- #
«ماذا سيقول الناس؟» سؤالٌ يُعاد طرحه قبل كل خطوة، فيُفصَّل القرار على مقاسه. والعجيب أنّ «الناس» هؤلاء، لو تُبِعوا واحدًا واحدًا، لظهر أنّ كل واحدٍ منهم يخشى بدوره «ناسًا» آخرين لا وجود لهم إلا في خوف الجميع من الجميع؛ مرايا تتقابل في قاعةٍ فارغة، وكل ما فيها انعكاسٌ لخوفٍ لا صاحب له.
- #
يمدحونك بسخاءٍ في كل جلسة: ذكاؤك، أدبك، حظّك في أولادك. تحسب نفسك محلّ اهتمامهم، فتتّسع ابتسامتك قليلًا. لكنّ المديح هنا لا يراك؛ إنها تعويذةٌ يُلقونها في الهواء ليبعدوا عن أنفسهم حسدًا لم يقله أحد. أنت فقط الموضع الذي تُقال فيه التعويذة.
- #
في كل تجمّعٍ تقريبًا، يسألك أحدهم بابتسامةٍ دافئة: إلى أين وصلت؟ ولمَ لم يحن دورك بعد؟ تشعر للحظةٍ أنّ أحدًا يُعنى بمصيرك. والسؤال، في الحقيقة، لا ينتظر جوابًا؛ إنه استدعاءٌ مؤجَّلٌ لمحكمةٍ صغيرة، تُعقَد من جديد في كل مجلس، وأنت فيها المتّهم الدائم، وإن لم يُنطَق بالحكم بعد.
- #
في أول لقاءٍ أحيانًا، يُسأل: كم راتبك؟ وكم إيجار بيتك؟ وكم دفعت لهذه الساعة؟ يُطرَح السؤال بلا تردد، وكأنّ المال حديثٌ عاديٌّ كالطقس. يتلعثم المسؤول قليلًا، يذكر رقمًا أقل من الحقيقي أو أكبر، حسب من يسأل. فالمبلغ نفسه ليس مهمًا هنا؛ المهم أن يُعرَف مكانك في ترتيبٍ صامت يُعاد رسمه بعد كل جواب، سواء صدقت أم كذبت.
- #
تُقدَّم القهوة بترتيبٍ لا يُكتَب في مكان، لكنّ الجميع يحفظونه: الأكبر أولًا، ثم صاحب المنصب، ثم الضيف الغريب، وأخيرًا من تبقّى. لا أحد يعترض على مكانه في الصفّ، لأنّ الاعتراض يعني أنك تطالب بمكانةٍ أعلى مما تستحق. الفنجان نفسه لا يتغيّر طعمه بين يدٍ وأخرى، لكنّ ترتيب توزيعه خريطةٌ صامتة لمن يُحسَب في هذا المجلس، ومن يُحتسَب فقط عند اكتمال العدد.
- #
قبل أن تفعل شيئًا، يُذكَّر: انتبه، اسمك مو اسمك وحدك. تحمل معك في كل خطوة أسماء جدٍّ لم تره، وأعمامٍ لم تختر قرابتهم. تنجح فيُقال: شرّف العائلة. تخطئ فيُقال: جلب لها العار. ولا أحد يسألك يومًا ماذا تريد أنت، بمعزلٍ عن هذا الاسم الذي وُلدت محمولًا فيه؛ فالفرد هنا بندٌ في ميزانية شرفٍ جماعي، ربحه للجميع وخسارته له وحده.
- #
تُقاس جرأة الثوب أو قِصر الكُمّ بمساطر لا يحملها أحد، لكنها حاضرة في كل عينٍ تمرّ. يُقال: هذا لا يليق، هذا يُتكلَّم عليه. والثوب نفسه، فوق جسدٍ آخر في مدينةٍ أخرى، لا يلتفت إليه أحد. فما يُقاس هنا ليس طول الكُمّ، بل من يملك حق التعليق على جسدٍ ليس جسده، ومتى يُسمَح له بذلك.
- #
«لا مؤاخذة» — كلمتان تُقالان بسرعة قبل أن يُطلَق التعليق، عن وزنك أو زواجك المتأخر أو لون بشرتك. تُصاغ الجملة الجارحة كاملةً بعدها، وكأنّ الاعتذار المسبق يُفرغها من أذاها كما تُفرَغ الإبرة قبل الحقن. لكنّ الألم لا يُخدَّر بكلمتين قيلتا قبله؛ يصل كاملًا، والفارق الوحيد أنّ قائله خرج من الموقف بريئًا، تاركًا لك وحدك أن تحمل ما قيل.
- #
نكتةٌ تُطلَق وسط المجلس فتلمس بدقّةٍ موضعًا تتوجّع منه، فيضحك الجميع، وتُضطرّ إلى الضحك معهم لأنّ الاعتراض يعني أنك لا تحتمل مزحة. يُقال إنّ هذا كلّه من باب المحبة: نحن نمزح معك لأننا نحبك. والحقيقة أنّ المزاح هنا اختبارٌ متكرر: كم من الألم يمكن أن تبتلع بابتسامة قبل أن يُطرَد اسمك من قائمة «الظريفين» إلى قائمة «الحسّاسين»؟
- #
تُنشأ المجموعة باسم «أهلنا»، وتُملأ صباح كل يوم بالورد وآيات وأدعية. لا أحد يجرؤ على مغادرتها، فالمغادرة إعلان قطيعة. تُراقَب علامة «شوهدت» بدقةٍ لا تُراقَب بها الأخبار العاجلة: من قرأ ولم يردّ، ومن اختفى منذ أسبوعين. الحضور هنا لا يعني الحبّ، بل يعني الخضوع لعينٍ جماعية لا تنام، وكل رسالة صباحية نداءٌ صامت: أثبت أنك ما زلت من الصفّ.
- #
كلما اشتكى أحدهم من الحاضر، سارع كبيرٌ في المجلس: زمان كان أحسن، كنا نعيش بلا كل هذا التعقيد. تُصفَّق الرؤوس موافقةً، وتُقفَل الشكوى قبل أن تكتمل. و«زمان» هذا، لو فُتِّش فيه، لظهرت فيه الشكوى نفسها، تُقابَل بجملةٍ عن زمنٍ أقدم منه؛ سلّمٌ من الأبواب المغلقة يمتد إلى ما لا نهاية، وكل جيلٍ يظنّ أنه واقفٌ على أول درجة.
- #
يرفع صوته بالذكر كلما شعر بعيونٍ تراقبه في المجلس، ويُقحم اسم الله في كل جملة حتى تلك التي لا تحتمل الذكر. يُقال عنه: هذا رجلٌ صالح. غير أنّ أحدًا لا يسأله عن الأمانة التي بحوزته منذ عام، ولا عن الكلمة التي جرح بها جاره أمس. فالتديّن هنا أداءٌ يُرى، لا ميزانٌ يُوزَن به الفعل، وكلما علا الصوت في العلن، جاز أن يخفت الميزان في السرّ.
- #
يُسأل عن مسألةٍ لا يعرفها، فيجيب فورًا بثقة، ويختلق تفصيلًا هنا وتاريخًا هناك. لا يقول أبدًا «لا أعلم»، فهذه الكلمات الثلاث تُسقط هيبته أسرع من أي خطأ فادح. يصدّقه الجالسون، وتنتقل معلومته المختلَقة من مجلسٍ إلى مجلس حتى تصير حقيقة. لم يكذب لأنه شرير، بل لأنّ الجهل هنا عارٌ أكبر من الكذب، والهيبة تُشترى بثمن الحقيقة كلما اقتضى الأمر.
- #
عدد الزيارات هو المقياس، لا ما يُقال في أثنائها. تُؤدَّى الزيارة في وقتها المحدَّد تمامًا، تُشرَب القهوة، تُعاد الأسئلة نفسها بالترتيب نفسه، ثم يُقال: الحمد لله، صلة الرحم قائمة. إلا أنّ أحدًا في تلك الغرفة لا يعرف الآخر أكثر مما عرفه قبل عشر زيارات، لأنّ الزيارة هنا لا تُقرِّب، إنها الشكل الذي يسمح للمسافة أن تبقى من دون أن تُسمَّى مسافة.
ما سيقوله الناس
