شذرات

مسرحُ الكرم

لوحة لمائدة وليمة فاخرة على خشبة مسرح أمام جمهور يقف عندها رجل بسترة سوداء يبسط ذراعيه، وتحت المائدة في العتمة امرأة تحتضن طفلين بين أوراق مبعثرة.
  1. #

    «كُلْ، فما زلتَ لم تبدأ بعد» — تُقال هذه الجملة بإلحاحٍ لطيف كلما حاولتَ وضع الملعقة جانبًا، ويُعاد ملء صحنك دون استئذان. تستسلم بامتنان، لأنك تحسبها كرمًا — والمُطعَم الحقيقي هنا ليس معدتك، بل صورة المضيف عن نفسه، وأنت الطبق الذي يُثبَت عليه سخاؤه، ممتلئًا كنتَ أو منفجرًا.

  2. #

    تمدّ له الصحن فيقول: لا، لا داعي، أنا مكتفٍ. تُلحّ فيرفض ثانيةً بلطفٍ أشدّ، تُلحّ ثالثةً، فيستسلم أخيرًا ويأكل، وكأنّ جوعه لم يكن حقيقيًا إلا بعد أن ثبتت كفايتك من الإصرار. الرفض هنا ليس قرارًا، إنه اختبارٌ لصبر المضيف ومقياسٌ لكرمه أمام من يشاهد. لو أخذ من العرضة الأولى، لقيل عنه: ما عنده حياء.

  3. #

    يُبالَغ في المهر، وتُقام وليمةٌ تُستدان لأجلها الأموال، ويُقال: هذا حقّ العروس، وهذا يليق باسم العائلتين. تُصفَّق الأيدي ليلة العرس، وتُمتدَح الكرم في كل حديث. غير أنّ الدَّين الذي يُسدَّد بعد سنواتٍ من الفرح لا يحضره أحدٌ ممن صفّقوا، ولا الخلافات التي تولد من ضغطه على بيتٍ ناشئ؛ فالكرم هنا لم يكن هديةً للعروسين، بل مسرحيةً أدّاها الجميع أمام جمهورٍ سيرحل بعد الحفل، تاركًا الفاتورة لصاحبيها وحدهما.

  4. #

    يُوصف بأنه «طيّب» في كل مجلس: لا يرفض طلبًا، ولا يغضب من تأخير دَينٍ، ولا يعترض حين يُنسى نصيبه. يبتسم حين يُقال عنه هذا، لأنه ظنّ الطيبة فضيلة. والحقيقة أنّ «الطيّب» في هذه العائلات ليس وصفًا لأخلاقه، بل ترخيصٌ يُمنَح للجميع كي يأخذوا منه دون أن يشعروا بالذنب؛ فكلمة الطيبة هنا هي الإيصال الذي يوقّعه الجميع مسبقًا على حقّه.

  5. #

    يمدّ لك يدًا: خذ نصيحتي، فأنا أكبر منك تجربة. تأخذ اليد شاكرًا، لأنك تحسبها عونًا على الوقوف. حين تسير بها مرةً في اتجاهٍ غير الذي أراد، تنقلب اليد فجأةً إلى قبضة. لم تكن النصيحة طريقًا يُقترح عليك، بل حبلًا يُقاس طوله بمقدار طاعتك.

  6. #

    حول قرار زواجك، يجتمع الجميع فجأةً كخبراء: هذا بيتٌ طيب، وذاك لا يليق، وهذا الاسم يُرفَع به الرأس. تشعر بحفاوة الاهتمام، وكأنّ سعادتك مشروعٌ جماعي تتبنّاه القبيلة كلها. غير أنّ الذي سيعيش داخل هذا الزواج، حين تنطفئ الأضواء وينصرف المهنّئون، هو أنت وحدك؛ أما هم فقد وقّعوا عقدًا بأسماء عائلاتهم، وتركوا لك أن تسكن بنودَه بمفردك.

  7. #

    «لا يُذكر إلا بخير» — هذا ما يُقال بسرعة حين يموت أحدهم، فتُصقَل الذكرى فورًا، وتُحذَف منها كل خشونةٍ عاشها من عرفوه عن قرب. يبدو هذا وفاءً للراحل. لكنّ الذي يُحمى فعلًا ليس اسم الميت، بل ترتيبٌ عائليٌّ هشّ كان قائمًا على الصمت وهو حيّ، ولا يريد أحدٌ أن ينهار الآن، بعد فوات أوان المواجهة.

  8. #

    حين تشتكي، يُقال لك فورًا: اصبري، فالصبر مفتاح الفرج. تبتلعين الشكوى ممتنة للحكمة التي مُنحتِها. لكنّ أحدًا لا يسأل: مفتاحٌ لأي باب؟ وكم من العمر يُدفَع ثمنًا لانتظاره؟ الصبر الذي يُوصى به هنا ليس فضيلةً روحية، بل تأجيلٌ مريح لمن لا يريد أن يسمع، وتوصيةٌ تُغلق فمك بدل أن تفتح لك بابًا.

  9. #

    يُسأل: كيف حالك؟ فيُجاب فورًا: بخير، الحمد لله، من دون تفكير. الابتسامة تُرفَع كلافتةٍ قبل أن يُفتَح الباب حتى. لكنّ هذا الجواب السريع ليس عن حالك أصلًا، إنه خدمةٌ تُقدَّم للسائل كي لا يضطرّ إلى حمل جوابٍ حقيقي، ولا أنت مضطرٌّ إلى رؤية وجهه وهو يتراجع أمام ألمك.