- #
العتبةُ لا تخصّ غرفةً ولا الأخرى؛ لهذا نتمهّل عليها لحظةً، كأنّ على المرء أن يستأذن في دخول بيته.
- #
الأحذيةُ عند الباب موجَّهةٌ نحو الخارج دائمًا. كأنّ البيت، في عُرف الأقدام، محطّةٌ لا غاية.
- #
البابُ المُوارَب ليس دعوةً لأحد. هو رفضُنا الأخيرُ أن يُغلَق تمامًا، كي لا نشعر أننا صرنا وحدنا في الداخل.
- #
البابُ الموصد من الداخل ليس حمايةً فقط؛ هو اعترافٌ بأن ثمّة شيئًا خارجًا نُفضّل ألّا يدخل. كلّ قفلٍ هو جملةٌ غير منطوقة. ولهذا تشعر البيوتُ التي لا أبواب داخليّة لها بالعراء: فيها لغةُ الصمت ناقصة، ولا أحد فيها يستطيع أن يقول «لا» دون أن يتكلّم.
- #
حين نُغلق الباب خلفنا، لا نحمي أنفسنا من الخارج بقدر ما نحمي الخارجَ من حقيقتنا. العزلةُ التي نصنعها بمفتاحٍ لا تُنتج وحدةً، بل تفضح أننا نحتاج جدارًا كي نكون ما نحن عليه فعلًا. الإنسان الوحيد في غرفته لا يكتشف ذاته؛ يكتشف فقط أن ذاته لم تكن تحتمل النظر.
- #
القفلُ لا يحمي ممّا في الخارج بقدر ما يقنعنا أن في الداخل شيئًا يستحقّ قفلًا. تجلس مطمئنًّا في غرفةٍ قد لا يكون فيها سوى الخوف من أن يدخلها أحد.
- #
الستائرُ تُغلَق ليلًا على شارعٍ نائم. لسنا نختبئ من أحد؛ نتدرّب فقط على أن نكون غير مرئيّين.
- #
نعلّق الصورَ على الجدران لننسى أنها جدران. كلُّ إطارٍ نافذةٌ نصنعها بأيدينا في حائطٍ مُصمَت.
- #
في كلّ غرفةٍ ننام فيها خريطةٌ صغيرةٌ للنجاة معلّقةٌ خلف الباب، لا ننظر إليها أبدًا. نطمئنّ إلى وجود مخرجٍ ما، بشرط ألّا نُضطرّ يومًا للبحث عنه.
- #
لكلٍّ منّا مكانُه على المائدة لم يقرّره أحدٌ بصوتٍ عالٍ، لكننا نعود إليه كلَّ مرّةٍ دون اتفاق. أكثرُ ما يحكمنا أوامرُ لم تُقَل، نطيعها بإخلاصٍ لأننا لا نتذكّر أنها أوامر.
- #
نكسر الخبزَ ولا نقطعه، كأنّ في الكسر شيئًا من المشاركة لا تعرفه السكين.
- #
حلقةُ القهوةِ على الطاولة هي كلُّ ما يُثبت أنك جلستَ هنا. وأوّلُ ما تمسحه.
- #
الغبارُ لا يتراكم على ما نلمسه؛ إنه تقويمٌ صامتٌ لما توقّفنا عن استعماله. يكتب أوّلَ ما يكتب على ظهور الكتب التي وعدناها بأننا سنعود.
- #
تفتح الخزانةَ بعد طول غياب، فتنهض رائحةٌ كاملةٌ من معطفٍ لم تتبرّع به بعد. ما ننساه عن الناس يبقى محفوظًا فيما لم نملك القلب لنرميه.
- #
تنقل الأثاثَ في الغرفة بحثًا عن وجهٍ جديدٍ لها، فتنكشف مربّعاتٌ من السجادة لم تبهتها الشمس. ترتّب الغرفةَ كما تشاء، لكنّ الأرض تحفظ أين كان كلُّ شيء.
- #
بعد كلّ غسلةٍ يختفي جوربٌ واحد. لا أحد يبحث عنه بجدّية؛ تعلّمنا أن نقبل اختفاءً صغيرًا كلَّ أسبوع، تمرينًا على ما هو أكبر.
- #
الكتابُ المتروكُ مفتوحًا على وجهه ينكسر ظهرُه كي لا تضيع صفحتُك. وأكثرُ الكتب انكسارًا في الظهر هي أحبُّها إلينا.
- #
كلّ غرفةٍ فيها، عند زاويةٍ ما، صمتٌ لا يشبه الصمت في الزوايا الأخرى. ثمّة أماكنُ في البيت يسكنها زمنٌ ثقيل دون أن ندري، ربما لأن حديثًا صعبًا وقع فيها، أو لأن أحدًا انتظر فيها طويلًا. البيوتُ ليست متساويةَ العمق في كلّ نقطة؛ فيها جغرافياتٌ دقيقةٌ يعرفها الجسد قبل أن يُدركها العقل.
- #
الكرسيّ الفارغ ليس فارغًا؛ فيه شكلُ من كان يجلس. الأثاث يحتفظ بغياب أصحابه أطولَ مما يحتفظون هم بحضورهم. ولهذا، حين ندخل بيتًا بعد رحيل أحدهم، لا نراه ولا نرى خلوَّه؛ بل نرى الهيئةَ التي تركها في الأشياء، وكيف أن كلّ ما لمسَه صار شاهدًا عليه بدلًا عنه.
ما يحفظه البيت
