منتصف الليل.
الحنفية تقطر.
نقطة.
ثم نقطة.
والصمت بينهما يطول في كلّ مرّة، كأنّ الماء يتردّد.
الضوء خافت فوق المرآة. الزجاج بارد قبل أن تلمسه؛ تعرف برودته من الطريقة التي يبتلع بها النور الشاحب.
تقف أمامه.
تنظر في عينيك.
لا في الوجه كلّه — في العينين وحدهما.
لا تطرف.
دقيقة.
ثم أطول.
وشيء يبدأ بالانحلال.
الأنف الذي حملته عمرك كلّه يصير كتلة غريبة وسط الوجه.
الفم يتراجع، يفقد معناه.
الحاجبان خطّان لا يدلّان على شيء.
تتفكّك الملامح التي ظننت أنّك تعرفها، وينفصل بعضها عن بعض، حتى لا يبقى وجه — يبقى قناع من لحم يقلّد إنسانًا.
من هذا؟
تطمئن نفسك: هذا أنا.
الانعكاس يفعل ما أفعل — أرفع يدي فترتفع يده، أُميل رأسي فيميل.
لا مجال للشكّ.
لكنّ ما تراه مقلوب.
الشامة تحت عينك اليسرى هي في الزجاج تحت اليمنى.
ميل ابتسامتك، الفرق الخفيّ بين حاجبيك، كلّه معكوس.
أنت لم ترَ وجهك قطّ؛ رأيت صورته في المرايا والشاشات وعيون العدسات، وكلّها وسائط تردّه منقلبًا أو مسطّحًا أو مؤجّلًا جزءًا من الثانية.
أمّا الوجه كما يقع عليه نظر الغريب في الشارع — الوجه لا صورته — فذاك لم تره عين منك يومًا.
أنت الكائن الوحيد المحجوب عن وجهه.
تقول إنّه مقلوب فحسب، وإنّه يبقى وجهك، تحرّكه كيف تشاء. أتحرّكه؟ حين تنفجر ضاحكًا في غرفة مزدحمة — لا أمام المرآة، بل حين تباغتك النكتة — أين أنت من شكل الضحكة؟ تحسّها من الداخل: انقباض، حرارة، شيء يتموّج تحت الجلد.
لكن كيف تنكسر عيناك؟
كيف يتغضّن الوجه؟
ماذا يقرأ الآخرون على ملامحك في تلك اللحظة بالذات؟
لا شيء من ذلك لك. وجهك يتكلّم لغة لا تسمعها، يفضح خوفك قبل أن تعرف أنّك خفت.
أنت لا تحرّك وجهك.
الوجه يتحرّك، وأنت تحته.
تتراجع: هو على الأقلّ واجهتك، هويتك، الشيء الذي تقول به للعالم «هذا أنا». وكيف تملك ما لا تبلغه إلّا بوسيط؟
الشجرة تراها مباشرة.
الحجر، الماء، يد غريب، وجه أمّك — كلّها تقع عليها عينك بلا حاجز.
كلّ شيء في العالم مكشوف لك، إلّا الوحيد الذي يحمل اسمك.
لترى وجهك تستجدي زجاجًا، أو عينًا أخرى، أو عدسة؛ تحتاج إلى العالم كي يردّ لك وجهك، وحين يردّه يردّه ناقصًا.
ما تملكه لا تراه، وما تراه ليس لك.
ولا يبقى لك إلّا أن تشعر به من الداخل، وتُقسم أنّ هذا الإحساس أصدق من كلّ زجاج.
الإحساس شيء، والشكل شيء آخر.
تسكن هذا الجسد كما يسكن السجين زنزانته: تعرف جدرانها من الداخل — خشونة هنا، بردٌ في الزاوية، رطوبة تنزّ من موضع لا تراه — لكنّ واجهتها، لونها وقد بهت، وما حُفر عليها، وكيف تبدو لمن يمرّ، لا تعرفها.
تطلّ من الشقوق، ولا تدري كيف يبدو الجدار من خارجه.
وحتى ما تحسّه من الداخل ليس الوجه؛ هو لمسٌ أعمى لباطن الجدار، تصدّقه لأنّه الوحيد الذي بقي لك.
والملمس لا يدلّ على الشكل؛ لا تملك حتى نسخةً داخلية صحيحة.
الجسد زنزانة، والوجه جدارها الذي يطلّ على الناس.
أنا في الداخل، والوجه في الخارج، وبيننا زجاج بارد لا يعبره أحد.
ثم ينقلب السؤال كلّه.
لم يعد: هل أعرف وجهي؟
صار: لمن هذا الوجه أصلًا؟
فكّر في الذين يحملون وجهك في رؤوسهم.
أمّك تعرف شكل جبينك حين تغضب قبل أن تنطق.
من أحبّوك يحفظون عينيك حين تكذب، وحين تتعب، وحين توشك على البكاء.
صديق قديم يرسم وجهك من الذاكرة، وأنت تعجز.
وجهك يعيش هناك، في رؤوس الآخرين، محفوظًا كاملًا غير مقلوب — لهم، لا لك.
نعيش خلف وجوهنا كأسرى.
الوجه الذي نسمّيه «نحن» مِلك لمن يرونه؛ يتداولونه، يحفظونه، يحكمون به علينا، ونحن في الكواليس لا نملك إلّا إحساسًا أعمى لا شكل له.
نطلّ من خلف الزجاج على عرضٍ لا نراه إلّا مقلوبًا.
نخجل منه أحيانًا.
نصفّق له أحيانًا.
ولا نعرفه.
منتصف الليل ما زال.
الحنفية تقطر.
الضوء خافت كما كان.
تعود إلى المرآة، لكنّك لا تعود إلى نفسك. الوجه الذي بدأت التحديق فيه لم يعد وجهك؛ صار الجدار الخارجيّ لزنزانة تسكنها ولا تراها.
تتفحّصه كما يتفحّص غريبٌ نافذةً معتمة. القناع من اللحم في مكانه، يقلّد كلّ ما تفعل: يرفع يده حين ترفع، يدنو حين تدنو.
تقترب أكثر، حتى يكاد أنفك يلمس الزجاج.
يضبّبه نَفَسُك، ثمّ ينقشع.
ووراء الزجاج، يقترب هو الآخر، ويحبس أنفاسه حين تحبس.
إن كان هذا الوجه ليس لك، ولم تقع عليه عينك يومًا كما هو، فمن هذا الذي ينظر إليك من خلف الزجاج الآن، ويقلّد كلّ ما تفعل — ولماذا، حين تنطفئ الإضاءة أخيرًا، لا تعرف أيُّكما بقي في الغرفة؟
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
