1
خمسٌ وعشرون درجة.
ضوءٌ أبيضُ مستوٍ.
تنزلق الأمُّ في الردهة قبل أن يستيقظ أحد.
حقيبتها الجلدية الصغيرة مفتوحةٌ على طاولةٍ جانبية.
فُرَشٌ بأحجامٍ مختلفة، قطعةُ قماشٍ بيضاء مطوية، زجاجتان بسائلٍ شفافٍ بلا رائحة.
تقف أمام إطار الأب أولًا.
تخرج فرشاةً جافة، تمررها على زاوية فمه المرسوم.
تتراجع نقطةٌ سوداءُ صغيرة.
تطوي الفرشاة، تنتقل إلى إطار الأخت.
تمسح ببطء، بحركةٍ قصيرةٍ متكررة، بريقًا غير مألوفٍ في عينها اليمنى.
في الطابق العلوي، ينهض سامي.
الملاءاتُ مشدودة.
يجلس على الحافة دقيقتين، يضع كفّه على الجدار البارد.
يفعل هذا كل صباح.
الجدار يبقى جدارًا.
ينزل.
الإفطار مصفوفٌ على الطاولة: قطع خبزٍ متساوية، ثلاثة فناجين شاي، جرّةُ عسلٍ مغلقة.
الأخت في كرسيها قرب الباب.
الصفارةُ الفضّية في يدها اليمنى، خبزتها في اليسرى.
في الإطار الذهبي فوق الطاولة، عينا الأبِ مفتوحتان.
يأكل.
لا يتحدّث أحد.
تمرّ الأمُّ خلفه، تمسح بطرف قماشتها قطرةَ شايٍ على الطاولة قبل أن تجفّ.
ثم تختفي إلى الردهة.
سامي يسمع صوت احتكاك الفرشاة على إطارٍ آخر، ثم سكوت.
يقف.
يخرج من المطبخ.
يمرّ بإطار نوّاف في الممر — نوّاف جالسٌ على كرسيٍّ خشبيٍّ في حديقة، ابتسامته معلّقةٌ عند نقطةٍ محددة.
على الإطار، شِقٌّ أفقيٌّ ضيّق، نظيف.
يصل إلى إطاره هو في نهاية الممر.
يقف.
ينظر.
يدير رأسه إلى اليسار قليلًا.
ثلاث درجات، لا أكثر.
الوجه في الإطار يبقى أماميًا.
تخفت الإضاءة في طرف بصره.
يضع راحته على الجدار.
الجدار بارد.
يغلق عينيه.
يفتحهما.
الوجه في الإطار ينظر إلى الأمام.
يستدير، يمشي.
في يده اليمنى تنميلٌ لم يكن هناك صباحًا.
2
في المطبخ، يتعثّر بحافة بلاطة.
يتوقف.
يعيد قدمه.
الحافة مرفوعةٌ بضعةَ ميليمترات عن الأرض، شيءٌ طفيفٌ لم يلاحظه أحدٌ منذ سنوات.
ينحني، يضغط بأصابعه.
البلاطة تتأرجح.
ينظر خلفه.
الردهة فارغة.
صوت الفرشاة ما زال في الطرف الآخر من البيت.
يدخل سكينًا صغيرًا تحت الحافة.
يرفع.
تحت البلاطة: غبارٌ رماديّ، وفي وسطه قطعةُ زجاجٍ صغيرةٌ بحجم ظفر إبهام.
حافتها مكسورة، لكنها صقيلة.
تعكس قطعةً من السقف.
يرفعها بطرفي إصبعين.
الحافة تخدش جلده خدشًا رفيعًا.
يقربها من وجهه.
في الزجاج: عين.
المسامّاتُ أوضح، الجلد أسمك.
فوق الحاجب الأيمن خطٌّ أبيضُ رفيع.
يرفع إصبعه ببطء، يمرره على المنطقة فوق حاجبه.
يجد نتوءًا لم يحسّ به من قبل.
ندبةٌ قديمة، بطول سنتيمتر، باردةٌ قليلًا تحت طرف الإصبع.
ثم يسمع الفرشاةَ تتوقف.
يضع البلاطة بسرعة.
يدسّ الشظية في جيب قميصه — تخزّ الحافة جلد فخذه من خلال القماش.
يقف.
يخرج من المطبخ.
في الردهة، الأمُّ تتفحّص إطار الأخت بحاجبين متقاربين قليلًا.
لا تنظر إليه عند مروره.
تقول، دون أن تلتفت:
— هل لمست شيئًا؟
— لا.
— يداك تهتزّان.
ينظر إلى يديه.
يداه ساكنتان.
— الجوّ بارد، تقول.
سأرفع التدفئة.
تعود إلى الفرشاة.
3
في غرفته، يجلس على السرير.
يخرج الشظية.
يضعها على راحة يده.
يقربها من النافذة، لكن النافذة في غرفته زجاجٌ معتم لا يُرى منه أيّ شيء.
يدير الشظية في الضوء حتى يجد زاويةً تعكس وجهه كاملًا.
ينظر طويلًا.
يدير وجهه يمينًا وشمالًا، يفتح فمه، يغلقه.
الشظية تعرض كلّ حركةٍ بتأخّرٍ لحظيٍّ بسيط، تأخّر الزجاج الحقيقي.
يضع الشظية في درج.
تحت الجوارب.
يخرج من الغرفة.
يمشي في الردهة من جديد، لكن المشي الآن مختلف.
ليس أبطأ، بل أكثر دقة.
يمرّ بإطار نوّاف.
يلاحظ أن الشِقّ الأفقيّ مدهونٌ بعنايةٍ ليبدوَ جزءًا من الزخرفة.
أن لمعان الإطار يلمع بلمعان طبقةِ ورنيشٍ حديثة.
أن الغبار على الطاولة تحت الإطار سميك، لكن سطح الإطار خالٍ تمامًا.
يصل إلى إطار الأب.
يقف أمامه دقيقة.
عينا الأب لا تتحركان.
لكن هناك، في زاوية الإطار من الداخل، رفّةٌ معدنيةٌ صغيرةٌ لم يرها من قبل.
في الصالون، الأمّ تقف أمام بورتريه الأخت بفرشاةٍ أنحف.
تمسح.
تمسح.
ترفع القماشة، تنظر إليها في الضوء.
على القماشة، بقعةٌ سوداءُ صغيرة.
لون عين.
يعود إلى المطبخ.
يفتح الثلاجة دون سبب.
يغلقها.
يقف في وسط الغرفة.
الدوار لا يأتي.
4
ينتظر أسبوعًا.
في الأسبوع، تحدث الزيارة.
أربعُ نساءٍ من الأقارب، عطرُ الياسمين قبل صوت الجرس.
الأمّ والأخت تنزلان الأبَ من الجدار، تضعانه على الكرسيّ المخصّص في وسط الصالون.
في زاوية الإطار، وميضٌ أخضرُ خافت، ثم سكوت.
القريبات يجلسن.
الشاي.
ثلاثة فناجين بقيت ممتلئةً إلى النصف بالضبط.
الكلامُ المنخفض.
عيونهنّ تمسح الجدران، الأثاث، وجه الأم، يدي الأخت.
الأب صامتٌ في إطاره.
واحدةٌ تقول لسامي:
— تبدو متعبًا.
يقول: شكرًا.
تنظر إليه ثانيةً ثم تعود إلى فنجانها.
تمرّ ساعتان وعشر دقائق.
تنهض القريبات.
تتعانق الأمُّ وكبراهنّ.
عند الباب، تلتفت الكبرى وتنظر مرةً أخرى إلى وجه سامي.
ينظر إلى كتفها.
يخرجن.
تغلق الأمّ الباب.
تذهب إلى الأب.
تحمله مع الأخت.
تعلّقانه على الجدار.
تستوي الإطار بإصبعٍ واحد.
في تلك الليلة، يدخل سامي غرفة الأخت.
البورتريه فوق سريرها — الأخت بابتسامةٍ هادئة، السبابة على الفم.
يقف على كرسيٍّ خشبيّ.
يرفع البورتريه عن المسمار.
ثقيلٌ أكثر مما توقع.
يضعه على الأرض، وجهه إلى الجدار.
يخرج من الغرفة.
في الصباح، تنزل الأخت إلى المطبخ.
في يدها الصفارة.
لكن خطواتها متعثرةٌ قليلًا، كأنّ الأرض ليست في المستوى الذي تتذكره.
تجلس على كرسيها.
ترفع فنجان الشاي.
الفنجان يهتزّ.
تضعه.
تحاول أن تأكل خبزتها.
الخبزة تنزلق من يدها على الطاولة.
تنظر إلى يدها.
تنظر إلى الأم.
تقول الأم، دون أن تلتفت:
— الجوّ بارد.
سأرفع التدفئة.
5
بلاطة المطبخ تبقى مرفوعة.
سامي يرفعها كل ليلة، يمرّ بأصابعه على الغبار تحتها، يبحث.
يجد قطعتين أخريين من الزجاج، أصغر.
يضعهما مع الأولى في الدرج تحت الجوارب.
يبدأ بشراء المرايا.
يخرج إلى الشارع لأول مرةٍ منذ شهور.
الشارع يصدمه بسعته.
يدخل محلّ أدواتٍ منزلية، يشتري ست مرايًا صغيرةً بأطرٍ بسيطة.
الموظف يلفّها بالورق.
يحملها في كيسٍ بلاستيكي.
يعود.
يدخل البيت من الباب الخلفي.
يصعد إلى غرفته.
يخفي الكيس تحت السرير.
في الليلة التالية، يبدأ.
يستبدل بورتريه نوّاف بمرآة.
عند الفجر، تأتي الأمّ بالكوب البيج.
تقف أمام المرآة.
تنظر إلى انعكاسها.
تنظر إلى الكوب.
تضع الكوب على الطاولة تحت المرآة.
تذهب.
عند الظهيرة، تجد الأمُّ الكوب على الطاولة.
لمسته بظهر يدها.
بارد.
تذهب إلى المرآة.
تلمسها بطرف فرشاة.
الفرشاة لا تترك أثرًا.
تنظر إلى انعكاسها دقيقتين كاملتين.
وجهها يبدو، من هذه الزاوية، أحدّ مما يبدو في عينيها هي.
تذهب.
في تلك الليلة، يستبدل سامي بورتريه الأب.
الأب لا يسقط.
لكن في الصباح، يلاحظ سامي أن الإطار الفارغ على الجدار يهتزّ هزًّا خفيفًا، إيقاعًا منتظمًا، كأنّ شيئًا خلف الجدار يدفعه.
الأمّ تفتح حقيبةً جلديةً أكبر.
تبدأ بمسح المرآة الثانية.
تمسح.
لا أثر.
تعود إلى إطار الأخت.
تمسح.
تمسح.
لكنّ يديها تتحركان أسرع، والقماشة تترك خطًّا رفيعًا على وجه الأخت المرسوم.
في المطبخ، الأخت تجلس على كرسيها.
ترفع الصفارة إلى شفتيها.
تنفخ.
يخرج صوتٌ ضعيف، متقطّع.
تنفخ مرةً أخرى.
الصوت نفسه.
تنظر إلى الصفارة في يدها.
تضعها على الطاولة.
ترفع يدها.
تحاول أن تطبق الإصبع على الفم بنفس الإيماءة المعروفة من بورتريهها.
الإصبع يتوقف عند المكان.
6
يبقى بورتريهٌ واحد.
سامي يدخل غرفته في منتصف الليل.
الإطار فوق المكتب: سامي يجلس باستقامة، يداه على ركبتيه، عيناه تنظران مباشرةً إلى الأمام.
الإطار خشبيٌّ بسيط.
ليس ذهبيًا.
يقف على الكرسي.
يرفع الإطار.
خلفه ليس جدارًا.
ليس مرآة.
نافذة.
زجاجٌ شفّاف، يفتح على شارع.
يقف أمام النافذة.
يفتحها سنتيمترًا واحدًا.
دخل الهواء وفيه رائحة ماء قديم على إسفلت.
يأخذ نفسًا.
النَّفَس يدخل.
يصل إلى مكانٍ في صدره لم يكن يصل إليه من قبل.
يتوقف هناك لحظة.
يخرج.
يأخذ نفسًا ثانيًا.
في الردهة، تسقط فرشاة الأم على البلاط.
صوتٌ جافّ، حادّ.
يأخذ سامي نفسًا ثالثًا.
ثم يغلق النافذة بهدوء.
يضع البورتريه على الأرض، وجهه إلى الجدار.
يفتح حقيبةً كان قد أحضرها من الشارع.
يخرج قفلًا معدنيًا، براغيَ، مفكًا صغيرًا.
يركّب القفل على باب الغرفة من الداخل.
يجلس على السرير.
يفتح الدرج تحت الجوارب.
يخرج الشظية الأولى.
يضعها على راحة يده.
في الردهة، صوت الفرشاة يبدأ من جديد، أبطأ من المعتاد، ثم يتوقف، ثم يبدأ.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
