نصوص

المفاتيح في جيبك

أربعةٌ على رُكبهم يفتّشون في الضوء عمّا يعرفون مكانه — والعتمة على بُعد مترين.

غرفة معتمة بأرضية بلاط، عمود ضوء وحيد يتوسّطها، وباب باهت الملامح في الخلفية.

كلُّنا نعرف أين المفاتيح؛ ونُطيل البحثَ في الضوء كي لا نقف.


البلاط بارد.

هكذا نسمّيه: باردًا. الاسمُ الآخر — الذي يصف وضعنا لا حرارةَ السيراميك — لا أحد ينطقه. أنا أيضًا لا أنطقه.

ركبتي عليه مثل ركبتك، والرطوبة تصعد في عظمة الصابونة ببطءٍ نعرفه جميعًا، ونسمّيه شيئًا آخر.

منصور يمدّ يده تحت دائرة الضوء. أصابعه تقرأ البلاط كأنه برايل، تبحث عن مفاتيحه. ليست هنا، وهو يعرف.

سالم يعرف وهو يمسح الأرض بطرف ردائه. وأنا أعرف، وما زلت أتحسّس الفراغ.

ثم دخلتَ أنت، ووقفتَ لحظةً كأنك خارج الأمر، ثم انحنيتَ. مددتَ يدك إلى البلاط معنا.

العتمة على بعد مترين. هناك، ربما، المفاتيح. لكن أحدًا منا لا يخطو نحوها.

العتمة تطلب أن نقف، أن نترك هذه الدائرة التي نسمّيها أمانًا ونعرف أنها ليست كذلك. نحن نفضّل أن نبحث عن لا شيء في الضوء، على أن نجد كل شيء حيث لا نُرى.

لا نرفع وجوهنا طويلًا. الإضاءة هنا لا تجامل: تُظهر المحجرَ الغائر، الفكَّ المشدود، الهيئةَ التي يأخذها المرء حين ينتظر شيئًا تأخّر حتى نسي اسمه.

أنا لا أطيل النظر إليك، وأنت لا تطيل النظر إليّ. كلانا يعود إلى البلاط.

يدك اتسخت.

السوادُ تحت أظافرك ليس غبارًا. هكذا أحبّ أن أقول لنفسي عن السواد تحت أظافري: ليس غبارًا.

إنه كل «نعم» قلناها ونحن نعني «لا»، كل ابتسامة منحناها لمن لا يستحقّها، كل «لا بأس» قيلت والبأس قائم.

قبل قليل، حين كنا نتحدث عمّن غادر، قلتَ عنّي إنني صريح. أعجبك الصدق حين كان سكينًا في ظهر غيرك. أما حين يلمس جلدك — تسمّيه وقاحة.

سالم لا يبحث عن المفاتيح. يده لا تتحسّس، بل تمسح. تمحو أثر الركب عن البلاط. تمحو الدليل.

أراه ولا أقول، وتراه ولا تقول. بصمتنا نوقّع.

في الزاوية مرآة. لا أحد منا يرفع إليها عينه؛ ليست مغبّرة إلى هذا الحد.

نتجنّبها لأنها لا تكذب، والبلاط يكذب بلطف: يقبلنا كما نحن دون أن يسأل. أنا أُسمّي ما فيها بدل أن أنظر، ولا تُطهّرني التسمية ولا تُخرجني من الصفّ.

المعرفةُ هنا لا ترفع ركبةً عن البلاط؛ وقد لا تفعل أكثر من أن تمنح الخضوع اسمًا أفصح.

«لا أحد كامل.» قلتَها بصوت خافت، كأنك تطمئن نفسك. قلتُها أنا أيضًا، أكثر من مرة.

جملةٌ تُقفل الحساب قبل أن يُفتح، وتغفر قذارة الركب قبل أن يسأل سائل. لكنها لا تُجيب عن السؤال: لماذا نحن هنا، على رُكبنا، نفتّش عن مفاتيح نعرف مكانها، بدل أن نخطو خطوتين نحو ما لا نراه؟

ضع يدك في جيبك.
ببطء.
لا تنظر إليّ.
أحسستَ بها؟

معدنٌ بارد، وحوافٌّ تضغط فخذك منذ دخلت. كانت معك طوال الوقت. عرفتَ — ونحن ننحني — أنها هنا، في جيبك، لا في البلاط.

ولم تُخرجها.

لأنك لو أخرجتها لانتهت اللعبة. لاضطُررنا أن نقف، أن ننظر في عيون بعضنا، أن نحتمل الصمت الذي يلي انكشاف الكذبة.

فضّلتَ البلاط على ذلك الصمت. أنا أيضًا فضّلته؛ مفاتيحي في جيبي، وأصابعي ما زالت على السيراميك.

الباب الذي دخلتَ منه لم يعد بابًا. صار خطًّا في الجدار، ذكرى باب.

لم يُغلقه أحد علينا؛ أغلقناه نحن لحظة ركعنا، حين صار النهوض أثقل من البقاء.

الخروج لا يحتاج مفتاحًا. يحتاج أن نقف، أن نقول: المفاتيح معنا.
لن نقولها الليلة.
هذه ليست غرفة. هذا ما نحن عليه حين لا يرانا أحد.
امسح يدك في ردائك — لن تنظُف.
وفوقنا الضوء: لا يُنير، بل يشهد.

نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.