- #
تكسر الطفلة كوبًا في المطبخ فلا يلتفت إليها أحد، وتكسره أمام الضيوف فتنهال عليها كلمة «عيب» وكأنها ارتكبت خطيئة. الكوب نفسه، واليدُ نفسها، والفارق الوحيد هو مَن رأى. عيبٌ لا يقيس الخطأ، بل يقيس مَن كان حاضرًا حين وقع؛ أخلاقٌ بمقياس العيون، لا بمقياس الفعل.
- #
يُربَّى الصبي على أنّ الدمعة عيبٌ، وأنّ الرجولة صلابةٌ لا تلين. يبتلع بكاءه في طفولته حتى يتقن الابتلاع، فيُصفَّق له: هذا رجل. لكن ما نُسمّيه صلابةً هنا ليس قوةً اكتُسبت، بل عصبًا بُتِر فحلّ محلّه فراغ، وصار هذا الفراغ يُمدَح كل مرة يتّسع.
- #
تُمدَح الفتاة الهادئة في كل بيت: ما أحلاها، ساكتة ومؤدبة، لا تسبب لأحد صداعًا. تكبر وهي تحفظ المديح، فتُتقن الهدوء أكثر كلما كبرت، حتى تنسى كيف يكون صوتها حين يرتفع. لا أحد يسأل، في لحظة المديح، إن كان هذا الهدوء طبعًا أم تمرينًا طويلًا على الاختفاء؛ فالبيوت التي تحبّ «الساكتة» هي غالبًا البيوت التي لا تحتمل ضجيج امرأةٍ تعرف ماذا تريد.
- #
«شوف فلان كيف متفوّق، وأنت؟» — جملة تُقال بحبٍّ ظاهر، بقصد التحفيز كما يُقال دائمًا. يهزّ الطفل رأسه، يعد بأن يجتهد أكثر، ويحمل اسم «فلان» إلى غرفته كحملٍ لا يعرف وزنه. غير أنّ التحفيز هنا كذبةٌ صغيرة: لا أحد يُقاس بنفسه في هذا البيت، بل بمسافته عن أخيه، وحين يكبر فلانٌ نفسه، سيُقاس بدوره بولدٍ آخر لم يُخترع اسمه بعد.
- #
تبدأ الأسئلة بُعيد الزفاف مباشرة: «متى البشارة؟» تُطرَح بحنانٍ ظاهر، وكأنها اهتمامٌ بفرحٍ قادم. تجيبين بابتسامةٍ: إن شاء الله، فيُكرَّر السؤال في كل مناسبة، وكأنّ رحمك أصبح جدول أعمالٍ عائليًا يُراجَع دوريًا. لا أحد يسأل عن حملٍ فقدتِه في صمت، أو عن جسدٍ يحتاج وقتًا لم يُسمح له به؛ فالسؤال لا يريد جوابًا، بل يريد تذكيرك أنّ جسدك لم يعد ملكك وحدك منذ لحظة العقد.
- #
يُقال دائمًا: الساكتُ أقرّ، والسكوتُ علامة الرضا. فتُبنى على صمتك قراراتٌ لم تُستشَر فيها، وتُوقَّع باسمك عقودٌ لم تقرأها يومًا. لا أحد يسأل إن كان الصمت اتفاقًا، أم كان الطريق الوحيد المتاح لمن لا صوت له أصلًا. السكوتُ هنا لا يُقرأ؛ يُستخدَم.
- #
حين يخطئ الكبير في الكلام، تنحني الرؤوس بأدبٍ، ويُستبدَل الموضوع بلطف، ويُسمّى هذا كلّه احترامًا. غير أنّ كل رأسٍ منحنٍ اليوم يشتري بصمته قسطًا في تأمينٍ مؤجَّل، يُصرَف يوم يصبح هو الكبير الذي يُخطئ فلا يُصحِّحه أحد. فالاحترام هنا ليس إجلالًا، بل تكافلٌ صامتٌ على تجنّب المحاسبة، جيلًا بعد جيل.
تربيةُ الصمت
