الإصبع يمرّ على حافة الطاولة. نفس الخشب. نفس الملمس الأملس البارد. لكن الإصبع هذه المرة لا يبحث عن خدش — يمرّ ببطء كمن يتحقق من شيء يعرفه مسبقًا. الخشب لم يتغيّر. الإصبع صار أعرض، وأجفّ قليلًا عند المفصل الأول، والجلد فقد تلك الليونة التي كانت تجعل اللمس يشبه السؤال. الآن اللمس لا يسأل. يمرّ فقط.
البخار يصعد من الطبق. يراقبه — ليس كما كان يراقبه، حين كان البخار يتلاشى قبل أن يصل إلى وجه أمه ويبدو التلاشي كأنه يعنيه وحده. الآن يرى البخار يصعد ويراه يتبدّد ولا ينتظر منه شيئًا. بخارٌ وطبق وهواء ساخن. هذا كل ما في الأمر.
المائدة مستديرة. لا يزال جالسًا عند الثامنة.
لكن الرقم لم يعد يؤلمه بتلك الطريقة التي لا يستطيع تفسيرها. يجلس عند الثامنة كمن يجلس في مقعده في طائرة — رقم، ومكان، وجسد يشغل حيّزًا محددًا — لا أكثر.
الملاعق تصطدم بالصحون. الصوت المعدني القصير، الجاف، يتكرر بنفس الانتظام. لكن شيئًا تغيّر في طريقة السمع. الآن يسمع الصوت — ويسمع ما حوله. الفراغ القصير بين ضربة وضربة. الفراغ الأطول بين اسمه واسم أخيه في الجملة الواحدة. الانحناءة الخفيفة في صوت الأم حين تسأل الآخر عن يومه، والنبرة التي تستوي — تصبح أفقية، بلا قوس — حين تلتفت إليه.
لا ينحني نحو الصوت. لا ينكمش بعيدًا عنه. يسمعه كما يُسمع صوت ماء يجري في أنبوب خلف الجدار: موجود، مستمر، لا يخصّه.
الأب يرفع رأسه. تلتقي العينان للحظة — لحظة لم تكن تحدث من قبل، أو كانت تحدث وهو لا يعرف أن يقرأها. الآن يقرأ. يرى العين التي تنظر ثم تنزلق — لا تهرب، لا تتجنّب — تنزلق فقط، كأن البؤرة لم تثبت. كأن الابن يقع في المنطقة التي تقع فيها الأشياء المألوفة جدًا: موجودة، ومعروفة، ولا تستدعي النظر.
يرى ذلك.
يراه بوضوح مثل من يرى نقشًا على جدار مرّ أمامه ألف مرة ولم يلاحظه إلا حين توقّف.
الفرق — الفرق الوحيد — أنه لم يعد يقف أمام النقش ويسأل لماذا لا يراه أحد. النقش نقش. والجدار جدار. والعين التي لم تُدرَّب على الرؤية لا تُعاقَب على عماها.
الأخ يضحك. الأم تضحك. الأب يرفع زاوية فمه — ليس ضحكًا، لكنه الشكل الذي يصنعه الوجه حين يكون حاضرًا بما يكفي لملاحظة المزحة وغائبًا بما يكفي لعدم الدخول فيها.
يرى كل هذا.
يرى الابتسامة التي تتأخّر حين يتكلم هو — تأخّرًا بالكاد يُلاحظ، نصف ثانية، لكنه يكفي. يكفي ليعرف أن كلامه يصل إلى آذانهم بترددٍ مختلف. ليس أعلى ولا أخفض. مختلف فقط — كأنه يمرّ بترجمة سريعة قبل أن يصبح مفهومًا.
لا يُغضبه ذلك. كان وقتٌ يُغضبه — أو لا، لم يكن يُغضبه تحديدًا، كان يُرطّب شيئًا خلف أضلاعه، يُليّنه، يجعله يتمدّد ببطء حتى يصبح ثقيلًا بما يكفي ليُحسّ به عند البلع. الآن لا شيء يتمدّد. الصدر صدر والأضلاع أضلاع والهواء يدخل ويخرج بإيقاع لا علاقة له بالمائدة.
كان في السابعة — أو الثامنة، والفرق لا يزال لا يهم — حين اكتشف أن الأيدي التي تُطعمك ليست بالضرورة الأيدي التي تراك. الآن يعرف شيئًا أبعد: الأيدي التي لا تراك ليست بالضرورة أيدٍ مقصّرة. بعض العيون صُنعت بزاوية رؤية لا تتسع — لا خبثًا ولا إهمالًا. صُنعت هكذا. والطفل الذي يقف خارج الزاوية يظنّ أن الخلل فيه. يكبر. ويكتشف أن الخلل ليس في أحد.
الأم تمدّ يدها إلى طبق الأخ — تسوّي حافة الملعقة، تمسح قطرة على حافة الصحن بطرف إبهامها. حركة لا تستغرق ثانيتين. ثم تعود اليد. تمرّ فوق طبقه — فوقه، لا إليه — وتصل إلى وعاء الأرز.
القطرة على حافة صحنه لا يمسحها أحد.
الزجاج.
كان يجلس خلفه ولا يعرف. الآن يعرف أنه موجود — يحسّ بسمكه أحيانًا حين يمدّ يده نحو الملح ويلاحظ أن المسافة بين أصابعه والوعاء أطول مما تبدو — لكنه لا يدفعه ولا يكسره. تركه مكانه. ليس لأنه عاجز. لأنه اكتشف أن الزجاج الذي يفصلك عن مائدة لا تراك يصلح أيضًا أن يكون نافذة.
والنافذة تعمل في اتجاهين: هو يرى من خلالها. وهم لا يعرفون أنه يرى.
هو يرى. يرى القوس الذي ترسمه الكلمات فوق رأسه. يرى الابتسامة التي تتأخّر. يرى — يراها وهي تتأخّر. أراها. أرى الابتسامة. هو يمدّ يده إلى الملح. أمدّ — يمدّ يده. أصابعه. أصابعي على الوعاء.
هو —
لا. الوعاء في يدي أنا.
أمّي تسأل أخي عن يومه. أبي يمضغ ببطء. الكلمات تعبر الهواء فوق رأسي بنفس القوس — لكن القوس لم يعد —
هو جالس عند الثامنة.
أنا جالس عند الثامنة. والقوس يمرّ فوقي.
يدي على الطاولة. أضغط بأطراف الأصابع — ضغطة خفيفة، بالكاد — ثم أرفعها. على الخشب خمس بصمات رطبة صغيرة، تغمق لثانية ثم تبهت. أنظر إليها وهي تختفي. لا أضغط مرة أخرى.
أحيانًا أفكّر أنني لو قمت الآن — لو رفعت طبقي وأكلت في غرفتي — لاحتاجوا نفس الدقائق قبل أن يلاحظوا. ربما أكثر. ربما لن يلاحظوا حتى ينتهي العشاء ويرى أحدهم الكرسيّ فارغًا ويقول شيئًا من نوع «يبدو أنه أكل في غرفته.»
هذا لم يعد يُرطّب شيئًا خلف الأضلاع.
والمائدة التي جلست إليها عشرين سنة ولم يرَني فيها أحد — أنا الذي أراها الآن كلّها. أنا الذي يرى الزوايا العمياء والمسارات الثابتة والنبرات التي تنحني لواحد وتستوي لآخر.
وهم لا يعرفون أنني أرى.
الفكّ مسترخٍ. لاحظتُ ذلك قبل قليل — لاحظته لأن عضلة الفكّ لم تطحن. الأسنان لا تضغط على بعضها تحت الطاولة كما كانت. والظهر — ظهري — مستقيم. ليس انتصاب من يحاول أن يُلاحَظ. استقامة من لا يحتاج أن يصغر.
الحلق يبتلع الطعام. الطعام فقط. الكلمات التي كنت أبتلعها مع الأرز وأحشوها بين اللقم — كلمات مثل «أنا هنا» و«هل تسمعني» و«لماذا لا تنظر» — تلك الكلمات لم تعد في الحلق. لم أبصقها ولم أصرخها. ذابت. كأن الجسد أعاد امتصاصها حين لم يعد بحاجة إلى أن يقولها لأحد.
أمدّ يدي إلى الطبق. الطعام لا يزال ساخنًا — ساخن حقًّا هذه المرة، لأنني لم أنتظر أن يصل البخار إلى أحد، ولم أراقب أين يذهب، ولم أقس المسافة بين فمي ووجوههم. رفعت الملعقة حين أردت. وضعت الطعام في فمي حين أردت.
الطعم. طعم الطعام. شيء بسيط جدًا لم أكن أستطيع الوصول إليه حين كان كل شيء في فمي مخلوطًا بطعم الانتظار.
المائدة مستديرة. الأرقام في أماكنها. أنا عند الثامنة.
والعقرب تجاوزها.
الطعام ساخن. وأنا — لأول مرة — أعرف أنني شبعت.
