في الاجتماع، يقول أحدهم: «خلّونا ناخذ أكشن على هالبوينت قبل نهاية الويك.» تهزّ رأسك مع الباقين.
الجملة مفهومة، مريحة، تمرّ كما يمرّ الهواء إلى الرئة دون أن تَعُدّ أنفاسك. لا أحد يتوقّف عندها؛ ولِمَ يتوقّف؟
ثم في الطريق إلى البيت تكتب رسالةً قصيرة:
«نعمل فولو أب بكرة، وخلّينا نكون على نفس الصفحة.»
ترسلها، تدسّ الهاتف في جيبك، وتنسى. لكن قبل أن تنساها كلّها، جرّب شيئًا صغيرًا.
أعد قراءة آخر جملةٍ نطقتَها اليوم — أيّ جملة. ولا تسأل: هل هي صحيحة. اسأل سؤالًا أغرب: بأيّ لغةٍ فكّرتَ بها، قبل أن تخرج بالعربية؟
هنا يبدأ شيءٌ في الانزياح.
نحن لا نسمع لغتنا ما دامت تعمل. هي كالزجاج النظيف في النافذة: نَنفُذ ببصرنا عبره إلى الخارج، لا إليه.
لا تصير اللغة مرئيةً إلا حين تتعثّر —
حين تتلعثم،
حين تطلب كلمةً فلا تجيء،
حين يكرّر طفلٌ كلمةً واحدة عشرين مرّة حتى تتفرّغ من معناها وتصير في فمه صوتًا أجوف، غريبًا عن نفسه.
أو حين تسمع تسجيلًا لصوتك، فإذا هو صوتُ شخصٍ آخر يقول كلامك بنبرةٍ لم تعرف أنها نبرتك، فترتجّ قليلًا:
أهذا أنا؟
في تلك الشَّقّة الضيّقة وحدها تنفصل عن الأداة وتراها للمرة الأولى.
وثمّة تجربةٌ أصغر تكشف الأمر من زاويةٍ أخرى. خذ جملةً تقولها كلّ يوم، واقلب ترتيبها قليلًا لتعيدها إلى رصفها العربيّ القديم — فتفاجأ أنّ الأولى، التي حسبتها الطبيعية، هي الغريبة. الغرابةُ ليست في الكلمات؛ الكلماتُ سليمةٌ كلُّها. الغرابةُ في الترتيب، في النَّبْر، في الموضع الذي تجلس فيه الكلمةُ من الجملة.
كأنّ أحدًا نقل الأثاث في غرفتك سنتيمتراتٍ قليلة في الليل:
كلُّ شيءٍ في مكانه،
ومع ذلك تتعثّر في العتمة كلّ مرّة،
ولا تعرف لماذا.
وما سنتعقّبه هنا يسكن بالضبط هذه المنطقة العمياء: ما صار خلفيةً لكلّ ما نقول. والخلفيةُ لا تُرى، لأنها هي التي نرى بها.
ابدأ من الطبقة السهلة، الظاهرة، التي يعرفها كلّ أحد. الكلمات الدخيلة: «أونلاين»، «ميتنغ»، «كانسل»، «ديتيلز»، «أبديت». تتناثر في كلامنا كحصى ملوّن في الرمل، تلمحها العين من بعيد. وحين يشكو أحدٌ من «فساد اللغة»، فهذه الحصى ما يشير إليه عادةً.
لكن انتبه إلى مفارقةٍ صغيرة: هذا الجزء المرئيّ هو الأقلّ أهمية. الكلمةُ الدخيلة تعلن عن نفسها، وما يعلن عن نفسه يسهل ردُّه.
عرّبها إن شئت — قل «اجتماع» بدل «ميتنغ»، و«ألغِ» بدل «كانسل»، و«حدّث» بدل «أبديت» — ثم اسأل نفسك بإنصاف: هل صارت الجملةُ عربية؟
أحيانًا لا.
وهذا «لا» الصغير هو الباب الذي سندخل منه.
قبل أن نمضي، اسمٌ سريعٌ للظاهرة، لأنها أقدمُ من أن نكون أوّل من حسّ بها. لاحظ الرافعيُّ، منذ ما يقارب القرن، شيئًا سمّاه «أسلوب الترجمة في الجملة الإنكليزية» يتسرّب إلى العربية:
لا كلماتٍ غريبة،
بل طريقةً غريبة في رصف الكلمات العربية نفسها.
ثم استقرّ لها اسمٌ أدقّ، مأخوذٌ من حسٍّ قديم في اللسان:
العَرَنْجية — عربيٌّ في ظاهره، أفرنجيٌّ في باطنه.
والمصطلح، حين نستعمله هنا، وصفٌ لا حُكم؛ لا يقول «خطأ» ولا «انحطاط»، بل يصف حركةً تجري. المهمّ في القصة كلّها أنّ الأذن العربية أحسّت بالخَطْب قبل أن تملك له اسمًا — كما يتوجّع الجسد من الكسر قبل أن يرى الصورة.
والآن إلى ما هو أبعد من الحصى الملوّن. خذ هذه الجمل:
«أخذتُ دُشًا.»
«في نهاية اليوم، ما يهمّ هو النتيجة.»
«أنا بخيرٌ مع هذا القرار.»
«دعني أكون صادقًا معك.»
أربعُ جملٍ عربيةٌ تمامًا. لا كلمةَ أجنبيةً في واحدةٍ منها؛ لو فتّشتها حرفًا حرفًا لما أمسكتَ بدخيلٍ واحد. ومع ذلك، إن أصغيتَ، تسمع تحتها لسانًا آخر يتنفّس.
«أخذتُ دُشًا» — كأنّ الاستحمام شيءٌ يُؤخَذ كما تُؤخَذ حبّة (took a shower).
«في نهاية اليوم» — ساعةٌ لا تدلّ على وقتٍ بل على خلاصةٍ نهائية (at the end of the day).
«بخيرٌ مع القرار» — كأنّ بينك وبين موقفك مسافةً تتصالح عبرها (I’m fine with that).
و«دعني أكون صادقًا» — كأنّ الصدق استثناءٌ تستأذن فيه قبل أن ترتكبه، لا الأصل الذي تتكلّم منه (let me be honest).
هذه ليست كلماتٍ مستعارة؛ هذه قوالبُ مستعارة، صُبّت فيها كلماتُنا نحن.
الكلمةُ عربية.
القالبُ ليس كذلك.
وفي هذا الوصل بالذات —
حيث تجلس كلمةٌ عربيةٌ في قالبٍ ليس لها —
دَرزٌ رفيع:
خيطٌ يلحم ما لا يلتقي، لا تراه ما دمتَ تتبع المعنى، ولا تسمعه إلا إن أصغيتَ إلى موضع اللحام نفسه.
ولاحظ ما لا جمارك عليه: حين تعبر كلمةٌ أجنبيةٌ الحدود، نراها، نختم جوازها، نقرّر أن نقبلها أو نردّها. أمّا القالب فيدخل صامتًا، بلا جواز، متخفّيًا في كلماتٍ كلُّها من أهل الدار. ما يُرى يُردّ؛ وما يصير خلفيةً يبقى.
والآن لا تنظر إلى أمثلتي؛ انظر إلى أمثلتك أنت. حين تنهي مكالمةً، بماذا تودّع؟
«اعتنِ بنفسك.»
«أتمنى لك يومًا سعيدًا.»
متى آخر مرّةٍ قلت فيها «في أمان الله» أو «دمتَ بخير»؟ لم تَمُت هذه الصيغ القديمة؛ أُزيحت بهدوء. حلّ محلّها وداعٌ مترجَمٌ (take care / have a nice day) لا تشعر للحظةٍ أنه مترجَم.
وحين تختلف مع أحدٍ ثم تنصفه، تقول:
«في كلامك نقطة» — لا «في كلامك وجاهة». والنقطةُ هنا ليست نقطتنا؛ إنها that point، هاجرت إلينا بثيابها.
ثم انظر إلى لغة العمل التي تقضي فيها نهارك.
«لازم ناخذ أونرشِب للمشروع» — حتى لو قلتها بالعربية «نتملّك المشروع»، يبقى منطقُ المِلْكية مزروعًا في قلب الالتزام.
«نكون على نفس الصفحة» — كتابٌ مفتوحٌ بيننا، لا فهمٌ يتّحد.
وحين يكتب لك جهازٌ أو شركة:
«نعتذر عن أيّ إزعاجٍ قد يسبّبه ذلك» — تلك صيغةُ اعتذارٍ مؤسّسيّ مترجمةٌ حرفًا بحرف، دفءُ شركةٍ لا دفءُ إنسان، صار يخاطبك كلّ يومٍ بلسانٍ مستعار وأنت تحسبه عربيةً عاديّة.
وحتى حين تتكلّم عن داخلك أنت، يتسلّل القالب:
«محتاج أفرّغ مشاعري» — كأنّ الحزن سائلٌ يُسكَب من إناءٍ امتلأ، لا حالةً تُعاش حتى تمضي. صورةٌ هاجرت إليك من لسانٍ آخر، حتى صارت هي الطريقةَ التي تحسّ بها حزنك، لا مجرّد طريقةٍ تصفه بها بعد أن تحسّه.
توقّف عند شعورٍ صغير يطلع الآن: أنّك لم تكن تستطيع قول بعض هذا بطريقةٍ أخرى. أنّ القالب لم يكن خيارًا بين خيارات؛ كان الطريقَ الوحيد الذي وجدتَه ممهَّدًا أمامك.
وهنا يضيق الصدر قليلًا، لأنّ السؤال انقلب:
لم تَعُد هذه ظاهرةً تخصّ «الناس» —
مذيعي الإعلانات وموظّفي الردّ الآليّ —
صارت تخصّك أنت.
أنت طرفٌ فيها لا مراقب.
وهنا، في جملةٍ واحدةٍ هادئة، ينحني النصّ على نفسه. لأنّ ثمّة جملةً أنظفَ من كلّ ما سبق، أبعدَ عن أيّ شبهة، تكشف الأمر كلّه. جملةٌ لا أثرَ فيها لأيّ لسانٍ غريب، يقولها أعمقُ الناس عروبةً وأشدُّهم اعتزازًا بلغتهم:
«أنا أعمل على نفسي.»
أصغِ إليها جيدًا. لا «أونلاين»، لا «ميتنغ»، لا قالبٌ تشمّ فيه رائحة الترجمة من بعيد. عربيةٌ صميمة، تمرّ في أيّ مجلسٍ دون أن يرفع أحدٌ حاجبه.
ومع ذلك، فيها تصوّرٌ للذات لم يَنبُت حيث نبتت كلماتُها:
الذاتُ مشروعٌ يُطوَّر،
ورشةٌ لا تُغلَق،
نسخةٌ ناقصةٌ تنتظر ترقيتها القادمة. «أعمل على نفسي» — كما يُعمَل على بيتٍ، على ملفّ، على منتَجٍ في خطّ إنتاج.
ومثلها «إدارة الوقت»:
الوقتُ مَوردٌ يُدار،
رصيدٌ يُنفَق ويُوفَّر ويُهدَر،
لا نهرٌ نسبح فيه ولا عُمرٌ يمضي بنا ونحن لا نمضي به.
في هذه الجملة بالذات تكتشف أنك قد فكّرتَ فكرةً ليست في تربتها، وأنت تحسبها عربيةً صميمة. ما هاجر إليك لم يكن كلمةً، ولا حتى قالبًا؛ كان طريقةً في الوقوف داخل العالم.
تأمّل ما الذي يعبر معك خفيةً حين تتبنّى القالب. ليست قائمةَ مفردات؛ علاقاتٌ بالعالم بأكمله.
الوقتُ كموردٍ يُدار.
الذاتُ كمشروعٍ يُطوَّر.
العلاقةُ كصفقةٍ يربح فيها الطرفان (تقول win-win بالعربية فتظنّها بريئة، وقد نقلت معها أنّ العشرة حسابُ ربحٍ وخسارة).
المشاعرُ كأشياءَ تُعالَج وتُفرَّغ، كأنّ في الصدر خزّانًا وصِمامًا يُفتَح.
تستورد الكلمةُ الواحدة، أو القالب الواحد، موقفًا كاملًا:
من الزمن،
ومن نفسك،
ومن المسافة بينك وبين من تحبّ.
اللغةُ ليست أداةً محايدةً تمسكها فتقول بها ما تشاء. هي عدسةٌ تُرى الأشياء من خلالها قبل أن تُقال؛ تختار لك — قبل أن تنتبه — ما يبرز وما يَخفت، ما يُحَسّ شيئًا له ثقلٌ وما يمرّ كأنه لا شيء. لم تكن ثمّة جملةٌ سابقةٌ في لسانٍ آخر تُنقَل؛ الشكلُ الذي رأيتَ به والكلمةُ التي قلتَها وُلدا في النفَس الواحد.
قل لطفلك «أحسنتَ، أنا فخورٌ بك» مرّةً، ثم قل له «good job» مرّة، وانظر أيّ علاقةٍ بينكما يفتحها كلٌّ منهما. ليستا جملتين تحملان المعنى نفسه بلغتين؛ هما عالمان صغيران، في كلٍّ منهما تقف أنت وطفلك على مسافةٍ مختلفة. حين تتغيّر القوالب، لا تتغيّر طريقةُ كلامك فحسب؛ يتغيّر — بهدوءٍ تامّ، بلا قرارٍ منك — ما تراه بديهيًا.
وكي لا نظلم: ليست كلُّ كلمةٍ عابرةٍ عرنجية. كلُّ اللغات تقترض، والعربية اقترضت عبر تاريخها بلا حرج ولا خجل. الاقتراضُ الصريح سُنّةٌ صحّية؛ تأخذ كلمةً تنقصك، وتعرف أنك أخذتها، فتبقى مالكًا لمن يأخذ ممّن.
العرنجيةُ شيءٌ آخر تمامًا:
ليست أن تأخذ،
بل أن يُؤخَذ منك دون أن تدري —
أن تظنّ أنك تحرس اللغة ما دمتَ تستعمل كلماتِها، فلا تنتبه إلى أنّ القالب الذي يحملها قد تبدّل تحت يدك، وأنّ الحارس صار يحرس بيتًا غيّروا أثاثه وهو نائم.
أعترفُ بشيءٍ قبل أن أغلق: نصفُ هذا المقال مكتوبٌ بقوالب لا أملكها. لقد طاردتُ المفارقةَ بأدواتها نفسها، ولن أصحّح ذلك، لأنّ الإصلاح ليس وعدي إليك.
أنا لا أدعوك إلى تطهيرٍ لغويّ، ولا إلى حنينٍ إلى عربيةٍ ذهبيةٍ لم تكن قطّ، ولا إلى عداوةٍ للسانٍ آخر. لا شيء هنا يُطلب منك أن تُصلحه.
وعدي أصغرُ من ذلك بكثير، وأثقلُ: لا أحدَ يسمع لغتَه ما دامت تعمل. وأنا لا أريد أن أوقف لغتك عن العمل؛ أريد فقط أن تسمعها وهي تعمل.
شيءٌ واحدٌ تغيّر، إن كان قد تغيّر:
أُذُنك.
عُد الآن إلى الجملة نفسها. لم تتبدّل كلمةٌ واحدة. لكنّك تسمع تحتها الدَّرز الذي لم تكن تسمعه من قبل.
لا لتصحّحه،
ولا لتحكم عليه،
ولا لتفتّش عمّا قيل قبله. ثمّة فقط هذا الشكلُ بعينه، يطلع الآن كما يطلع النفَس.
وما إن تُصغي حتى لا يبقى لك موضعٌ تقف فيه خارج الجملة لتسأل عنها. وفي الصدر شيءٌ يرتخي — كأنّ سؤالًا طويلًا سقط، ولم يحلّ محلّه سؤال.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
