دفتر صغير، وعمودان:
ما كُتب، وما كان.
ثم بدأ الخط بينهما يفقد ثقته بنفسه.
(1)
بعد الجنازة بأربعة أيام، بدأ عادل بالفرز.
وضع في وسط غرفة النوم صندوقين من الكرتون ولصق على كلٍّ منهما شريطًا لاصقًا أبيض كتب عليه بقلم أسود: «للإبقاء»، «للتوزيع».
كان الضوء في الغرفة ضوء ظهيرة باهت يدخل من خلف الستارة نصف المسدلة، ويطبع على البلاط مستطيلًا شاحبًا ينسحب ببطء كلما تقدّم الوقت.
على الطاولة الصغيرة قرب السرير كانت ساعة المنبه لا تزال مضبوطة على السادسة والنصف صباحًا — موعد دواء نادية.
لم يعطِّلها.
فتح الدولاب.
رائحة لافندر خفيفة خرجت من الداخل، تلك الرائحة التي كانت تضعها في أكياس قماشية صغيرة بين الملابس.
أخرج قميصًا قطنيًا أبيض، طواه بعناية، ووضعه في الصندوق الأيسر.
ثم قميصًا أزرق فاتحًا، ثم بلوزة رمادية لم يتذكر متى اشترتها.
كان يمسك كل قطعة لحظة قبل أن يطويها، لا ليتفقدها، بل ليزن وجودها — كأن كل قطعة تحتاج إلى أن تُرى آخر مرة قبل أن تُرحَّل إلى تصنيفها.
في الدرج الأسفل من طاولة السرير، تحت وشاح حريري قديم بلون الكرز الداكن، وجد الدفتر.
لم يكن قد رآه من قبل.
دفتر صغير بغلاف جلدي بنّي داكن، بحجم الكف، ذو شريط قماشي أحمر لعلامة الصفحة.
أخرجه.
كانت حوافه متآكلة قليلًا، والغلاف دافئًا كأنه احتفظ بحرارة الدرج.
فتحه في منتصفه.
في المقهى الصغير في باريس، كان يمسك كوبه بيدين.
قلت له: أنت تمسك كل شيء كأنه يريد أن يسقط.
أغلق الدفتر فورًا.
جلس على حافة السرير.
وضع الدفتر على فخذه.
بقي خمس دقائق لا يفعل شيئًا سوى النظر إلى الغلاف البنّي.
ثم نهض، أعاد الوشاح الحريري إلى مكانه في الدرج، وحمل الدفتر معه إلى المكتب.
في المكتب، أشعل مصباح الطاولة.
الضوء كان أبيض حادًا، هندسيًا.
فتح الدفتر من البداية.
الصفحة الأولى كانت فارغة إلا من تاريخ مكتوب في الزاوية العليا بخط نادية الواثق: 20 آذار.
ثم سطر واحد:
اليوم نسيت اسم الشارع الذي كان يعود فيه إلى البيت.
تذكّرت أن هناك شجرة ياسمين عند المنعطف.
انتقل إلى الصفحة التالية.
الطبيب قال: خذي هذا الدواء.
قلت: نعم.
نسيته على الفور.
لكنني أتذكر أن صوته كان يشبه صوت أبي حين كان يطمئنني في الطفولة من كابوس.
كانت نادية تفقد ذاكرتها تدريجيًا منذ ثلاث سنوات.
هو يعرف هذا.
راقب الأمر كما يراقب مهندس تصدعًا يتسع في جدار: يقيس، يوثّق، يتدخل.
أخذها إلى الأطباء.
جدول الأدوية.
ملصق ملوّن على باب الثلاجة يذكّرها بالتواريخ.
لكنه لم يعرف أنها كانت تكتب.
قلب إلى صفحة أبعد.
الفستان كان أزرق بلون البحر قبل العاصفة.
ارتديته ورقصنا في الشرفة.
كان القمر منخفضًا.
رفع عينيه عن الدفتر.
نظر إلى الجدار أمامه حيث تعلّق صورة فوتوغرافية بإطار خشبي — هو ونادية في حفل زفاف ابنتهما.
نادية ترتدي فستانًا أخضر زيتيًا.
لم يكن لديها فستان أزرق.
لم يكن لديها فستان أزرق قط.
أمسك قلمًا رصاصًا.
تردّد.
أعاده إلى الكوب.
أغلق الدفتر برفق ووضعه على زاوية المكتب.
جلس طويلًا لا يفعل شيئًا.
ثم قام، أطفأ المصباح، وعاد إلى غرفة النوم ليكمل الفرز.
لكنه لم يكمل.
وقف أمام الصندوقين.
نظر إلى القميص الأبيض المطوي في الصندوق الأيسر.
أعاد إخراجه.
طواه من جديد.
وضعه في نفس المكان.
في تلك الليلة، استلقى في السرير في الظلام، وسمع دقات الساعة من المكتب عبر الرواق المفتوح.
خمس وأربعون دقيقة ثم استيقظ، عاد إلى المكتب، وأشعل المصباح.
أحضر دفترًا جديدًا من درج المكتب — دفترًا مسطرًا أبيض بغلاف مقوّى، من النوع الذي كان يستخدمه سابقًا لتدوين الحسابات الهندسية.
وضعه بجانب دفتر نادية.
أخرج مسطرة معدنية من الدرج الأيسر وقلمًا أحمر برأس رفيع.
رسم خطًا عموديًا ينصف الصفحة الأولى من دفتره الجديد.
كتب في أعلى العمود الأيسر: «كما كتبتْ».
كتب في أعلى العمود الأيمن: «كما كان».
(2)
في الأسبوع الأول من المشروع — هكذا سمّاه في سرّه، «المشروع» — عمل عادل بمنهجية الرجل الذي تعلّم قبل أربعين سنة أن الفوضى ليست سوى نظام لم يُكتشف بعد.
كان يستيقظ في السادسة والنصف على صوت ساعة المنبه التي لم يطفئها.
يشرب الشاي في المطبخ على الطاولة قرب النافذة.
ثم ينتقل إلى المكتب.
أعاد ترتيب المكتب كله ليخدم المهمة.
دفتر نادية في الوسط.
دفتره الجديد على يساره.
علبة أقلام: أحمر رفيع، أحمر سميك، أزرق للملاحظات الثانوية.
مسطرة.
مكبّرة صغيرة كان يستخدمها لقراءة المخططات.
إلى اليمين، ملف مقوّى كتب عليه: «صور مرجعية».
وضع فيه صورًا فوتوغرافية انتقاها من ألبومات العائلة: نادية في المطبخ، نادية في حديقة البيت، نادية عند البحر في العقبة عام 1984.
بدأ بالمدخل الأول.
في المقهى الصغير في باريس، كان يمسك كوبه بيدين.
كتب في العمود الأيسر الجملة كما هي.
في العمود الأيمن كتب بقلم أحمر رفيع:
لم نزر باريس.
أقرب ما وصلنا إليه كان إسطنبول في رحلة تشرين 1997.
المقهى المقصود على الأرجح هو مقهى الشجرة في عمّان، الذي كنا نرتاده قرب دوار الداخلية.
وضع دائرة حمراء صغيرة حول كلمة «باريس» في دفتر نادية.
الدائرة كانت نظيفة، رفيعة، بقطر لا يزيد عن المليمترين.
كان قد تدرّب على دقّة الدائرة في حياته الأولى حين كان يضع علامات على المخططات.
لم تتغير يده بعد كل هذا العمر.
انتقل إلى المدخل الثاني.
الفستان كان أزرق بلون البحر قبل العاصفة.
في العمود الأيمن كتب:
الفستان كان أخضر.
زيتيًا.
حفل زفاف هالة، 2012.
لم نرقص في الشرفة — لم نرقص قط.
الشرفة في شقتنا القديمة كانت صغيرة لا تتسع لأكثر من كرسيَين.
بحث في ملف الصور المرجعية.
وجد الصورة: نادية في الفستان الأخضر، وعادل خلفها يضع يده على كتفها.
ألصق الصورة بجانب المدخل بشريط لاصق شفاف.
حين وصل إلى المدخل الذي كتبت فيه نادية أنه غنّى لها، توقّف.
غنّى لي مرة.
لا أتذكر الكلمات.
أتذكر أن صوته كان يرتجف.
كان يغني كمن يعتذر.
قرأ الجملة ثلاث مرات.
لم يغنِّ لنادية قط.
لم يغنِّ لأحد.
كان لديه صوت عادي يتحاشى إسماعه حتى في أناشيد المولد.
حاول أن يتذكر ما إذا كانت قد خلطته بشخص آخر — ربما أبيها الذي رحل منذ عقدين.
ربما مذيع إذاعة.
ربما ممثل في فيلم قديم رأياه معًا.
كتب في العمود الأيمن، ببطء:
لم أغنِّ.
ربما اختلط الأمر عليها بأغنية سمعناها في الراديو.
ثم أضاف، بعد تردّد قصير:
أيّ أغنية؟
توقّف عن الكتابة.
كانت هذه أول جملة في العمود الأيمن تنتهي بعلامة استفهام.
مسح الجملة بممحاة.
كتبها من جديد بنفس الكلمات ونفس علامة الاستفهام.
في اليوم التالي اتصلت هالة.
كانت تتصل كل ثلاثة أيام منذ الجنازة.
يجيب بنبرة متزنة، يطمئنها بأن الطعام موجود في الثلاجة وبأنه ينام جيدًا، يسألها عن الأطفال ثم يُنهي المكالمة بعد سبع أو ثماني دقائق.
هذه المرة قالت إنها ستمر مساءً لتتناول العشاء معه.
وضع السماعة.
نظر إلى المكتب.
كان دفتر نادية مفتوحًا، ودفتره الجديد مفتوحًا بجانبه، والصور مبعثرة على السطح.
أغلق الدفترين.
جمع الصور في كومة.
أعادها إلى الملف.
حمل الملف والدفترين إلى الدرج الأيمن للمكتب وأغلقه.
مسح سطح المكتب بمنديل قماشي.
حين وصلت هالة في السابعة، كان المكتب نظيفًا وكانت الطاولة في المطبخ جاهزة.
أعدّ لها طبق أرز وخضار.
أكلا في صمت يتخلله حديث قصير عن ابن أختها الذي بدأ المدرسة، ثم عن سائق سيارة أجرة أوصلها من العمل.
حين انتهت من العشاء، نهضت لتغسل الأطباق.
قال لها إنه سيفعل ذلك، ردّت بأنها تريد أن تفعله.
وقفت عند الحوض وفتحت الماء.
كان صوت الماء قويًا.
أكثر مما يلزم.
وقف وراءها على مسافة ذراع.
أراد أن يقول شيئًا عن الدفتر.
لم يعرف ما الذي سيقوله.
نظر إلى ظهرها المنحني فوق الحوض، إلى الخصلة من شعرها التي كانت تتدلى أمام عينيها وهي تغسل، تلك الخصلة التي كانت نادية تزيحها عن وجهها بظهر الإصبع لأن يديها كانتا مبللتين دائمًا حين تغسل الأطباق.
تراجع خطوة.
عاد إلى كرسيه.
قبل أن تغادر، قالت هالة من عند الباب:
— بابا، لازم تفوت عند الدكتور.
ما شفت أحد من الجنازة.
قال إنه سيفوت.
قال أيضًا إنه بخير.
حين أغلق الباب خلفها، عاد إلى المكتب، وفتح الدرج، وأخرج الدفترين.
لم يعد إلى النوم قبل الثالثة فجرًا.
(3)
في الأسبوع الثاني، بدأت المهمات.
أول مهمة كانت الفستان.
خرج من البيت في العاشرة صباحًا.
لبس قميصًا رماديًا وبنطالًا داكنًا وحذاءً أسود نظيفًا لمّعه في الليلة السابقة.
في جيب قميصه، كان قد طوى ورقة صغيرة كتب عليها بخط هندسي واضح:
فستان نسائي.
أزرق.
بلون البحر قبل العاصفة.
قماش خفيف.
طول إلى منتصف الساق.
في أسفل الورقة كان قد رسم دائرة صغيرة لتوضيح الدرجة المرادة من الأزرق، ثم ملأها برصاص داكن لأن القلم الأزرق الذي يملكه كان فاتحًا جدًا.
ركب سيارة أجرة إلى شارع المكاتب حيث كانت نادية تذهب أحيانًا لشراء الملابس.
دخل متجرًا للملابس النسائية لم يدخله من قبل.
كان المحل ضيقًا ومضاءً بإضاءة فلورية بيضاء تجعل كل الألوان تبدو أبرد مما هي عليه.
على اليمين صفوف من الفساتين المعلّقة على شمّاعات بلاستيكية.
على اليسار طاولة بنطلونات مطوية.
في العمق، كاونتر وخلفه شاب في الأربعينيات يرتب إيصالات في درج.
اقترب عادل من صفوف الفساتين.
بدأ من اليسار.
رفع كل فستان أزرق، مدّ ذراعه بعيدًا ليرى كيف يقع الضوء عليه، ثم أعاده إلى مكانه.
الفستان الأول كان فاتحًا جدًا — أزرق السماء.
الثاني كان داكنًا جدًا، قريبًا من الكحلي.
الثالث كان فيه خيوط بيضاء تفسد الدرجة.
الرابع كان مناسبًا تقريبًا، لكن القماش كان ثقيلًا.
كان البائع يراقبه من خلف الكاونتر.
بعد عشر دقائق، تقدّم إليه.
— شو بتدوّر يا عمي؟
هدية؟
لم يرفع عادل عينيه عن الفستان الذي كان يحمله.
— أزرق.
أزرق تحديدًا.
مش سماوي.
ومش كحلي.
بلون… بلون البحر قبل العاصفة.
قالها بنبرة هادئة، عملية، كمن يعطي مقاسًا.
البائع ابتسم ابتسامة صغيرة — ليس سخرية، بل حيرة مهذّبة — ثم انتقل إلى الجانب الآخر من المحل وأخرج فستانًا من الصف الخلفي.
حمله إلى عادل.
كان هذا الفستان أزرق متوسطًا، أغمق من السماء، أفتح من الكحلي، بلمعة خفيفة تجعله يبدو كأنه مبلل.
— شوف هاد.
أخذه عادل.
حمله إلى النافذة حيث كان الضوء الطبيعي أفضل.
فرده على ذراعه.
الدرجة كانت قريبة.
ليست مطابقة، لكنها قريبة أكثر من أي فستان آخر في المحل.
— أخذه.
البائع لم يسأله عن المقاس.
أخذ عادل الفستان إلى الكاونتر ودفع.
حين سأله البائع إن كان يريد تغليفه هدية، قال: «لا».
وضع الفستان في كيس ورقي عادي وخرج.
في الطريق إلى البيت، حمل الكيس بيد واحدة.
كان الكيس خفيفًا، والفستان بداخله يتحرك قليلًا مع كل خطوة.
مرّ عادل بواجهة محل بقالة، وبمقهى فيه رجلان يلعبان الطاولة في الخارج، وبطفل يحمل بالونًا أحمر وأمه تمسكه من معصمه.
لم ينتبه إلى أي من هذا انتباهًا كاملًا؛ كان يفكر في الخزانة في غرفة النوم، وفي أي مكان سيضع فيه الفستان.
حين وصل إلى الشقة، وضع الكيس على السرير.
أخرج الفستان، وفرده على الفراش.
نظر إليه طويلًا.
الفستان في ضوء غرفة النوم بدا أزرق أغمق مما كان في المحل.
أزرق كافٍ.
فتح الخزانة.
كان الرف العلوي لا يزال فيه بعض ملابس نادية التي لم يفرزها بعد.
أزاح القمصان جانبًا.
علّق الفستان على شمّاعة خشبية، ووضعه في المنتصف، حيث يسهل رؤيته إن فُتحت الخزانة.
أغلق الخزانة.
جلس على حافة السرير.
نظر إلى الخزانة المغلقة.
انتظر شيئًا — شعورًا، ارتياحًا، أي شيء — أن يصل.
لم يصل.
جاء فقط صوت سيارة تبعد عن البناية في الشارع، ثم ضوء الشمس الذي تحوّل درجته على البلاط حين غابت غيمة، ثم صمت الشقة الذي كان قد بدأ يتعرف على طبقاته — الصمت القريب عند أذنيه، والصمت المتوسط في الرواق، والصمت البعيد في المطبخ حيث تقطر الحنفية ببطء.
قام.
فتح الخزانة مرة أخرى.
تحقّق أن الفستان لا يزال في مكانه.
أعاد إغلاقها.
مشى إلى المكتب.
فتح دفتره الجديد.
في العمود الأيمن، تحت مدخل الفستان الأزرق، أضاف سطرًا جديدًا بقلم أحمر:
تم الشراء.
14 آذار.
الدرجة قريبة.
ثم، بعد توقّف طويل، أضاف بقلم رصاص:
لكن لم يكن أزرق.
في اليوم التالي كانت المهمة الثانية: المطعم.
في أحد المدخلات كتبت نادية:
المطعم كان على زاوية شارع.
كان هناك نبات متسلّق على الجدار الخارجي.
طلبنا شيئًا ساخنًا.
قال لي: انتبهي، الصحن حار.
لمستُه بأصبعي رغم تحذيره.
كانت تلك طريقتي في تصديقه.
في العمود الأيمن كان عادل قد كتب بالقلم الأحمر: لا أتذكر مطعمًا على زاوية شارع.
المطاعم التي كنا نرتادها ثلاثة: مطعم في عبدون، مطعم في جبل اللويبدة، ومقهى الشجرة.
لا يوجد نبات متسلّق في أيٍّ منها.
لكن في الصباح، وهو يشرب الشاي في المطبخ، تذكّر مطعمًا صغيرًا كانا قد دخلاه مرة واحدة في جبل عمّان بعد زيارة لأحد الأقارب.
كان على زاوية شارع.
لم يكن فيه نبات متسلّق، لكن كان هناك جدار حجري عليه ظل شجرة من الجهة المقابلة يبدو في فصل معين كأنه ورق.
قرّر الذهاب.
وصل المطعم في الثانية ظهرًا.
كان المكان قد تغيّر — أعادوا طلاء الواجهة بلون أبيض، وبدّلوا اللافتة.
دخل.
الصالة كانت هادئة في تلك الساعة، طاولتان فقط مشغولتان.
طلب قهوة.
جلس قرب النافذة.
أخرج الدفتر من جيب معطفه.
قرأ المدخل من جديد.
المطعم كان على زاوية شارع.
كان هناك نبات متسلّق على الجدار الخارجي.
نظر إلى الجدار المقابل من النافذة.
لم يكن هناك نبات متسلّق.
كان هناك سيارة متوقفة، وصبي يحمل كيسًا من الخبز، وظل عمود كهرباء طويل.
قرأ بقية المدخل.
طلبنا شيئًا ساخنًا.
قال لي: انتبهي، الصحن حار.
لمستُه بأصبعي رغم تحذيره.
كانت تلك طريقتي في تصديقه.
توقّف عند السطر الأخير.
كانت تلك طريقتي في تصديقه.
لم يكن قد قرأ هذا السطر بهذه الدرجة من الانتباه من قبل.
في القراءة الأولى كان قد وضع دائرة حمراء حول «نبات متسلّق» وحول «زاوية شارع»، ومضى.
الآن، في المطعم الذي كان وليس كان، قرأ السطر كأنه يُقرأ لأول مرة.
كانت تلك طريقتي في تصديقه.
كان قد قال لها ذلك مئات المرات عبر السنين — «انتبهي»، «احذري»، «خذي هذا الدواء مع الأكل»، «لا تخرجي بدون معطف»، «السلم زلق».
كان يحسب الأمر تعبيرًا عن المحبة.
لم يفكر من قبل أن كل تحذير كان يحتاج إلى لمسة من طرفها — تصديق جسدي له، إثبات بأنها سمعت ولم تعصِ فقط من باب المبدأ.
وضع الدفتر على الطاولة.
شرب رشفة من القهوة.
كانت القهوة باردة.
لم ينتبه متى بردت.
لم يكتب شيئًا في الهامش.
في ذلك اليوم تحديدًا لم يكتب.
أعاد الدفتر إلى جيبه، دفع الحساب، وخرج.
في الطريق إلى البيت، مشى بدل أن يأخذ سيارة أجرة.
مشى مسافة طويلة، أكثر مما خطّط له، وحين وصل إلى بناية شقته كانت ساقاه ترتجفان قليلًا من الإرهاق.
لم يفكر في هذا كعرَض.
فكر فيه بوصفه تعبًا مستحقًا.
تلك الليلة، فتح الدفتر الجديد.
في العمود الأيمن، تحت مدخل المطعم، بدل أن يكتب بقلم أحمر، أخرج قلم رصاص.
كتب:
هل كانت تلمس الأشياء لتصدّقني؟
ثم، أسفل منه:
لم أسألها قط.
الجمل لم يكن لها عمود ليسكن فيه.
كانت في العمود الأيمن لكنها لم تكن تصحيحًا.
كانت شيئًا آخر.
سطرًا عابرًا إلى الجهة الخطأ من الخط العمودي.
(4)
في الأسبوع الثالث، جاءت هالة في الصباح دون سابق إنذار.
كانت قد وعدت بالمرور في المساء، لكنها وصلت في العاشرة صباحًا، ومعها كيس من الخبز الطازج ومعلّبات ليبن.
فتح لها عادل الباب وهو يرتدي قميصًا نظيفًا لكنه غير مكوي، وعليه آثار قهوة خفيفة عند الصدر.
— ليه ما لبست المكوي بابا؟
أشارت إليه.
قال إنه لم ينتبه.
مسح البقعة بكفّه كأن ذلك قد يفيد.
دخلت المطبخ.
وضعت الخبز على الطاولة، وفتحت الثلاجة، وأعادت ترتيب الرفوف.
وجدت خلف علبة زبدة صغيرة طبقًا من الطعام كانت قد أحضرته له قبل أسبوع لم يُمس.
أخرجته.
نظرت إليه.
لم تقل شيئًا.
رمته في سلة المهملات.
ثم قالت بدون أن تلتفت إليه:
— بابا، بدّي أشوف الكتاب.
توقّفت يداه عن الحركة على الطاولة حيث كان يفتح علبة اللبن.
— أي كتاب؟
— الكتاب اللي بتكتب فيه.
لم تكن قد رأت الدفتر من قبل.
لكنها كانت قد لاحظت في زيارتها الماضية أن المكتب كان مرتّبًا بطريقة مختلفة — لم يكن منظّمًا عاديًا، بل منظمًا بتركيز.
رأت علبة الأقلام الحمراء في زاوية المكتب.
رأت الملف المكتوب عليه «صور مرجعية».
رأت أن أبيها كان يعمل على شيء ما، وأن هذا الشيء كان يتعلق بأمها.
قاد عادل ابنته إلى المكتب.
فتح الدرج الأيمن.
أخرج دفترين: دفتر نادية الصغير بالغلاف البنّي، ودفتره الأبيض المسطر.
وضعهما على المكتب جنبًا إلى جنب.
جلست هالة على الكرسي.
فتحت دفتر نادية أولًا.
قلّبت بضع صفحات.
كانت عيناها تقرآن سطرًا ثم تنتقلان إلى السطر التالي دون أن تفهم الرابط.
وصلت إلى المدخل عن الفستان الأزرق.
— الفستان كان أزرق بلون البحر قبل العاصفة…
قرأت بصوت خفيض.
ثم رفعت عينيها إلى أبيها.
— الفستان كان أخضر يا بابا.
أنا أتذكر.
كنت لابسته في عرسي.
— أعرف.
— إذًا ليش تكتب «كان أخضر»؟
كانت قد فتحت دفتره الأبيض ورأت الأعمدة.
رأت العمود الأيسر الذي فيه كلام أمها، والعمود الأيمن الذي فيه كلام أبيها يصحّح.
رأت الدوائر الحمراء في دفتر أمها.
— يا بابا، هي كانت مريضة.
كانت تنسى.
ما كانت تتذكر لون فستان.
ليش عم تصحّح؟
قال عادل بصوت هادئ:
— مش عم أصحح.
عم أفهم.
كان قد كرّر هذه الجملة على نفسه منذ أسبوع دون أن يقولها بصوت عال.
حين نطق بها، فوجئ أنها خرجت من فمه مكتملة وليست احتجاجًا.
هالة لم تنتبه إلى هذا الفارق.
انتبهت فقط إلى الإصرار.
— تفهمي شو يا بابا؟
إنها كانت تغلط؟
هي ما كانت تغلط.
هي كانت تنسى.
فرق كبير.
— مش غلط.
ولا نسيان.
صمت.
نظر إلى الدفترين.
لم يعرف كيف يقول ما يريد قوله.
كان يعرف جيدًا كيف يصف مسألة هندسية بلغة عادية، لكن ما يحاول قوله الآن لم يكن مسألة هندسية.
كان شيئًا آخر، شيئًا لم يكن قد اكتسب بعد الكلمات الصحيحة.
— كأنها كانت تكتب عن شي تاني.
مش عن اللي صار.
هالة أغلقت الدفتر الأبيض.
تركت دفتر أمها مفتوحًا.
— بابا، هي كتبت هالشي وهي مريضة.
ما تعطيه أكتر من حجمه.
هي كانت تهلوس بصورة جميلة، هاد كلشي.
— هاد كلشي.
كرّر الكلمتين بلا نبرة، كأنه يسمعهما للمرة الأولى ويحاول أن يقرّر إن كانتا صحيحتين.
هالة اعتبرت الصدى موافقة.
— أنا عارفة إنك حزين.
بس هيك مش طريقة.
هيك… مش طبيعي.
قام من كرسيه.
انتقل إلى النافذة.
نظر إلى الشارع.
كانت هناك امرأة تمشي وبيدها كيس بلاستيك أحمر.
سيارة تمر ببطء.
ولد يرمي حجرًا صغيرًا إلى عصفور.
— هالة، أنا ما بعرف إذا كنت أعرفها.
قالها بصوت خافت، دون أن يستدير.
هالة لم تجب على الفور.
جلست على الكرسي، يداها في حجرها، عيناها على ظهر أبيها.
كانت قد جاءت في الصباح لتقنعه بأن يفوت على الطبيب.
الآن كانت جالسة في مكتب لم تدخله منذ أشهر، وأبوها يقول لها من عند النافذة إنه لا يعرف إن كان يعرف أمها.
— بابا…
— روحي.
لم تكن كلمة قاسية.
كانت طلبًا بنبرة منخفضة.
كمن يطلب من شخص أن يُطفئ ضوءًا قبل النوم.
قامت هالة، أخذت حقيبتها من كرسي المطبخ، وتوقفت عند باب الشقة.
قالت شيئًا مثل «بحكيك الليلة»، وخرجت.
حين أغلقت الباب، لم يتحرك عادل من النافذة.
بقي ينظر إلى الشارع حتى اختفت المرأة ذات الكيس الأحمر في منعطف البناية المقابلة.
ثم عاد إلى المكتب.
فتح دفترة الأبيض.
نظر إلى العمود الأيمن في المدخل الخاص بالفستان.
كان فيه كلامه الأحمر: الفستان كان أخضر… إلى آخره.
وكان تحته بقلم رصاص: لكن لم يكن أزرق.
أخذ ممحاة.
لم يمحُ التصحيح الأحمر.
محا فقط السطر الرصاصي الأخير.
مسح الورق بظهر كفّه.
كتب مكانه:
أي نوع من الأزرق كانت تقصد؟
وضع القلم.
أغلق الدفترين.
جلس على الكرسي الدوّار طويلًا، يدير الكرسي ربع دورة يمينًا، ثم ربع دورة يسارًا، ثم يعود.
الحركة لم يكن يلاحظها؛ لاحظ فقط صرير المفصل تحته كلما تحرّك.
في تلك الليلة، حصل شيء لم يحصل من قبل: أحضر دفتر نادية إلى السرير.
كان قد قرّر منذ البداية أن الدفتر مكانه المكتب.
المكتب يعني البحث، والبحث يعني النهار، والنهار يعني الدقّة.
السرير كان للنوم.
لكن في هذه الليلة، بعد أن أطفأ مصابيح الشقة كلها، وقف في الرواق، وعاد إلى المكتب، وحمل الدفتر معه.
جلس في السرير، مسند الظهر على الوسادة، مصباح السرير مضاء بضوء أصفر خافت.
فتح الدفتر على مدخل لم يكن قد وقف عنده طويلًا من قبل.
غنّى لي مرة.
لا أتذكر الكلمات.
أتذكر أن صوته كان يرتجف.
كان يغني كمن يعتذر.
وضع الدفتر على صدره مفتوحًا، والغلاف متدليًا على جانبيه.
نظر إلى السقف.
ظلال فروع الشجرة التي أمام النافذة كانت تتحرك على البياض مع الريح — حركة بطيئة، دوائر بلا مركز.
لم يغنِّ.
لم يغنِّ لها قط.
هذا أكيد.
لكن منذ تلك الظهيرة في المطبخ، حين قالت هالة «هاد كلشي» وكرّرها هو بعدها، كان قد بدأ يسأل نفسه ما إذا كان هناك شيء قاله لها مرة يشبه الأغنية من الداخل.
شيء خرج من فمه دون أن يخطّطه، دون أن يقيس كلماته.
تذكّر ليلة قبل خمس سنوات تقريبًا، حين كانت قد عادت من المستشفى بعد فحوصات أوّلية للذاكرة.
جلسا معًا في غرفة المعيشة.
لم تبكِ.
هو لم يبكِ.
قال لها شيئًا — لم يتذكر الكلمات.
تذكّر فقط أنه كان قد بدأ جملة ثم توقّف في المنتصف، ثم بدأ جملة أخرى وتوقف في المنتصف، ثم صمت.
وأن صوته خرج في المرتين مرتجفًا.
أغلق الدفتر.
لم يعد يريد أن يقرأ في تلك الليلة.
أطفأ المصباح.
بقي مستلقيًا في العتمة، الدفتر على صدره، وظلال الفروع لا تزال تتحرك على السقف وإن كانت لا تُرى الآن، تُسمع فقط في خشخشة الورق خارج النافذة.
(5)
في الأسبوع الرابع، قرّر الذهاب إلى باريس.
لم يُعلن ذلك.
لم يخبر هالة.
اشترى التذكرة عبر مكتب سفريات قريب، وسأل موظّفة شابة عن أفضل فندق صغير في المنطقة التاسعة، وحجز لثلاث ليال.
قالت له الموظفة:
— عمّو، الفنادق الصغيرة ممكن ما فيها مصعد.
أنت ما بتقدر تصعد درج.
— بقدر.
في البيت، وضع الدفتر وجواز السفر وتذكرة الطائرة وورقة بعنوان الفندق في محفظة جلدية.
طوى قميصين في حقيبة يد صغيرة.
أخذ معطفه الرمادي من الخزانة.
أغلق الخزانة، ثم فتحها مرة أخرى، ونظر إلى الفستان الأزرق المعلق في المنتصف.
أعاد إغلاقها.
لم يلمسه.
قبل أن يخرج من الشقة، أوقف ساعة المنبه التي كانت لا تزال تُطلق صوتها كل يوم في السادسة والنصف.
ضغط الزر، وسمع الطقطقة الخفيفة، ثم الصمت.
في الطائرة، لم ينم.
جلس قرب النافذة ونظر إلى البحر الأبيض المتوسط حين عبرته الطائرة، ثم إلى اليابسة الإيطالية، ثم إلى الضباب فوق فرنسا.
لم يكن قد ركب طائرة منذ سنوات.
كان قد نسي الإحساس: الطائرة ليست حركة، بل اختزال للمسافة.
أربع ساعات وبضع دقائق، وتتحوّل مدينة كان قد كتب اسمها بالقلم الأحمر فوق كلمة «خطأ» إلى مكان يمشي فيه.
في مطار شارل ديغول، أخذ سيارة أجرة إلى الفندق.
السائق كان رجلًا من شمال أفريقيا يتحدث بفرنسية ممزوجة بعربية متقطّعة.
لم يقل عادل شيئًا طوال الرحلة سوى اسم الفندق.
نظر من النافذة إلى ضاحية طويلة من أبنية خرسانية متشابهة، ثم إلى شارع سريع، ثم تدريجيًا إلى الأحياء الداخلية للمدينة: الأبنية القديمة بواجهاتها الرمادية، الشرفات الحديدية، المقاهي الصغيرة على الأرصفة.
الفندق كان في شارع ضيق خلف شارع رئيسي.
حمل حقيبته الصغيرة بنفسه.
الغرفة في الطابق الثالث، والدرج بالفعل كان ضيقًا ولا مصعد فيه.
صعد ببطء، متوقّفًا عند كل بسطة.
الغرفة صغيرة، فيها سرير مفرد، وطاولة خشبية عليها مصباح، ونافذة تطل على جدار البناية المقابلة وعلى قطعة صغيرة من السماء.
جلس على حافة السرير.
أخرج الدفتر من المحفظة.
لم يفتحه.
وضعه على الطاولة.
في تلك الليلة، نام خمس ساعات.
في صباح اليوم التالي، خرج من الفندق في التاسعة.
كانت باريس في أواخر آذار باردة وضبابية، والشوارع رطبة من مطر ليلي.
لبس معطفه وسار بلا خريطة.
كان قد قرّر ألا يستخدم خريطة.
سيمشي حتى يجد.
مشى جنوبًا أولًا.
عبر شارعًا واسعًا، ثم التفّ في أزقة ضيقة، ثم وصل إلى ساحة صغيرة فيها نافورة وأشجار كستناء عارية.
جلس على مقعد خشبي لخمس دقائق، ثم قام ومشى من جديد.
لم يكن يبحث عن مقهى بعينه.
كان يبحث عن شيء في وصف نادية: مقهى صغير، زاوية، نافذة تطل على شارع ضيق، كان يمسك كوبه بيدين.
كان يعلم أن هذه المواصفات فضفاضة، وأن في باريس مئات المقاهي التي تتطابق معها.
لكنه كان يبحث عن شعور محدّد.
عن لحظة يقول فيها: هنا.
مرّ بمقاهٍ كثيرة.
بعضها واسعة وصاخبة.
بعضها مصقولة بزجاج أنيق.
بعضها عتيقة ومظلمة.
كل مرة كان يقف عند الباب، يلقي نظرة، ويمضي.
في الثانية عشرة، في شارع لم يتذكر اسمه، رأى مقهى صغيرًا على زاوية.
كان المقهى في طابق أرضي من بناية قديمة ذات واجهة رمادية، وله لافتة خضراء باهتة مكتوبًا عليها اسم بحروف ذهبية متآكلة.
النوافذ كانت مضبّبة قليلًا من الداخل بسبب الحرارة، والضوء الداخلي كان أصفر دافئًا.
دخل.
كان هناك سبع أو ثماني طاولات، ثلاث منها مشغولة.
رائحة القهوة والخبز المحمّص والخشب القديم.
آلة إسبريسو قديمة في الخلف تُصدر صوت ضغط مكتوم.
جلس على طاولة قرب النافذة.
النافذة كانت تطلّ على الشارع الضيق المقابل، على واجهة مكتبة صغيرة، وعلى درّاجة هوائية مربوطة بعمود الإنارة.
جاء النادل.
رجل في الخمسينيات بوجه متعب ومريلة بيضاء.
قال بالفرنسية شيئًا لم يفهمه عادل.
قال عادل:
— Un café.
S’il vous plaît.
كانت إحدى الكلمات القليلة التي يعرفها.
هزّ النادل رأسه وذهب.
أخرج الدفتر من جيب المعطف.
وضعه على الطاولة.
لم يفتحه مباشرة.
نظر إلى المقهى.
نظر إلى النافذة.
نظر إلى الطاولة أمامه وفيها علبة صغيرة فيها أكياس سكر.
في الطاولة المجاورة كانت تجلس امرأتان.
إحداهما في العشرينيات، شعرها أسود، يداها على كوب بين يديها — كلا اليدين، كأن الكوب يحتاج إلى كلتيهما.
الأخرى أكبر سنًا، في الخمسينيات، تتكلم بسرعة، تشير بيدها المتحررة.
قالت الأكبر بالعربية — بلهجة لبنانية — لصاحبتها:
— إنتِ بتمسكي كل شي كأنه بدو يطير.
ضحكت الشابة.
لم ترفع يديها عن الكوب.
قالت شيئًا بالفرنسية، ثم شيئًا بالعربية، ثم ضحكت من جديد.
عادل لم يتحرك.
عيناه ظلّتا على الدفتر أمامه.
يداه على الطاولة، واحدة فوق الأخرى، ثابتتان.
لكن بداخله شيء ما بدأ يتحرك ببطء، حركة صامتة، شبيهة بحركة الإبرة في بوصلة حين تجد الشمال.
فتح الدفتر.
قلّب الصفحات حتى وصل إلى المدخل.
في المقهى الصغير في باريس، كان يمسك كوبه بيدين.
قلت له: أنت تمسك كل شيء كأنه يريد أن يسقط.
قرأ السطر الأول.
ثم الثاني.
جاء النادل بالقهوة.
فنجان صغير.
وضعه على الطاولة بجانب الدفتر.
انصرف.
رفع عادل الفنجان.
لم يُمسكه بأصبعيه من المقبض الصغير كما يفعل عادة.
وضع يديه الاثنتين حوله — كف فوق كف، الفنجان بينهما.
كانت القهوة لا تزال ساخنة.
الدفء انتقل إلى راحتيه.
نظر إلى النافذة.
المطر كان قد عاد — ناعمًا، نقطًا صغيرة على الزجاج، تتسابق إلى الأسفل.
انعكاسه هو في الزجاج كان خافتًا، مجرد شبح لرجل جالس بمعطف رمادي يمسك فنجانًا بكلتا يديه.
أنت تمسك كل شيء كأنه يريد أن يسقط.
لم تكن تتكلم عن باريس.
لم تكن تتكلم عن مقهى.
كانت تتكلم عن الطريقة التي كان يرفع فيها كأس الماء إلى فمها حين كانت مريضة، بيد واحدة أسفل الكأس ويد أخرى على رسغها لتثبيتها.
عن الطريقة التي كان يحمل فيها أكياس السوبرماركت إلى الباب، يضعها أرضًا، ثم يُخرج المفتاح.
عن الطريقة التي كان يسلّم فيها هاتفها إليها حين كان يرنّ — ببطء، بحرص، كأنها قد تُوقعه.
عن الطريقة التي كان يقود فيها السيارة، بكلتا يديه على المقود في السابعة والسبعين ربيعًا من عمره، كأنه في درس أول.
كل ما في هذا الرجل كان مسكًا.
وكانت هي قد رأت ذلك.
قبل أن تنسى اسم شارع، قبل أن تختلط عليها الأزمنة، قبل أن يبدأ خطها يرتجف على الورق — كانت قد رأت ذلك، وخبّأت رؤيتها في دفتر صغير بغلاف بنّي تحت وشاح حريري، ولم تخبره بها.
ربما لأنها لم تعرف كيف تُخبره دون أن يسمع في كلامها اتّهامًا بالقلق الزائد.
ربما لأن الرؤية كانت أشد رقّة من أن تتحمّل التسمية.
ربما لأنها كانت تحبه بالطريقة نفسها التي كان يحبها بها: ليس عبر القول، بل عبر الانتباه الصامت إلى ما يفعله الآخر بيديه.
أخرج يديه من حول الفنجان ببطء.
وضعهما على الدفتر المفتوح.
لم يكتب.
لم يضع دائرة.
لم يسحب قلمًا.
في الزاوية البعيدة من المقهى، كانت آلة الإسبريسو تصدر صوت ضغط جديد.
رائحة البن المحروق توقظ الطاولات.
الشابة في الطاولة المجاورة كانت لا تزال تمسك كوبها بكلتا يديها، تضحك على شيء قالته صاحبتها.
المطر في الخارج كان يسقط ببطء.
بقي عادل في المقهى ساعة كاملة.
شرب القهوة.
طلب قهوة ثانية.
شربها.
لم يفتح الدفتر من جديد.
في النهاية دفع بورقة من فئة عشرين يورو، ترك لحظة صغيرة قبل أن يأخذ الباقي، ثم قرر أن يترك الباقي كاملًا.
خرج إلى الشارع.
الشارع كان رطبًا ولامعًا بعد المطر.
سار عادل بلا وجهة.
وصل إلى نهر.
عبر جسرًا.
وقف في منتصفه ونظر إلى الماء.
الماء كان رماديًا، سريع الجريان في النصف، بطيئًا قرب الضفتين.
بارجة صغيرة مرّت من تحته بهدوء.
لم يبكِ.
لم يبتسم.
شيء بين الاثنين، لا اسم له.
مشى حتى غابت الشمس.
حين عاد إلى الفندق كانت الساعة قد جاوزت السابعة، وكانت ساقاه توجعانه بشكل لم يشعر به منذ سنوات.
صعد الدرج الضيق إلى غرفته في الطابق الثالث.
خلع حذاءه.
جلس على حافة السرير.
على الطاولة الخشبية كان الدفتر الذي أعاده من المقهى.
لم يفتحه.
نام وهو لا يزال بكامل ملابسه، فوق الغطاء لا تحته، ويده اليمنى على الدفتر.
(6)
في اليوم التالي، قبل مغادرة باريس، فعل شيئًا واحدًا فقط.
ذهب إلى متجر قرطاسية صغير قرب الفندق، واشترى قلم رصاص واحدًا من النوع الذي كان يستخدمه في المكتب — خشبي، درجة 2 بي، غير ملوّن — وممحاة بيضاء صغيرة.
دفع ببعض العملات.
وضع القلم والممحاة في جيب معطفه الداخلي إلى جانب الدفتر.
عاد إلى الفندق.
جمع أغراضه.
سدّد فاتورة الغرفة.
أخذ سيارة أجرة إلى المطار.
في الطائرة، لم ينظر من النافذة هذه المرة.
جلس، أغلق عينيه، ولم ينم.
فكّر بطريقة غير منظّمة، من غير قوائم، من غير أعمدة.
فكّر في نادية في المطبخ حين كانت تقشّر برتقالة وتعطيه نصفًا دون أن تسأل.
فكّر في الخزانة التي فيها فستان أزرق لم ترتدِه قط.
فكّر في هالة عند الحوض تغسل الأطباق بقوة أكبر من اللازم.
فكّر في البائع في محل الملابس حين سأل: «هدية؟» — وكيف أن السؤال كان بلا جواب، لأن الجواب كان سيحتاج أربعين سنة من التفسير.
وصلت الطائرة إلى عمّان مساءً.
كان الجو دافئًا، غير متوقع لآذار.
أخذ سيارة أجرة إلى الشقة.
الشارع كان هادئًا.
مصباح البناية الخارجي كان مضاء كما تركه.
دخل الشقة.
وقف في الرواق دقيقة قبل أن يشعل أي ضوء.
الصمت لم يكن فارغًا.
كان صمتًا فيه طبقات — الثلاجة في المطبخ، أزيز خفيف من الثلاجة، ساعة الحائط في غرفة المعيشة، وخارج النافذة صوت سيارة بعيدة.
أشعل ضوء الرواق.
وضع الحقيبة الصغيرة قرب الباب.
خلع المعطف.
أخرج من جيبه الداخلي الدفتر، والقلم الرصاص الجديد، والممحاة.
حملها إلى المكتب.
على المكتب كان دفتره الأبيض المسطّر لا يزال مفتوحًا على المدخل الأخير الذي عمل عليه قبل السفر.
العمود الأيسر فيه كلام نادية.
العمود الأيمن فيه كلامه بالقلم الأحمر.
أخذ الممحاة.
بدأ يمحو.
بدأ بالعمود الأيمن في المدخل الأول — المدخل عن المقهى في باريس.
محا كلمة «لم نزر باريس».
محا «إسطنبول».
محا «مقهى الشجرة».
محا الجملة كلها.
الورق في الموضع الممحو صار أبيض باهتًا، مع بقايا رمادية خفيفة من الرصاص القديم تحت الأحمر.
انتقل إلى المدخل الثاني — الفستان الأزرق.
محا «الفستان كان أخضر».
محا «حفل زفاف هالة».
محا «لم نرقص قط».
انتقل إلى الثالث، والرابع، والخامس.
كل جملة صحّحها بالأحمر، محاها.
كل دائرة حمراء وضعها حول كلمة في دفتر نادية، حاول محوها أيضًا، لكن الدوائر في دفتر نادية لم تُمحَ بالكامل؛ بقيت منها خطوط وردية باهتة، آثار مثل ندبات قديمة.
تركها.
لم يُصرّ على إزالتها.
حين انتهى من كل العمود الأيمن في دفتره الأبيض، كان الصمت في الشقة قد اختلف.
لم يعد الصمت الذي كان قد تعرف عليه في الأسابيع الماضية.
كان صمتًا أبسط، بلا طبقات تقريبًا، كأن شيئًا قد توقف عن الطنين في الخلفية.
نظر إلى الصفحة.
العمود الأيسر فيه كلام نادية، واضحًا.
العمود الأيمن فارغ، مع آثار رمادية باهتة تدلّ على أن شيئًا كان هنا ثم أُزيل.
أخرج القلم الرصاص الجديد الذي اشتراه في باريس.
لم يكن قد بُري بعد.
بحث في الدرج عن البرّاية الصغيرة.
براه فوق سلة المهملات.
حين انتهى، كان رأس القلم ناعمًا ومدبّبًا.
نفخ عليه قليلًا.
في العمود الأيمن، بجانب المدخل الأول، كتب:
كان يمسك كوبه بيدين.
نسخ الجملة كما كتبتها نادية.
لم يصحّح.
لم يضف.
لم يضع علامة استفهام هذه المرة.
في العمود الأيمن، بجانب المدخل الثاني — الفستان — كتب:
بلون البحر قبل العاصفة.
في العمود الأيمن، بجانب المدخل الثالث — الأغنية — توقّف.
نظر إلى الجملة في دفتر نادية: «كان يغني كمن يعتذر.» لم يكن قد غنّى.
لكنه تذكّر ليلة الفحص، والصوت الذي ارتجف، والجملتين اللتين لم تكتملا.
كتب:
كمن يعتذر.
لم يكن يكتب تصحيحًا، ولا ملاحظة، ولا اعترافًا.
كان ينسخ.
كان يعيد كتابة كلماتها بخطه هو في العمود الذي كان سابقًا للحقائق، وقد صار الآن شيئًا آخر — مكانًا ليست فيه كلماته ولا كلماتها، بل كلماتها بصوته.
حين انتهى، أغلق الدفترين — دفتر نادية الصغير بالغلاف البنّي، ودفتره الأبيض.
وضع دفتر نادية فوق دفتره.
وضع يديه الاثنتين فوق الدفترين.
بقي هكذا وقتًا لم يعرف طوله.
قام أخيرًا.
حمل الدفترين إلى غرفة المعيشة.
وضعهما على الطاولة الصغيرة بجانب كرسيه.
جلس في الكرسي.
لم يُشعل مصباحًا.
كان الضوء الوحيد في الغرفة هو ضوء الرواق المتسلّل من الباب، وطيف خافت من نافذة الشارع.
الهاتف رنّ مرة واحدة.
لم يردّ.
سيكون هو هالة.
سيتصل بها غدًا.
سيخبرها أنه ذهب إلى باريس.
لن يشرح السبب.
ستسأل.
سيقول إنه كان يحتاج أن يمشي في شارع.
هذا سيكون صادقًا وغامضًا بالقدر الكافي، وسيتركها مع قلقها، لكن قلقها الجديد سيكون مختلفًا عن قديمها.
سترى أبوها يقول شيئًا لا يعرف كيف يشرحه بدل أن يصرّ على شرح ما لا يحتاج شرحًا.
قد يكون ذلك تحولًا يمكنها أن تتعايش معه.
مدّ يده إلى الطاولة الصغيرة.
لم يفتح الدفتر.
وضع يده اليمنى على غلافه البنّي الدافئ.
بقيت هناك.
ساعة الحائط دقّت الحادية عشرة.
خارج النافذة، بدأت ريح خفيفة تتحرك في فروع الشجرة.
لم يكن قد انتبه إلى الشجرة منذ سنوات رغم أنها كانت هناك طوال الوقت، تلك الشجرة التي كانت نادية تسمّيها باسم — اسم لم يتذكره الآن، شيء مثل «أم الطيور» أو «القسمة الطويلة»، شيء من مفرداتها الخاصة التي كان يحسبها طفوليّة.
الآن، في العتمة، وهو جالس في الكرسي ويده على دفتر صغير، كان يتمنى لو تذكّر الاسم.
لم يتذكّره.
بقي جالسًا.
الريح تتحرك في الفروع، والفروع تتحرك في الهواء، والهواء يتحرك في الغرفة عبر شق النافذة الذي كان دائمًا مسدودًا بشريط لاصق لكنه ذات شتاء لم يعد مسدودًا ولم ينتبه أحد ليشرحه.
في الصباح، حين يستيقظ، سيجد الدفترين كما تركهما، ويده عليهما، ويده ثابتة.
(7)
بعد أسبوع على عودته، مرّت هالة في المساء.
كانت قد اتصلت قبلها وقالت إنها ستحضر طعامًا.
وافق.
حين دخلت، شمّت رائحة غير معتادة في الشقة — ليست رائحة طعامه العادية، بل شيء أخف، شيء يشبه البخور البارد الذي كانت أمها تشتريه من محل صغير في دوار الداخلية.
لم تسأل.
وضعت الطعام في الثلاجة.
ذهبت إلى غرفة المعيشة.
وجدت أباها في كرسيه.
الطاولة الصغيرة بجانبه كان عليها دفتران — دفتر صغير بغلاف بنّي، ودفتر أبيض أكبر.
يداه في حجره.
التلفزيون غير مشغّل.
الراديو غير مشغّل.
لم يكن يقرأ.
كان فقط جالسًا.
— بابا.
— مرحبا يا بابا.
جلست على الكنبة المقابلة.
لاحظت أن المكتب في الغرفة الأخرى كان قد أُعيد ترتيبه — ليس كما كان قبل «المشروع»، بل بطريقة ثالثة لم تعرفها.
الأقلام الحمراء لم تعد في الزاوية.
الملف «صور مرجعية» لم يعد مرئيًا.
— رحت باريس؟
قالتها كمن يتأكد من شيء كانت قد شكّت فيه.
صديق لها من الحي كان قد رأى عادل يخرج من مكتب السفريات قبل أسبوعين.
— أي.
— ليش بابا؟
هذه كانت اللحظة التي كان ينتظرها.
كان قد بدأ خلال الأيام الماضية يحاول أن يصوغ جوابًا، ثم يتخلّى عنه.
كل صياغة كانت تبدو إما كذبًا أو شرحًا.
الآن، وهي تسأله، نظر إلى يديه في حجره، ثم إلى الدفتر الصغير على الطاولة، ثم إلى ابنته.
— كنت بدي أمشي بشارع.
هالة لم تقل شيئًا.
انتظرت.
— وشربت قهوة.
— بس؟
— بس.
سكت.
لم يُضف «وتعلّمت شيئًا»، لم يُضف «وفهمت أمك»، لم يُضف أي شيء من الأشياء التي كان يمكن أن تُفسد ما حدث بتفسيره.
هذه كانت المعركة الأخيرة مع ذاته القديمة — المهندس الذي يشرح، الذي يضع كل شيء في عمود — وكان قد قرر، في ذلك المساء على الأقل، أن يخسر المعركة.
هالة نظرت إلى الدفتر الصغير على الطاولة.
— هاد دفترها؟
— أي.
— تقدر أشوفه؟
تردّد.
ليس لأنه لا يريد.
بل لأن إعطاءها الدفتر يعني شيئًا لم يكن قد فكّر فيه: الاعتراف بأن الدفتر لم يعد له فقط.
بأنه لم يكن له أصلًا.
بأن نادية كتبت، وأن لكتابتها قراء يمكن أن يكونوا أكثر من واحد.
أعطاها الدفتر.
أخذته.
لم تفتحه على الفور.
أمسكت الغلاف بيديها، كلتاهما، كما تُمسك شيئًا قد يطير أو قد يسقط — الحركتان في الدرجة ذاتها من الحرص.
فتحت على صفحة في المنتصف.
قرأت صامتة.
انتقلت إلى صفحة أخرى.
قرأت.
حين رفعت عينيها، كانتا رطبتين قليلًا لكنها لم تبكِ.
قالت:
— هي كانت تكتب حلو.
— أي.
— ما كنت أعرف.
— أنا كمان.
صمتا.
في المطبخ كانت الثلاجة لا تزال تُصدر أزيزها الخفيف.
في الخارج، سيارة مرّت بصوت ناعم.
— بابا، في مدخل هون بتقول إنه غنّى لها.
إنت غنّيت لها؟
نظر عادل إلى يديه في حجره.
كان يمكنه أن يقول لا، كما قال لنفسه عشرين مرة.
كان يمكنه أن يشرح أن الأمر اختلط عليها بشيء آخر.
لكنه كان قد كتب في دفتره الأبيض، بالقلم الرصاص الجديد، في العمود الذي لم يعد عمود «كما كان»، الجملة: كمن يعتذر.
قال:
— مرة.
بس مش بكلمات.
هالة لم تفهم.
لكنها لم تسأل.
أغلقت الدفتر برفق ووضعته على الطاولة الصغيرة بجانب كرسي أبيها.
قامت.
قالت إنها ستُسخّن الطعام.
في المطبخ، بينما كانت تضع الطعام في الميكروويف، وقفت لحظة عند النافذة.
كان يمكن رؤية قطعة من سماء آذار المتأخر من هذه النافذة — قطعة صغيرة بين بناية وبناية، فيها غيمة واحدة.
أمها كانت تقف أحيانًا عند هذه النافذة نفسها، تنظر إلى القطعة ذاتها من السماء، وتقول شيئًا لا يسمعه أحد.
عادت هالة بطبق أرز للأب.
وضعته أمامه على طاولة صغيرة.
أكل ببطء.
أكلت معه.
قبل أن تغادر، أعطاها شيئًا صغيرًا.
لم يكن قد خطّط لذلك.
مدّ يده إلى جيب قميصه وأخرج ورقة مطوية.
كانت الورقة القديمة التي كتب عليها قبل أسابيع مواصفات الفستان الأزرق — الأزرق المحدّد، بلون البحر قبل العاصفة، مع الدائرة الرصاصية في الأسفل.
أعطاها لهالة.
— ارميها.
هالة نظرت إلى الورقة.
فهمت ولم تفهم.
أخذتها.
حين غادرت الشقة، أغلقت الباب بلطف خلفها.
في المصعد، فتحت الورقة، قرأتها، ثم طوتها من جديد.
لم ترمها.
وضعتها في محفظتها.
(8)
في الصباح، استيقظ عادل على ضوء طبيعي.
كان قد نسي أن يسحب ستارة غرفة النوم تمامًا، فدخل شعاع من ضوء الصباح عبر فتحة ضيقة بين الستارتين، وسقط على جدار قرب السرير.
لم يكن شعاعًا دراميًا، مجرد خط دافئ رفيع على البياض.
نظر إليه طويلًا قبل أن ينهض.
لم تكن ساعة المنبه لتطلق صوتها — كان قد أوقفها قبل باريس ولم يُعِد تشغيلها.
الساعة على الحائط كانت تقول السابعة وربع.
لم يكن قد استيقظ في السابعة وربع منذ سنوات.
نهض.
ذهب إلى المطبخ.
أشعل الغاز تحت إبريق الشاي.
أخرج كوبًا.
فتح علبة الشاي وأخذ كيسًا، ثم أعاده، وأخذ بدله من علبة صغيرة أخرى كان في قاعها شاي أسود بالهيل من النوع الذي كانت نادية تفضّله ولم يكن هو يشربه تقريبًا.
وضع الكيس في الكوب.
بينما كان الماء يغلي، مشى إلى غرفة المعيشة.
الدفتران لا يزالان على الطاولة الصغيرة بجانب كرسيه.
جلس.
لم يفتح.
مدّ يده وأمسك غلاف الدفتر الصغير بكلتا يديه — كف فوق كف، كما كان قد أمسك فنجان القهوة في باريس.
الدفتر كان دافئًا قليلًا.
أو ربما يداه كانتا باردتين.
أو ربما الدفء والبرودة لم يعودا شيئين مختلفين في هذه اللحظة.
صوت الإبريق من المطبخ بدأ يرتفع — صفير ناعم في البداية، ثم أعلى.
قام.
ذهب إلى المطبخ.
أطفأ الغاز.
صبّ الماء في الكوب.
حمل الكوب إلى غرفة المعيشة.
عاد إلى كرسيه.
وضع الكوب على الطاولة الصغيرة إلى جانب الدفترين.
لم يفتح الدفتر.
نظر من النافذة.
الغيمة التي كانت في قطعة السماء الصغيرة الليلة الماضية لم تعد هناك.
كانت سماء زرقاء فاتحة، ليست بلون البحر قبل العاصفة، بل بلون شيء آخر لم يكن يعرف له اسمًا ولم يعد يشعر بالحاجة إلى تسميته.
يداه على غلاف الدفتر.
الدفتر مغلق.
ضوء الصباح يتقدّم على البلاط ببطء.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
