شذرات

الثالثة فجرًا

امرأة بقميص نوم تقف حافية أمام ثلاجة مفتوحة يضيء نورها الأزرق مطبخًا مظلمًا، وفي العمق شاشة تلفاز مضاءة في غرفة معتمة.
  1. #

    ليس الأرق، بل ما يسبقه. ذلك الثقل الذي يسبق الجفون إلى الوسادة، يستلقي هناك قبلك، ينتظر. تغمض عينيك فتجده مفتوحًا، يحدّق في السقف نيابةً عنك. النوم يأتي أحيانًا، لكن التعب لا يغادر. له عنوانٌ دائم تحت الجلد.

  2. #

    الأرق ليس أن النوم لا يجيء — بل أن الوعي يرفض أن يُغادر. كأن شيئًا فيك يعتقد أنك لو نمتَ الآن ستفوّت شيئًا — شيئًا لا تعرف اسمه لكنك متأكد أنه سيحدث في غيابك. الأرق في حقيقته ليس مرضًا في النوم بل مرض في الثقة: أنت لا تثق بالعالم أن يستمر دون مراقبتك. فتبقى ساهرًا لا حراسةً لشيء محدد، بل حراسةً للفكرة نفسها — أن ثمة ما يستحق الحراسة. تُقلّب الوسادة بحثًا عن جانبها البارد، وتجده، لكنه يدفأ في ثوانٍ. والأرق هكذا بالضبط: كل حلٍّ تلمسه يفقد برودته لحظة أن تصل إليه.

  3. #

    الليلُ ليس غيابَ النهار؛ بل زمنٌ له منطقه الخاصّ. في الليل تتضخّم الأفكار، لا لأنّها أخطر، بل لأن الصمت الخارجيّ يُزيل ما كان يشوّش عليها. ما نفكّر فيه الساعة الثالثة صباحًا ليس بالضرورة أصدق، لكنه أعرى. ولذلك نخاف الليل قليلًا: لأنه لا يُضيف شيئًا، بل يكشف ما كان النهار يُساعدنا على إخفائه.

  4. #

    الصنبورُ ينقّط طوال اليوم، لكنك لا تسمعه إلا في الثالثة صباحًا. لم يكبر الصوتُ؛ أنت فقط لم يبقَ لديك ما تختبئ خلفه.

  5. #

    تحدّق في السقف ليلًا فتراه لأوّل مرّة، رغم أنه فوقك كلَّ ليلة. لا نرى الأشياء التي لا تتحرّك؛ نراها فقط حين يتوقّف كلُّ شيءٍ فينا عن الحركة.

  6. #

    ضوءُ الثلّاجةِ حين تفتحها في منتصف الليل هو الشيء الوحيد المستيقظ معك في البيت. تقف أمامه دون أن تريد طعامًا، فقط لتقف لحظةً في ضوء.

  7. #

    تُبقي الشاشةَ مضاءةً بلا صوت، لا لتشاهد، بل لتملأ الغرفةَ بحركةٍ ليست لك. الوحدةُ تُحتمَل أكثر حين يتحرّك شيءٌ ما في الزاوية.

  8. #

    المطرُ يضرب النافذة فتراقبه ساعةً دون أن تملّ، أنت الذي يملّ من كلّ شيء. ربما لأنه الشيء الوحيد الذي لا يطلب منك أن تردّ.

  9. #

    النومُ ليس غيابًا، بل شكلٌ مختلفٌ من الحضور لا نتذكّره. ثمّة حياةٌ تحدث فينا ونحن نيام، فيها نواجه ما نتجنّبه نهارًا. ولهذا نستيقظ أحيانًا متعبين دون سبب: لأننا خضنا، في الساعات الماضية، المعركةَ التي رفضنا خوضها حين كنّا واعين.

  10. #

    ما يحدث في الساعات الأولى بعد الاستيقاظ يصوغ اليوم كلّه. ليس بسبب طاقته أو جودته، بل لأن الجسد في تلك الساعات يكون بلا درع؛ ما يلمسنا فيها يدخل مباشرةً، دون وسيط. ولهذا، الأخبار السيّئة التي نسمعها صباحًا تبقى معنا مساءً، بينما تلك التي تصلنا ليلًا تذوب قبل النوم.

  11. #

    الصباحُ ليس ولادةً جديدة كما يُقال لنا؛ بل امتحانٌ يوميّ لمن يقدر على أن يكون نفسه مرّةً أخرى. نستيقظ، فلا نبدأ من جديد، بل نُستَدعى إلى استئناف الدور. ولهذا تبدو اللحظةُ الأولى بعد فتح العين ثقيلةً: لأننا، قبل أن نذكر أسماءنا، نكون أحرارًا منها.