شذرات

بيتٌ بلا أقفال

لوحة لرجل بمعطف طويل يقف في غرفة مهجورة تملؤها أوراق وأدراج مفتوحة ممسكًا مفتاحًا كبيرًا، وأبوابها مشرعة على سهل واسع عند الغروب.
  1. #

    يبحث الإنسان عن معنى لحياته كمن يبحث عن مفتاح في بيت لا أقفال فيه. يُقلّب الأدراج، يُدخل يده في الجيوب، يشمّ رائحة كل غرفة كأن المعنى له عطر يدلّ عليه. المعنى لا يُعثر عليه، بل يُخترع اختراعًا، ثم يُنسى أنه اختُرع، ويُصبح حقيقةً. هذا النسيان ضروري: لو تذكّرنا أن المعنى صنعناه بأيدينا لانهار. لذا أهم شيء في معنى الحياة ليس اكتشافه، بل الإيمان بأننا لم نخترعه.

  2. #

    المعنى لا يُعطى لنا؛ بل يُصنَع. لا توجد حياةٌ ذات معنى في ذاتها، بل هناك حياةٌ نحن من نمنحها معناها، أو نتركها دون أن نفعل. ولذلك، السؤال «ما معنى حياتي؟» مُضلِّل؛ لأنه يفترض أن المعنى شيءٌ مخبّأ، بينما هو في الحقيقة فعلٌ يوميّ نؤدّيه أو نهمله، دون أن نعلم أنّه كان بيدنا طوال الوقت.

  3. #

    المللُ ليس غيابَ ما نفعله؛ بل حضورُنا المفرط في ذاتنا دون وسيط. حين لا يشغلنا شيء، نكتشف ثقلَ أن نكون، وأن الوعيَ بلا مهمّة يصبح عبئًا. ولذلك يَفِرُّ الناس من الملل إلى أيّ شيء تقريبًا، لا لأنهم يحبّون ما يفعلون، بل لأنهم لا يحتملون المواجهة المباشرة مع العراء الذي هم عليه.

  4. #

    أكثر الأسئلة إيلامًا هي التي لا تُسأل بصوت عالٍ. تلك التي تهمس بها لنفسك في الفجر: هل أنا محبوب حقًا أم فقط مُحتمَل؟ هل أنا مهم أم فقط موجود؟ هل سيفتقدني أحد، أم سيفتقد فقط ما كنت أفعله لهم؟

  5. #

    الصدفةُ ليست ضدّ القدر؛ بل لغةُ القدر حين يحبّ أن يمرّ دون أن يُحدِث ضجّة. ما نسمّيه «صدفة» هو غالبًا حدثٌ كنّا نسير نحوه دون أن نشعر، ثم فاجأنا نفسه كأنه قادمٌ من الخارج. القدرُ لا يتكلّم دائمًا بأصواتٍ مدوّية؛ أحيانًا يمرّ على هيئة لقاءٍ عابرٍ في ممرّ.

  6. #

    الخوفُ من الموت ليس خوفًا من النهاية؛ بل خوفٌ من أن نكتشف، في اللحظة الأخيرة، أننا لم نعش. ما يخيفنا ليس زوالنا، بل اكتشافُنا المتأخّر أننا كنّا غائبين طوال الوقت، وأن حياتنا جرَت دون أن نحضرها. النهاية لا تُقلقنا قدرَ ما يُقلقنا ما لم نكنه.

  7. #

    نحنُ لا نخاف الموت بالطريقة التي نظن. نخاف أن نموت قبل أن يرانا أحد. نخاف أن تمتلئ حياتنا بالأيام ولا تمتلئ باللحظات. نخاف أن نصل إلى النهاية ونكتشف أننا كنا نؤجّل شيئًا لم يعد له وقت.

  8. #

    لا يخاف الموت. يخاف أن يموت وفيه جملة لم يقلها. ليست جملة كبيرة. ربما مجرد اسم كان يجب أن يُنطق بصوت أعلى. مرة واحدة فقط.

  9. #

    أكثر ما يُتعبه ليس أنه يشعر بكل شيء. بل أنه يشعر بكل شيء ويعرف أن لا أحد يُلزَم بأن يفهم. فيجلس مع ثقله بأدب. كأنه يستضيف ضيفًا لن يرحل، ويُصرّ رغم ذلك على أن يصنع له قهوة.