قصص

حبر جاف

قاضٍ وحده في مبناه بعد العاشرة، يرصف ستَّ صورٍ لمسرحِ دهسٍ في صفّين متوازيين كأنه يُنظّم معرضًا صغيرًا.

لوحة لمكتبٍ جلديّ ليليّ يضيئه مصباح نحاسي، عليه ملفٌّ مفتوح بأوراق كثيرة وقلمٌ ذهبيّ فوقه، وصورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود إلى جانبه.

الملف مفتوح على المكتب منذ ساعة. عمران يقرأ السطر الأول، ينقل عينيه إلى السطر الثاني، يعود. ليس بحثًا عن معنى ضائع، بل لأن القراءة صارت فعلًا آليًا ينتمي إلى الجسد أكثر مما ينتمي إلى الذهن. يسطّر تحت كلمة «مشتبه» بخط مستقيم، يضع القلم بمحاذاة حافة الورقة، يعدّل زاوية المسطرة المعدنية فوق المكتب حتى تتوازى مع الهاتف المقلوب على وجهه.

الطقس في الخارج بارد بما يكفي لتكثيف النوافذ. يسمع صفيرًا خفيفًا من مكيف السقف، وخلفه، أبعد قليلًا، صوت مفتاح الكهرباء في الممر حين يُطفئ الحارس أضواء الطابق الأرضي. الساعة تجاوزت العاشرة. في هذا الوقت يكون المبنى قد أفرغ حتى آخر موظف، ولا يبقى إلا عمران، والمكيف، ورائحة الورق المطبوع حديثًا الذي يشبه في جفافه رائحة الطباشير.

يفتح الدرج الأيمن. يخرج ظرفًا بنيًا، يُفرغ صوره على المكتب. ست صور فوتوغرافية لمسرح الجريمة: شارع مبلل، سيارة بيضاء منحرفة فوق الرصيف، جسد مغطى بملاءة زرقاء لا تصل إلى القدمين. يرتب الصور في صفين متوازيين، كأنه يُنظّم معرضًا صغيرًا. ينظر إليها بعين مَن يقرأ خريطة لا مَن يشهد كارثة. هذا ما يفعله القاضي: يحوّل الدم إلى دليل، والصراخ إلى شهادة مكتوبة، والموت إلى بند في ملف.

يغلق الملف. يسحب معطفه عن مسند الكرسي. يُطفئ مصباح المكتب.

في السيارة، يُدير المحرك ولا يتحرك لثلاثين ثانية. عادة قديمة. ينتظر حتى يسخن المحرك، حتى ترتفع إبرة الحرارة ميليمترًا واحدًا. ثم يخرج من الموقف ببطء، كأنه يُغادر مبنى عبادة.


وجبة العشاء في بيت عمران طقسٌ صامت. أمينة تضع الصحون بإيقاع لم يتغير منذ ثلاثين عامًا: صحنه أولًا، ثم صحن زياد، ثم صحنها. الماء في إبريق زجاجي في المنتصف. المناديل مطوية مثلثات. عمران يجلس، يفرد المنديل على ركبته اليسرى، يسحب الصحن نحوه سنتيمترين. لم يطلب من أحد شيئًا. لم يقل لأمينة يومًا أنه يُفضل أن تضع صحنه أولًا. لكنها تفعل ذلك، والترتيب صار قانونًا بيتيًا لا يحتاج توقيعًا.

زياد يجلس مقابله. ينظر إلى الطعام. يأكل ببطء، يقطع اللحم قطعًا صغيرة لا يُنهيها. كتفاه مائلتان إلى الداخل قليلًا كعادته، كأنه يحاول أن يشغل مساحة أقل من تلك التي يمنحها له الكرسي.

«الطرقات كانت زلقة الليلة.» عمران يقول ذلك وهو يمد يده إلى الماء.

زياد يرفع رأسه نصف رفعة. «نعم.»

«رجعت متأخر ليلة الثلاثاء.»

«كنت أقود. بس أقود.»

صمت. أمينة ترفع نظرها من صحنها، تنظر إلى عمران، ثم إلى زياد، ثم تعود إلى طعامها. حركة سريعة، عادية، ليس فيها قلق بقدر ما فيها رصد. قراءة لمناخ الغرفة بتلك المهارة التي اكتسبتها النساء اللواتي عشن عقودًا مع رجال لا يتكلمون.

عمران يمضغ. يبتلع. يمضغ. الأرز في فمه يبدو جافًا رغم المرق. ينظر إلى يد زياد اليمنى على حافة الطاولة. يد نظيفة، أظافر مقلّمة. ثم ينظر إلى أسفل، إلى مفصل المعصم. خدش رفيع، شبه ملتئم، يمتد من قاعدة الإبهام باتجاه الرسغ.

لا يسأل عنه.

يدفع صحنه للأمام. «الأكل طيّب.» يقولها لأمينة بنبرة مسطّحة لا تحمل مديحًا حقيقيًا ولا شكوى. يقوم من الكرسي. يذهب إلى مكتبه في الطابق العلوي.

يغلق الباب.

على المكتب، صورة لعمران وزياد عمرها خمس عشرة سنة. زياد يرتدي بذلة مدرسية، يبتسم ابتسامة عريضة، يقف بجانب أبيه الذي يضع يده على كتف الولد بالطريقة التي يضعها الرجال على أكتاف أبنائهم: ثقيلة ومحبة في الوقت نفسه، أو ربما ثقيلة لأنها محبة.

يجلس. يفتح حاسوبه. يكتب في محرك البحث: حادثة الدهس — شارع الملك فهد — أكتوبر.

الصور تظهر. نفس السيارة البيضاء. نفس الملاءة الزرقاء. لكن هناك صورة لم تكن في الملف: صورة التقطها أحد المارة قبل وصول الشرطة، تُظهر زاوية خلفية للسيارة، والصدام الأيمن مخلوع، والجزء السفلي من اللوحة ظاهر.

الأرقام ليست واضحة في الصورة. لكن اللون واضح: أبيض مائل للفضي. والخدش على الصدام في الجانب نفسه الذي لاحظه عمران على سيارة زياد قبل أسبوعين في المرآب — خدش أخبره زياد أنه اصطدم بعمود إنارة في موقف المجمع التجاري.

يُغلق الشاشة. لا يُغلق الحاسوب، فقط يسدل الشاشة. يبقى جالسًا. يضع كفيه على المكتب، واحدة بجانب الأخرى، ينظر إلى أصابعه كأنه يعدّها.


في الصباح، المكتب هو المكتب. الضوء يدخل من النافذة الجانبية ويقع على الأرضية الرخامية في مستطيل دقيق الحواف. الملفات مكدّسة بترتيب لم يتغير. محمود يدخل بدون طرق، كالعادة، يضع كوب القهوة على الحافة اليمنى للمكتب، ويضع بجانبه ملفًا جديدًا: محضر جلسة أمس، جاهز للتوقيع.

عمران يفتح الملف. يقرأ: “بناءً على ما تقدّم من أدلة ظرفية مترابطة...«يتوقف عند»مترابطة”. يعيد قراءتها. مترابطة. يقرأها مرة ثالثة. الكلمة تفقد ملمسها. تصير مجرد حروف: ميم، تاء، راء، ألف، باء، طاء، ألف. أشكال سوداء على أرضية بيضاء.

يوقّع.

يسحب القلم بعد التوقيع ببطء. يُراقب نقطة حبر صغيرة تبقى على سطح الورقة مكان رفع القلم، بقعة دائرية بحجم رأس دبوس، ثم تجف خلال ثوانٍ وتفقد لمعانها. كان يوقّع عشرات الوثائق يوميًا دون أن يُلاحظ ذلك. الآن يُلاحظ.


جلسة الخميس. القاعة مضاءة بنيون أبيض يجعل الوجوه شاحبة. عمران يجلس على المنصة، أعلى من الجميع بدرجتين من الخشب المصقول. يرى رؤوس المحامين، وخلفهم، في الصف الأخير، وجه طارق — المتهم.

طارق رجل في أوائل الخمسين، نحيل، شعره بدأ يخف عند الصدغين. يرتدي قميصًا أبيض لا يبدو جديدًا ولا قذرًا، بل يبدو كقميص غُسل مرات كثيرة جدًا حتى ترقّق نسيجه. يجلس منتصبًا، ليس انتصاب تحدٍّ بل انتصاب رجلٍ يعرف أنه مُراقَب ويريد أن يبدو مستقيمًا.

محامي الدفاع يقف. يتحدث. «الأدلة، سيدي القاضي، ظرفية لكنها متماسكة بنيويًا. إنها تُشكّل سلسلة لا تنقطع.»

عمران يسمع الجملة. «متماسكة بنيويًا.» لغة هندسية تصف مقتل إنسان. الكلمات تصل إلى أذنيه بتأخير طفيف، كأنها تعبر ماء قبل أن تصل. يُومئ. «استمر.»

المحامي يستمر. يُعدّد الأدلة. يُشير إلى أوراق. يقلّب صفحات. كل صفحة تُصدر حفيفًا صغيرًا يُضخّمه صمت القاعة. عمران ينظر إلى يد المحامي وهي تقلّب — حركة واثقة، متمرّنة، لا تُخطئ الصفحة. يد لم تقتل أحدًا. يد تتعامل مع القتل كمادة خام لمهنة.

ثم ينقل نظره إلى طارق.

طارق ينظر إليه. ليست نظرة استغاثة ولا تحدٍّ. نظرة رجل وصل إلى المكان الأخير في سلسلة من الممرات البيروقراطية، ويعرف أن خلف هذا الباب لا يوجد باب آخر.

كاتب المحكمة محمود ينقر قلمه على حافة الدفتر، ينقر ثم يكتب، ينقر ثم يكتب. إيقاع منتظم، آلي، لا يتأثر بمحتوى ما يكتبه. بالنسبة لمحمود، هذه القضية هي القضية رقم أربعمئة وخمس. ليست أكثر ولا أقل. رقمٌ يُختم ويُحفظ ويُنسى.

عمران يمسك حافة المنصة الخشبية بأصابع يده اليسرى. يضغط. يشعر بالحرف المحفور في الخشب تحت إبهامه — نقش قديم لا يراه، لكنه يلمسه. يرفع إصبعه. الخشب لا يزال صلبًا. المنصة لا تزال المنصة. لكنه لأول مرة يلاحظ أن السطح الذي يجلس خلفه كل يوم ليس إلا لوحًا من الخشب المضغوط، مغلّفًا بطبقة رقيقة من الورنيش البني.

«هل لديكم شيء تودّون إضافته؟» يقولها للمحامي بنبرة لم تتغير منذ ثلاثين عامًا. صوته واضح، محسوب، يصل إلى آخر القاعة بدون ميكروفون. الجملة نفسها التي قالها مئات المرات. لكن الآن، حين يسمعها تخرج من حنجرته، تبدو كأنها جملة يحفظها ممثل.

في الممر، بعد الجلسة. الممر طويل، أرضيته رخام رمادي، والأضواء مثبّتة في السقف على مسافات متساوية. عمران يمشي بخطوات ثابتة، حذاؤه يصدر صوتًا متكررًا على الرخام: نقرة، نقرة، نقرة. يمر به محامون وموظفون، يُلقون عليه تحية الرأس — انحناءة خفيفة، احترامية، تلقائية. يردّها بإيماءة مماثلة. لا أحد يتوقف ليتحدث إليه. ثلاثون عامًا صنعت حوله نصف قطرٍ من الهيبة لا يتجاوزه إلا من يُستدعى.

يدخل مكتبه. يغلق الباب. يجلس.

يسحب ملف القضية. يفتحه على صفحة تقرير الطب الشرعي. “آثار اصطدام أمامي بسرعة تقديرية تتراوح بين 70 و90 كم/س. الإصابات تتسق مع ارتطام مركبة خفيفة.“

يُغلق الملف. يفتحه مرة أخرى. يقرأ نفس السطر. مركبة خفيفة. سيارة زياد هوندا أكورد فضية. مركبة خفيفة.

يُغلق الملف.

يقف. يذهب إلى النافذة. يرى الموقف من الطابق الثالث: صفوف من السيارات، أشجار قليلة، عامل نظافة يكنس بخطوات بطيئة. العالم الخارجي يعمل. الشوارع تُنظّف. السيارات تصطف. لا شيء توقف.


يعود إلى مكتبه. يسحب القلم الذهبي من جيب قميصه. يفكّ غطاءه. يضغط سنّ القلم على راحة يده اليسرى — نقطة حبر زرقاء صغيرة تتشكل على الجلد. يفرك النقطة بإبهامه حتى تتوزع في خطوط البصمة.

المساء. عمران في البيت. الصالة مضاءة بنور خافت. أمينة في المطبخ، يسمع صوت الماء وأدوات الطبخ. زياد في غرفته، كالعادة، بابه مغلق.

عمران يصعد الدرج. يتوقف أمام باب زياد. لا يطرق. يسمع من الداخل صوت موسيقى خافتة — أغنية لا يعرفها، إيقاعها بطيء. يقف هناك لعشر ثوانٍ. خمس عشرة. يتنفس. يُنزل يده التي كانت مرفوعة نحو الباب. يمشي إلى مكتبه.

لكنه يعود.

يطرق طرقتين قصيرتين. يفتح الباب قبل أن يسمع الإذن. زياد جالس على حافة السرير، هاتفه في يده، يرفع رأسه. لا يقوم.

«ليلة الثلاثاء.» عمران يقولها وهو واقف في إطار الباب.

زياد ينظر إليه. «أيّ ثلاثاء.»

«الثلاثاء اللي قبل أسبوعين. رجعت متأخر.»

«قلت لك. كنت أقود.»

«الطرقات كانت مبلّلة.»

«نعم.»

صمت. الموسيقى لا تزال تعمل من الهاتف، لكنها الآن هي الصوت الوحيد في الغرفة، وهي أصغر بكثير من الصمت الذي يحيط بها. عمران ينظر إلى وجه ابنه. زياد يُخفض عينيه. لا ينظر إلى أبيه. ينظر إلى يديه على ركبتيه.

عمران يرى ذلك. يرى الرأس المائل. يرى الأكتاف التي انطوت أكثر. يرى أن ابنه لا يستطيع أن ينظر إليه.

«تصبح على خير.» يقولها ويغلق الباب.

يقف في الممر. السقف أعلى مما يتذكر. ضوء الدرج يصنع ظلًا طويلًا على الجدار المقابل. يشعر بيده ثقيلة على مقبض الباب الذي أغلقه للتو، كأن المقبض هو الشيء الوحيد الذي يُبقيه واقفًا.


الأحد. الجلسة الأخيرة.

عمران يدخل غرفة المداولة قبل الجلسة بنصف ساعة. الغرفة صغيرة، فيها طاولة بيضاوية وكرسيان وخزانة ملفات. فنجان قهوة أحضره محمود، بارد الآن، لم يشرب منه. وثيقة الحكم أمامه على الطاولة. مساحة بيضاء فارغة في الأسفل تنتظر توقيعه.

يمسك القلم. يخلع الغطاء. يُقرّب السن من الورقة. يتوقف.

يسمع صوت القاعة من خلف الباب: حفيف أقدام، حركة كراسي، السعال المكتوم الذي يسبق الجلسات. أصوات عادية. أصوات نظام يعمل.

ينظر إلى المساحة البيضاء. سنتيمترات من الفراغ. يمكنه أن يملأها بالحبر الآن — خطوط متصلة تشكّل اسمه الذي وقّعه آلاف المرات — ويخرج إلى القاعة ويقرأ الحكم بصوته المعتاد، ويعود إلى مكتبه، ويُغلق الملف، ويُطفئ المصباح، ويقود سيارته إلى البيت حيث أمينة قد وضعت صحنه أولًا.

يضع القلم على الطاولة. يُعيد الغطاء إليه. ينظر إلى الفنجان البارد. إلى النافذة المغلقة التي ينعكس فيها وجهه.

يأخذ القلم مرة أخرى.

القاعة ممتلئة. عمران يخرج من الباب الجانبي. محمود يُعلن: «المحكمة.» الجميع يقفون. عمران يصعد الدرجتين إلى المنصة. يجلس. الكرسي الجلدي يُصدر صريرًا خفيفًا تحت وزنه. يضع الملف أمامه. يفتحه.

ينظر إلى القاعة. المحامون في أماكنهم. كاتب المحكمة قلمه جاهز. طارق في مكانه بقميصه الأبيض المتعب.

عمران يفتح فمه.


السيارة في ممر البيت. المحرك مطفأ. المصابيح مطفأة. عمران جالس خلف المقود. يداه على فخذيه. من النافذة يرى نوافذ البيت مضاءة: المطبخ، غرفة الجلوس، نافذة غرفة زياد في الطابق العلوي.

لا يفتح باب السيارة.

في جيب قميصه، القلم الذهبي. في الملف المغلق على المقعد المجاور، وثيقة عليها توقيعه. الحبر جفّ منذ ساعات. الورقة دخلت في النظام، ستُنسخ وتُختم وتُؤرشف، وستصل إلى موظف آخر لا يعرف عمران ولا زياد ولا طارق، سيكتب الرقم ويضعها في خزانة حديدية مع مئات الأوراق الأخرى.

ضوء غرفة زياد ينطفئ.

عمران يبقى في السيارة. يستند إلى المسند. ينظر إلى السقف المبطّن بالقماش الرمادي. لا يوجد شيء يُنظر إليه هناك. لا يوجد شيء.

تمر دقيقة. دقيقتان. ضوء المطبخ ينطفئ أيضًا. يبقى ضوء غرفة الجلوس وحده، خافتًا، برتقاليًا، يسقط على الممر الإسمنتي أمام السيارة.

يرفع يده اليسرى. يفتحها. ينظر إلى راحته في الضوء الشحيح. لا يزال هناك أثر أزرق باهت حيث ضغط سن القلم قبل أيام. يُغلق يده. يفتح باب السيارة.

لا يدخل البيت فورًا. يقف في الممر بين السيارة والباب الأمامي. الهواء بارد. يسمع كلبًا ينبح في الحي المجاور. يسمع صوت سيارة تعبر في الشارع الرئيسي. يسمع تنفسه.

الباب الأمامي أمامه. خمس خطوات.

لا يتحرك.

نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.