شذرات

اعترافُ الأصابع

لوحة زيتية لأيدٍ متعدّدة على خلفية داكنة: يدان تزرّران قميصًا، ويد تسحب خيطًا من كمّ ممزّق تتدلّى منه خيوط، ويد ممدودة، وكفّ مبسوطة على زجاج مبلّل.
  1. #

    أجسادُنا تعرف ما لا تعرفه رؤوسنا. الألمُ الذي يظهر في الكتف، والتوتّرُ الذي يسكن في الفكّ، والضيقُ الذي يُحكم في الصدر، ليست أعراضًا طبّيّة فقط؛ بل اعترافاتُ جسدٍ يحمل ما رفض العقلُ أن يقوله. نحن نُخفي عن أنفسنا كثيرًا، ولكن الجسد لا يكذب؛ هو فقط يُكتَب بلغةٍ لم نتعلّم قراءتها.

  2. #

    تعرف أن يدك ارتجفت حين يستغرق إغلاقُ زرٍّ واحدٍ كلَّ هذا الوقت. الأصابعُ تعترف بما يُصِرّ الوجهُ على إخفائه.

  3. #

    في السُّلّمِ المظلم، تصطدم قدمُك بالأرض وهي تنتظر درجةً أخرى لم تعد هناك. الجسدُ يظلّ يصدّق أن الطريق أطول مما هو، حتى بعد أن ينتهي.

  4. #

    ظلُّك يسبقك حينًا ويتبعك حينًا، ولا تملك أن تختار. أن تمشي يعني أن تجرّ معك شكلًا منك لا تراه إلا حين يقع على شيءٍ آخر.

  5. #

    اللمسُ هو الحاسّة التي لا تسمح بالمسافة. يمكن أن ترى دون أن تُرى، وأن تسمع دون أن تَسمَع، لكنك لا تلمس دون أن تُلمَس. ولهذا يُرعب اللمسُ الخائفين من القرب؛ فهو الحاسّة الوحيدة التي تعترف، في كلّ مرّة، بأن الحدود بيننا وبين العالم ليست مكانًا بل مسامّ.

  6. #

    أوّلُ ما يرتبك في الحبّ ليس القلب، بل اليد: لا تعرف أين تضعها. ثم تكتشف أنها لم تكن تعرف، طوال الوقت، أين تضع نفسها.

  7. #

    تشدّ الخيطَ البارزَ في طرف الكُمّ لتُنهي فوضى صغيرة. ثم تنظر إلى يدك ممتلئةً بما كان، قبل قليل، قميصًا —

  8. #

    الجوعُ ليس رغبةً في الطعام فقط؛ هو أحيانًا صرخةُ جسدٍ يطلب شيئًا لا يعرف اسمه، فيترجم نفسه إلى أقرب لغة. نأكل كثيرًا ممّا لا نحتاج، لأن الجوعَ داخلنا ليس دائمًا جوعًا حقيقيًّا. الجسدُ يُخطئ في التسمية أحيانًا، تمامًا كما نُخطئ نحن حين نُسمّي الفراغَ ضجرًا، والحزنَ تعبًا.

  9. #

    دقّاتُ الساعةِ تختفي من سمعك بعد يومٍ واحد. لم تصمت؛ صارت منك فحسب. وما يصير منك تكفّ عن سماعه — حتى نَفَسك.

  10. #

    المرآةُ لا تكذب، لكنها تقلب. الوجهُ الذي ألِفناه فيها ليس الذي يراه الناس؛ نقضي العمر نحبّ يمينًا صار يسارًا.

  11. #

    العينُ لا ترى كلّ ما أمامها؛ ترى ما علّمها عقلُها أن يكون مرئيًّا. ولهذا، قد نمرّ بصديقٍ في الشارع ولا نراه، لا لأن البصر خاننا، بل لأن الانتباه لم يكن متّجهًا إليه. نحن لا نرى بالعيون، بل بالتوقّع؛ وما لا نتوقّعه، يختفي أمامنا دون أن يختفي.

  12. #

    من خلف الزجاج يصير شارعُك مشهدًا لا مكانًا. تقف متفرّجًا على طريقٍ كنتَ، قبل قليل، تمشي فيه كواحدٍ من الناس.