شذرات

حنينٌ يؤلّف

امرأة بمعطف أخضر وحقيبة كتف تقف على عتبة غرفة طفولة دافئة الإضاءة فيها سرير صغير ولعب ومكتب، وخلفها ممرّ بارد ينتهي بنافذة مضيئة.
  1. #

    الحنين لا يتذكّر — يُعيد التأليف. الماضي الذي نحنّ إليه لم يكن كما نراه الآن، لأنه حين كان حاضرًا كنّا نحنّ إلى ماضٍ أقدم منه. الحنين لا يشتغل على الزمن بل على النقص: يأخذ لحظة ناقصة ويحذف نقصها، فتصير مكتملةً بأثر رجعي. والمفارقة أننا لا نحنّ إلى ما عشناه — بل إلى ما لم نعشه فيه لأننا كنّا مشغولين بانتظار ما بعده. الحنين ليس ذاكرة — هو خيال يرتدي قناع الماضي.

  2. #

    الحنين لا يعيدك إلى المكان — بل يعيدك إلى الحجم الذي كنتَ عليه فيه. حين تحنّ إلى بيت طفولتك، أنت لا تحنّ إلى جدرانه بل إلى كونك كنتَ أصغر من أن تُطالَب بتفسير وجودك. الحنين كذبة بنيوية: يُقدّم لك الماضي بعد أن يحذف منه كل ما كنتَ تشكو منه حينها. تحنّ إلى أيامٍ كنتَ فيها تنتظر أن تنتهي. لكن الأخطر أن الحنين لا يكتفي بتجميل الماضي — بل يُفقِر الحاضر بالمقارنة. تلك الرائحة التي تعبر أنفك في شارع غريب فتُوقفك — رائحة لا تستطيع تسميتها لكنها تسحبك عشر سنوات إلى الخلف — هي ليست دليلًا على أن الماضي كان أجمل، بل على أن حواسك كانت أقل انشغالًا.

  3. #

    الحنينُ ليس شوقًا إلى الماضي؛ بل شوقٌ إلى من كنّا فيه. نشتاق إلى غرفةٍ قديمة لا لأنّها كانت أجمل، بل لأننا كنّا فيها أقلّ تعبًا من حمل أنفسنا. الحنين دائمًا خيانةٌ صغيرةٌ للحاضر، يعترف فيها المرء، دون أن يعلن، بأنه لم يعد يطيق كلّ ما صار إليه.

  4. #

    نتمنى لو نعيد لحظة ما — لكننا في الحقيقة لا نتمنى اللحظة، بل نتمنى الجهل الذي رافقها. ما جعل تلك اللحظة جميلة أنك لم تكن تعرف أنها ستنتهي. إعادتها بوعيك الحالي ستقتلها فورًا، لأنك ستراقبها بدل أن تعيشها. كل أُمنية لاسترجاع الماضي هي في جوهرها أمنية لنسيان ما تعلّمته. ذلك الضوء الذي تتذكره في نافذة تلك الغرفة لم يكن جميلًا بذاته — بل لأنك لم تكن تُحصي ثوانيه. ومَن يحاول إعادة لحظة سعيدة لا يستعيدها — بل يكتب نعيها.

  5. #

    المكانُ الذي ولدنا فيه يبقى فينا لا لأننا نحبّه، بل لأنّه علّمنا كيف نقيس الأشياء. حجمُ الغرفة الأولى هو الوحدةُ التي نقيس بها كلّ الغرف لاحقًا، دون أن ندري. ولهذا نشعر أحيانًا أن بيوتًا واسعة ضيّقة، وأخرى صغيرة واسعة؛ ليس في الأبعاد اختلاف، بل في الذاكرة التي نحملها عن أوّل مكانٍ احتوانا.

  6. #

    البيوتُ التي غادرناها تتغيّر في ذاكرتنا؛ تكبر حين نمضي سنوات بعيدين عنها، وتصغر حين نعود إليها. الذاكرةُ لا تحفظ الأبعاد، بل تحفظ الدلالة. ولهذا نشعر بخيبةٍ غريبة حين نزور بيتًا قديمًا: ليس لأنه تغيّر، بل لأن الذاكرة التي بنيناها عنه كانت أوسعَ ممّا احتمله الجدار.

  7. #

    لا نغادر المكان مرة واحدة. نغادره ثم نعود إليه في رائحة مشابهة، في زاوية ضوءٍ تسقط بالطريقة ذاتها على جدارٍ غريب. نحمل الأماكن في العضلات، في طريقة الجلوس، في الالتفاتة اللاإرادية نحو نافذةٍ لم تعد هناك. المغادرة فعلٌ ناقص التصريف، لا ماضٍ له نظيف.

  8. #

    الالتفاتةُ الأخيرة قبل مغادرة المكان ليست وداعًا؛ بل محاولةٌ يائسةٌ لنقلِ المكان إلى داخلنا قبل أن يُغلَق الباب. نلتفت لا لنرى، بل لنتأكّد أن الذاكرة أخذت نسختها. ثم نكتشف لاحقًا أن ما حفظناه ليس الغرفة، بل تلك اللحظةَ التي نظرنا فيها إلى الغرفة ونحن نعرف أننا نغادرها.

  9. #

    الأمكنةُ التي نحبّها لا تحبّنا دائمًا بالمقدار نفسه. نعود إلى شارعٍ أو مقهىً كان يحملنا، فنجده باردًا، خاليًا من النداء الذي سبق أن صدر منه. ليس المكان من تغيّر؛ نحن من خرجنا من علاقتنا به. الأمكنةُ، كالناس، تحبّنا وقتًا محدّدًا، ثم تُحرّرنا بصمتٍ دون أن نعلم أنّها فعلت.

  10. #

    المدنُ ليست أماكن؛ بل إيقاعاتٌ تعلّمنا كيف نمشي. كلّ مدينةٍ عشنا فيها غرست فينا سرعةً مختلفة، ومسافةً بين الخطوة والأخرى، وطريقةً في قياس الزمن. ولهذا يعرف المسافرون بعضُهم بعضًا من المشية، لا من اللهجة؛ لأن الأرض التي مشينا عليها طويلًا تبقى فينا حتى حين ننتقل إلى أرضٍ أخرى.

  11. #

    ما زالت على إطار الباب خطوطٌ بالقلم تقيس طولك طفلًا. توقّف أحدٌ عن رسمها في سنةٍ ما؛ الخطوطُ تنتهي عند طولٍ تتذكّره، والباقي كبرتَ فيه بلا علامات.