؟»

«تبان مو هنا.»

فهد قالها بنبرة خفيفة، شبه مازحة. لكن الجملة ظلّت تتردد في ذهن ماجد طوال اليوم. «مو هنا.» كلمتان تلخّصان ما يحدث بدقة أكبر مما يستطيع هو تفسيره. لم يكن هنا.


كان في مكان بارد وبعيد يراقب شخصًا يُدعى ماجد يذهب إلى العمل ويردّ على الأسئلة ويشرب القهوة ويضحك في الوقت المناسب.

المساء. الشقة. وحده.

كان الصمت مختلفًا الليلة. ليس صمتًا ينتظر. بل صمت قد بدأ يتكلم. ليس بكلمات — ليس بعد. بأصوات تتشكّل على حافة السمع. همسات ليست كلمات وليست ضوضاء. شيء بينهما. شيء يمتلك إيقاعًا ونبرة دون أن يمتلك معنى.

ماجد جالس على الأريكة والأضواء مطفأة. ضوء الشارع البرتقالي يتسلل من شق الستارة ويرسم خطًا على الأرضية.

فكّر: «يجب أن أنام.»

ثم فكّر: «من الذي قال ذلك؟»

الفكرة لم تكن تبدو كأفكاره المعتادة. كانت تأتي من مكان أبعد، كأنها ليست ملكه بالكامل. ليست غريبة تمامًا — ما زالت تُشبه صوته الداخلي — لكنها محاطة بهالة خفيفة من الاستقلال. كأن شخصًا يُشبهه يفكّر بالتوازي معه.

قام. ذهب إلى المطبخ. فتح الصنبور وغسل كوبًا لا يحتاج لغسيل. الماء على يديه. البخّة الباردة. صوت الماء في الحوض المعدني. حقيقي. ملموس.

أغلق الصنبور. في الصمت، عاد ذلك الصوت — أو ذلك الشبه بصوت — يحتلّ المكان الذي خلف أذنه اليمنى. ليس يتحدث. ينتظر. كأنه يستمع إلى ماجد ويُقرر متى سيبدأ.

الجمعة. لم يخرج. ظلّ في الشقة. نام ساعات متقطعة على الأريكة. استيقظ وأكل بسكويتًا من العلبة. شرب ماءً. عاد للاستلقاء.

في وقت ما بعد الظهر — أو ربما قبله، لم تعد الأوقات واضحة — ذهب إلى الحمام. فتح الضوء. المرآة.

الوجه في المرآة تبعه — ثم تبعه مرة أخرى. نفس الملامح: الأنف، الجبين، الشامة على الخد الأيسر. كل شيء في مكانه. لكن شيئًا لم يكن صحيحًا.

كان هناك تأخّر. شيء صغير لا يُرى — لكنه يحدث. أمسك بحافة المغسلة. الخزف بارد تحت أصابعه. الماء يجري بصوت رتيب. الفرق دقيق. ولم يحتج أن يتأكد.

أغلق الصنبور. خرج من الحمام دون أن ينشّف وجهه. الماء يقطر على رقبته ويبلّل ياقة قميصه. أغلق الباب خلفه.

أيام أخرى مرّت. أو لم تمرّ. أو ربما كان يومًا واحدًا يتكرر. لم يعد يتأكد. الذاكرة تتشوّش. أمس واليوم يتداخلان. هل اتصلت أمه بالأمس أم أوّل أمس. هل شرب القهوة هذا الصباح أم تذكّر أنه شربها في صباح سابق.

في المكتب. صامت. ينقر على لوحة المفاتيح. الأصابع تتحرك بمعرفة مستقلة عنه. يكتب إيميلات. يرسلها. يقرأ ردودًا. كل هذا يحدث بينما «هو» — أيًا كان «هو» — يقف في مكان عالٍ ويراقب. لا ألم. لا فرح. لا خوف. سطح أملس من اللاشيء.

نورة مرّت بجانب مكتبه. قالت شيئًا. لم يسمعه. لكن فمه ردّ عليها بجملة ما. ابتسمت ومشت. ما الذي قاله. لا يدري. الجزء المسؤول عن الاستجابة الاجتماعية كان يعمل بشكل مستقل. آلة دقيقة تُنتج ردودًا مناسبة. والجزء الآخر — الجزء الذي يراقب — كان باردًا وصامتًا كعدسة كاميرا.

ليلة. أو فجر. الفرق لم يعد واضحًا.

ماجد على سريره. عيناه مفتوحتان. السقف فوقه. الظلام حوله ليس ظلامًا مألوفًا. هو ظلام يمتلك عمقًا، كأنه مصنوع من طبقات. في هذا الظلام، الحدود التي كانت تفصل بين الأشياء بدأت تذوب.

النوم واليقظة. لا يعرف أيهما هذا. يسمع صوت أمه تناديه باسمه — لكن أمه ليست هنا. يرى ظلّ الستارة يتحرك — لكن لا هواء. يحسّ بثقل على صدره — لكن لا شيء فوقه.

الأفكار لم تعد أفكارًا بالمعنى المعتاد. صارت أشكالًا تسبح في الغرفة. الذاكرة صارت حاضرًا. تذكّر يومًا في الطفولة — ذلك اليوم في ساحة المدرسة حين سقط وانكسرت نظارته — والتذكّر لم يكن صورة في ذهنه بل كان يحدث الآن في زاوية الغرفة، طفل بنظارة مكسورة يبكي بصمت.

الجدران. تتنفس. ليس مجازًا. حركة بطيئة، كأن الجدار يتمدد ثم ينكمش بإيقاع كسول.

ماجد لم يكن خائفًا. الخوف يحتاج إلى ذات تخاف على نفسها. وذاته — تلك الذات التي كانت تُسمى «ماجد» وتذهب إلى العمل وتتصل بأمها وتشرب القهوة — تلك الذات صارت رقيقة. شفّافة. تتسرّب من حوافها كدخان في غرفة مفتوحة النوافذ.

أغمض عينيه. أو فتحهما. لم يعد هناك فرق.

الغرفة والجسد والذاكرة والصمت والكلام الذي لم يُقل بعد — كل هذا صار شيئًا واحدًا. رماديًا واحدًا. كبقعة حبر سقطت على ورقة مبلّلة ثم تمدّدت حتى ابتلعت الحواف، ابتلعت الهوامش، ابتلعت كل المساحة البيضاء التي كانت تفصل بين السطور.

وفي مركز تلك البقعة — أو ربما على حافتها — كان ماجد، أو ما تبقى من ماجد، يستلقي ويتنفس، أو يعتقد أنه يتنفس، في شقة صغيرة في مدينة لا يعرف أحد فيها ما يحدث له، وهو نفسه لم يعد يعرف إن كان ما يحدث يحدث له فعلًا، أم أنه يحدث لشخص آخر، أم أنه لا يحدث أصلًا، وأن كل شيء — كل شيء بلا استثناء — ليس إلا غشاءً رقيقًا يرتجف فوق فراغ هائل صامت لا اسم له ولا حدّ.

كان يعرف هذا من قبل.

نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.