الفصل الأوّل
غرفةُ الطوارئ — الجَسَدُ على السرير
سَقفٌ أبيضُ، مُضاءٌ بفلورسنت بارد. لا ظِلَّ تحته، لا مَلمحَ يَكسره. مُستطيلاتٌ مُتَراصّةٌ من الضوء، بينها فاصلٌ معدنيٌّ رماديّ، يُشبه عَظمَ سَمكةٍ كبيرةٍ مَفتوحةٍ على ظَهرها. حدّقَ فيه طويلًا قبل أن يُدركَ أنَّه يَنظر.
الرائحةُ تَسبق المعنى: مُعَقِّماتٌ تَتسرَّب إلى الأنف، رائحةٌ كيميائيّةٌ تُشبه طَعمَ حليبٍ مَغليٍّ مَمزوجًا بمسحوقٍ مُرّ. ثمَّ، تحتها، أَعمقَ، أَبردَ، رائحةُ الكلور؛ كأنَّ أحدًا غَسلَ هذا المكانَ مرّةً، ثمَّ نَسيَ أن يُجَفِّفه.
البَردُ ليس في الهواء، بل في السرير نفسه. مَعدنٌ يُلامسُ ظَهرَه عَبر طبقةٍ رقيقةٍ من القماش، يُسرِّب بُرودته. يَتسلَّق البَردُ من الكَتف إلى الفقرة الأولى من الرقبة، يَستقرّ هناك. لا يَستطيع أن يُحَرِّكَ شيئًا ليُعَدِّلَ وَضعَه. لا يَستطيع أن يُحَدِّدَ أين يَبدأ جَسدُه وأين يَنتهي. الكَفُّ ثقيل. الفَخذُ ثقيل. حتى الجَفنُ ثقيلٌ يَصعب التمييز بين كَونه مُغمَضًا أو مَفتوحًا قليلًا.
ثمَّ الصوت.
نَقرةٌ مُنتظمة. حادّةٌ، إلكترونيّة، تَأتي من جهةٍ ما إلى يَمينه. بِيب. صَمت. بِيب. صَمت. كأنَّ هناك إنسانًا خَلفَ ستارة، يَضرب على زجاجٍ صغيرٍ بأُصبعه، يَنقُر ليَتأكَّد أنَّ ما داخلَ الزجاج لا يَزال حيًّا. أحيانًا يَتسارع النَّقرُ قليلًا، فيَشعر بقشعريرةٍ في كَتفه. ثمَّ يَهدأ. الجهازُ لا يَكذب. الجهازُ يَعرف أنَّه هنا.
أصواتٌ أخرى تَتسرَّب من بَعيد. حذاءٌ يَصرّ على أرضيّةٍ مبلَّلة. قِطعةٌ معدنيّةٌ تُلقى في وَعاءٍ مَعدنيٍّ آخر. ستارةٌ بلاستيكيّةٌ تُسحَب على قَضيب. كلامٌ بصوتٍ خافتٍ لا يُمَيِّز منه إلّا التَّكتَكَ والشدَّاتِ على نهايات الكلمات. يَبدو أنَّ النساء هنا يَتحدَّثن أَقلَّ مِمّا يَنبغي، وأنَّ أحدَهم يَبتلع سُعالَه كي لا يُوقظَ أحدًا.
كم من الوقت مَرّ؟ لا يَعرف. الوقت هنا لا يَجري؛ يَتقَطَّر. كلُّ بِيبٍ نُقطة. كلُّ نُقطةٍ تَنزل في دَلوٍ لا يُرى.
ثمَّ حَدثَ شيءٌ ما في الإيقاع.
البِيبُ نفسه يَتغَيَّر. يَحتفظ بنفس البطء، بنفس الانتظام، لكنَّ مَعدنَه يَتحوَّل. كأنَّ شَخصًا أَبدلَ زُجاجَ الستارة بخَشبٍ صغيرٍ مَشغول. صار النَّقرُ أَجَفَّ. صار يَحمل صَدًى داخليًّا، كنَواةِ تَمرٍ تَضرب على عَظم. بِيب — تَقّ. بِيب — تَقّ. حدَّقَ في السقف، فوَجدَ السقفَ ضَبابيًّا. ليس لأنَّ بَصرَه ضَعيف، بل لأنَّ السقفَ نفسَه بَدأ يَبتعد. يَنحسر إلى الخَلف. الفلورسنت يَتلاشى. الرائحة تَتلاشى. البَردُ يَبقى، لكنه يَنتقل إلى نَوعٍ آخر من البَرد.
الصوتُ الجديد يَستقرّ: تَقطقعةُ خَشبٍ على خَشب. حَبّةٌ تَصطدم بحَبّة. مِسبحة.
لا يَدري كيف عَرفَ أنَّها مِسبحة. الجَسدُ عَرف قبل العَقل. شَيءٌ فيه — في عَظم تَرقُوته رُبَّما، أو في السلسلة الأولى من فِقَراته — تَذكَّرَ هذا الإيقاعَ تَذكُّرًا قديمًا.
تَقّ. تَقّ. تَقّ.
حاولَ أن يَفتحَ عَينَيه أكثرَ ليَتأَكَّدَ أنَّه لا يَزال في غُرفة الطوارئ، فاكتشفَ أنَّ عَينَيه — فعلًا — مُغمَضتان. حاولَ أن يَفتحَهما، فوَجدَ الجَفنَ يَثقُل من الداخل لا من الخارج. شَيءٌ يَضغط من تحت، لا من فَوق. شَيءٌ يَجذبه إلى الأسفل، إلى مكانٍ أَبعدَ من السرير، أَعمقَ من المستشفى.
وقبل أن يَنزلق، التقطَ آخر ما وَصلَ إليه: صوتُ الجهاز لا يَزال هناك. لكنَّه أَصبحَ في موقع الضيف. الأصلُ صار التَّقّ.
ثمَّ الظلام.
الفصل الثاني
فَتحُ العَينَين داخلَ المحكمة
الظلامُ لم يَكن طويلًا. لم يَكن أيضًا قَصيرًا. كان ظلامًا بلا زَمن.
ثمَّ — الضوء.
ليس انبثاقًا تَدريجيًّا، ولا فَجرًا يَخترق ستارة. الضوءُ جاءَ دَفعةً واحدة، كأنَّ يدًا في غُرفةٍ خَلف الجدران أَدارتْ مفتاحًا كبيرًا، فأَنارتِ المكانَ كلَّه في الثانية ذاتها. ضَوءٌ أبيض، بارد، لا مَصدرَ له. لا مَصابيحَ في السقف، لا شموعَ على الجدران، لا شَمسَ خَلف نافذة. الضوءُ موجودٌ فقط، كأنَّه قَرارٌ اتُّخذَ في مكانٍ ما، ثمَّ نُفِّذَ هنا دون استشارة.
وَقفَ.
لم يَتذكَّرْ متى وَقف. السريرُ المعدنيُّ لم يَعدْ تحته. القماشُ الرفيع لم يَعدْ يُلامس ظَهرَه. لكنَّ بَردَ المعدن لا يَزال يَسري في فِقَراته. نَظرَ إلى قَدمَيه. حافيتان. الأرضيّةُ تحتهما رخامٌ داكن، أسودَ تقريبًا، يَلمع بلَمعان شَيءٍ مُسحَ بقماشٍ مبلَّلٍ قبلَ دقيقة. تَسرَّبَ البَردُ من الرخام إلى أَسفلِ قَدمَيه، صَعدَ إلى الكاحلَين، تَوقَّفَ هناك.
رَفعَ رأسَه. القاعةُ شاسعة. لا يَستطيع تَحديدَ نهاية الجدران. كلُّ شيءٍ رخامٌ داكن: الأرضيّة، الجدران، الأعمدةُ السِّتَّة المنتصبة على جانبَيه. الأعمدةُ سَميكةٌ كأشجارٍ مُتحجِّرة، تَحمل سَقفًا بَعيدًا جدًّا، بَعيدًا حتى يَصير ضَبابيًّا في الأعلى.
ولا نوافذ. هذا ما لاحَظَه قبلَ كلِّ شَيء. لا نافذةٌ واحدة. الهواءُ في القاعة ثَقيل، مكثَّف.
حاولَ أن يَأخذَ شَهيقًا عَميقًا. الشَّهيقُ احتاجَ جَهدًا. الرخامُ يَأكل الأنفاس.
مَشى خُطوة. الصدى تأَخَّر ثانيةً ثمَّ عاد إليه: نَقرةٌ ناعمةٌ من قَدمٍ حافية، ضَخَّمها الرخامُ كأنَّها وَقعُ حذاءٍ ثَقيل. مَشى خُطوةً ثانية. الصدى مرّةً أخرى. كأنَّ المكانَ يُسَجِّل خُطواتِه ويُعيدها إليه.
في مُنتصف القاعة، تَوقَّف.
أمامه — على بُعدٍ غامض — كان شيءٌ ضَخمٌ مُغطًّى. قِطعةُ قماشٍ سوداء كَبيرة تُغطّي ما بَدا أنَّه مِنصّة. وعلى جانبَيه: صَفّان طويلان من المقاعد الخَشبيّة، مُتراصّةٌ كأنَّها أَسنانُ مِشطٍ مَقلوب. المقاعدُ فارغةٌ الآن، لكنَّها كانت تَنتظر.
نَظَرَ خَلفه. البابُ الذي دَخلَ منه — إنْ كانَ ثَمَّ بابٌ دَخلَ منه — لم يَعدْ موجودًا. الجدارُ الخَلفيّ كاملٌ، أَملس. وفي وَسط الجدار البعيد، كان بابٌ هائلٌ من خَشبٍ داكن، عَرضُه ضِعفُ عَرضِ بابِ بيتٍ عاديّ، وارتفاعُه يَصل إلى السقفِ الضبابيّ. مغلق. البابُ الرئيسيّ. شيءٌ ما أَقنعه أنَّ هذا البابَ لا يُفتَح أَبدًا.
عاد بَصرُه إلى الأمام. خَلفَ المنصّة المُغطّاة بالقماشِ الأسود، كان بابٌ آخر. صَغير. مُنخفض. مُظلمٌ كأنَّه لم يَدخُلْه ضَوءٌ منذ زَمن. هذا الباب، عَرفَ بطريقةٍ ما، يُفتَح كثيرًا.
شَعَرَ أنَّ مكانَه في وَسطِ القاعةِ الفارغة ليس مُصادفة. الرخامُ تحتَه أبردُ من الرخامِ في بقيّة الأرضيّة. وقفَ على بُقعتِه دون أن يَختار. وأَدركَ أنَّه لن يَختار.
تَذَكَّرَ شَيئًا، فجأة، لكنَّه نَسيَه قبل أن يُمسكَه: شَيءٌ عن سرير، عن جهاز، عن نَقرٍ مُنتظم. لم يَعدْ هناك جهاز. لم يَعدْ هناك بِيب. كان هناك — فقط — في مكانٍ ما خَلف القماش الأسود، تَقطقعةٌ خَفيفة، إيقاعٌ ناعمٌ من خَشبٍ على خَشب، يَستمرّ كأنَّه يَعدّ شيئًا.
تَقّ. تَقّ. تَقّ.
وَقفَ في وَسطِ القاعة الشاسعة وَحدَه، لا أحدَ مَعَه، لا أحدَ يَراه، إلّا أنَّ شَيئًا — في مكانٍ ما — كان يُسَبِّح.
الفصل الثالث
القاضي الذي يَرتدي الأب
لم يَلحظْ متى انزاحَ القماشُ الأسود.
في لحظةٍ كان هناك، ساترًا ما تحته، وفي اللحظة التالية كان قد رُفِع، وانكشفَتْ مِنصّةٌ عاليةٌ، شاهقة، لا تُشبه مِنصّاتِ القَضاء التي يَعرفها أحد. كانت أعلى من الواقع. كأنَّ مَن صَمَّمها أرادَ ألّا يُرى وَجهُ مَن سيَجلسُ عليها إلّا بكُلفةٍ جَسديّة.
وأَمامَ المنصّة، على الأرضيّة الرخاميّة، كان ظِلٌّ يَمتدّ نَحوَه. ظِلٌّ طويلٌ، أسود، بَدأ من قاعدة المنصّة، وامتدَّ على الرخام حتى لَمَسَ — تَقريبًا — أَطرافَ قَدمَيه. لم يَلمسها. تَوقَّفَ قبلها بسنتيمتراتٍ قَليلة، كأنَّه يَترك مَسافةَ احترام، أو مَسافةَ انقضاض.
رَفعَ رأسَه.
كان عليه أن يَرفعَه أكثر. ثمَّ أكثر. حتى آلمَتْه الفِقَراتُ في خَلف رَقبته. لكنَّه لم يُنزِلْ رأسَه. لم يَكنِ الأمرُ خِيارًا. ثَمَّةَ شَيءٌ في هندسة المنصّة يقول: مَن نَزَّلَ رأسَه أَقَرَّ بشيء.
في الأعلى، على المنصّة، كان كرسيّ.
كرسيٌّ ضَخم، خَشبُه أحمرُ غامق، ظَهرُه مرتفعٌ كصَدر باب. لكنَّ الجالسَ على الكرسيّ كان أَصغرَ من الكرسيّ. ليس قَصيرًا، ليس صَغيرَ الجَسد، لكنَّ الكرسيَّ يَبتلعُه قَليلًا، كأنَّ الكرسيَّ صُنِعَ لرجلٍ آخر، رجلٍ أكبر، ثمَّ جلسَ هذا فيه على أَملِ أن يَكبر.
عَرفَ الوَجهَ قبل أن يَفصلَ مَلامحه.
الفَكُّ الحادّ. اللحيةُ المُشذَّبةُ بانضباطٍ عسكريّ. والعَبسة. عَبسةٌ موروثة، لا تُفارق الجَبهة حتى في لحظات الصمت.
شَماغٌ أحمر تَقليديّ، وعِقالٌ أسودُ يَقبض عليه فَوق الجَبهة. ومن تحت الشماغ، فَوق الكَتفَين، نَزلَ روبٌ أسودُ طويل، فضفاضٌ كروبِ قُضاةٍ في محكمةٍ بريطانيّة، حافَّتُه السوداءُ المُخمَلة تَتَدلَّى على ذراعَي الكرسيّ. الشماغُ الأحمرُ على روبٍ بريطانيّ.
في يَد القاضي اليُمنى: مِطرقةٌ خَشبيّةٌ صَغيرة، رَأسها مُدَوَّر، قَبضتها مَصقولة. في اليَد اليُسرى: مِسبحة. حَبّاتها سوداءُ كَبيرة، خَشبٌ غامق، الفاصلُ بين الحَبّات مُذَهَّبٌ خَفيف. كانت تَتحرَّك. حَبّةٌ تُسحَب ببطءٍ شديدٍ بإبهام القاضي، تَلتقي بالحَبّة التي تَليها، تَقّ. تَنسَلّ. تَقّ. تَنسَلّ.
كان هذا الصوتَ الذي تَسرَّبَ من ما قبلَ الظلام. وَقفَ تحتَ المنصّة يَستمع إلى أنَّ صوتَ قَلبه هو هذا الذي يَخرج من بين أصابعِ الرجل في الأعلى.
لم يَنظرِ القاضي إليه. ولم يَنطق.
لكنَّ القاعة — التي كانت فارغةً قبلَ لحظات — تَغَيَّرت. بَدأ يَحسّ، دون أن يَلتفت، أنَّ المقاعدَ خَلفه لم تَعدْ تمامًا فارغة. شيءٌ ثَقيلٌ في الهواء يُشير إلى وُجودِ ظُهور. لم يَسمعْ خُطواتٍ، لم يَسمعْ أبوابًا تَنفتح. لكنَّ الهواءَ صار مأهولًا.
تَقّ. تَقّ.
كلُّ تَقَّةٍ مع حَبّة. كلُّ حَبّةٍ تُسحَب، يَستجيب شَيءٌ ما في القاعة. الأعمدةُ السِّتَّةُ تَبدو كأنَّها تَشدّ نفسها قَليلًا. الضوءُ الأبيضُ يَزداد بَياضًا.
ثمَّ تَوقَّفَتْ.
ثبتَ إبهامُ القاضي على حَبّةٍ بعَينها. لم تَعدْ هناك تَقَّةٌ تالية. الصمتُ الذي تَلا التوقُّفَ كان أَسوأَ من الصوت.
ثمَّ رَفعَ القاضي يَدَه اليُمنى.
رَفعَ المِطرقة. ببطءٍ، بثَباتٍ، حتى صارت مُوازيةً لكَتفه. لم يَضرب. لم يَهبطْ بها على شَيء. أَبقاها عاليةً، مُعلَّقةً في الهواء، كأنَّه يَنتظر — يَنتظر شيئًا أَبعدَ منه، شيئًا يأتي من بابٍ جانبيٍّ صَغيرٍ في مكانٍ ما، شيئًا لم يَدخُلْ بَعد.
كان هناك إيقاعٌ في الهواء. شيءٌ قادم.
والمِطرقةُ، عاليةً في يَد القاضي، تَنتظر.
الفصل الرابع
المُدَّعِيَةُ التي تَدخل من الجانب
البابُ الصَّغير انفتح.
لم يَصدُرْ صَوت. لا قَرقَعة، لا احتكاك، لا صَرير. كان البابُ مُغلقًا، ثمَّ صار مَفتوحًا. هكذا.
ثمَّ خَرجَتْ.
لم تَخرجْ في الحقيقة. تَسرَّبَتْ. عَباءةٌ سَوداءُ طَويلةٌ تَطغى على القَدمَين، تَجرُّها خَلفها كذَيلٍ ثَقيلٍ يَكنس الرخامَ من ورائها، فيَمحو أيَّ أَثرٍ لخُطواتها. لم يَكن واضحًا — للحظات — هل ثَمَّ قَدمان تحت العَباءة أصلًا.
ولاحَ الوَجه.
وَجهٌ صَغير. أنفٌ مُمتدٌّ قَليلًا إلى الأمام، يَستبق بَقيّةَ المَلامح. الذقنُ مُتراجع. والعَينان تَتحرَّكان قبلَ الرأس. تَرسُمان نِصفَ دائرةٍ حَولَ القاعة. التقطَتا الأعمدة. التقطَتا المقاعد. التقطَتا البابَ الرئيسيَّ المغلق. التقطَتا — أخيرًا — وُجودَه في وَسط القاعة. مَرَّتِ العَينان عليه كما تَمرّ يدُ مُحاسبٍ على بَنْدٍ ضِمنَ قائمة.
وفي صَدرِ العَباءة، على ارتفاع الخَصر، رنَّ شيءٌ مَرَّةً واحدةً، خفيفًا، معدنيًّا. ثمَّ خَفت. مَفاتيح. كَثيرة. مَخفيّةٌ في طَيّاتِ القماش.
سارت نَحوَ طاولةٍ خَشبيّةٍ صَغيرةٍ على يَمين المنصّة. لم يَرَ الطاولةَ قبل هذه اللحظة. الطاولةُ صَغيرة، مُغطّاةٌ بقماشٍ أسود، عليها مِنصّةٌ صَغيرةٌ لِكُتُب، وكَوبٌ زُجاجيٌّ شَفّافٌ فارغ، ودَوّاسةُ ميكروفون.
وحدثَ الشَّيءُ الذي لم يَلحظْه أحد.
في الأعلى، حَرَّكَ القاضي رأسَه. لم تَكنْ حركة. كانت إشارة. مليمتران. ربَّما أَقلّ. لو لم يَكنْ قد رَفعَ رأسَه عاليًا حتى يُؤلمَه، لما رآها.
والمدَّعية — في الأسفل — قبل أن تَصلَ إلى الطاولة، أَبطأَتْ خُطوةً واحدة. حَرَّكَتْ كَتِفها الأيسرَ مليمترًا واحدًا إلى الخَلف. ثمَّ تابعَت.
ثمَّ — تَقّ. تَقّ.
عادتِ المسبحةُ إلى الحركة.
وصلَتِ الطاولة. وَقفَتْ خَلفها لحظة. ثمَّ مَدَّتْ يَدَها إلى تحت ذَيل العباءة، وأَخرجَتْ ملفًّا.
ملفٌّ بنّيّ. سَميك. الورقُ الذي بداخله مُتخمٌ. أَطرافُ بَعض الأوراقِ تَخرج من الجوانب، صَفراءَ، مَطويّةَ الزوايا.
أَمسكَتْه بكلتا يَدَيها، وحَملَتْه قَليلًا فَوقَ الطاولة، كأنَّها تُقَدِّر وَزنه. ثمَّ وَضعَتْه. أَنزلَتْه أوّلًا من جهةٍ واحدة، فلامسَ الزاويةُ الخَلفيّة من الملفّ سَطحَ الطاولة، ثمَّ تَركَتْه يَنزل بثقله على الزاوية الأخرى، فاستوى. لم يَصدُرْ صَوتُ ارتطام. الورقُ السميكُ امتصَّ الوَقع.
ثمَّ — أخيرًا — رَفعَتِ العَينَين إلى وَجهه مُباشَرة.
نَظرةٌ قَصيرة. ثانيتان. لكنَّ الثانيتَين فيهما حِسابٌ كاملٌ لِما هو مَدينٌ به منذُ يومِ الثلاثاء الماضي.
ولأوّل مرّة، أَدركَ — في عِظام صَدره، لا في ذِهنه — أنَّ ما يُلامس الرخامَ تحت قَدمَيه ليس بَردًا فقط. إنَّه إيقاعُ ميزانٍ بَدأ يُسَجِّل.
الفصل الخامس
المحامي الطفلُ يَتَأخَّر دقيقة
كان من المُفترَضِ أن تُقرأَ التُّهمةُ الآن.
شَعَرَ بذلك في الهواء. الملفُّ على الطاولة. المسبحةُ تَوقَّفَتْ ثانيةً. القاضي خَفَضَ المطرقةَ قَليلًا، أَبقاها عاليةً ولكنْ في زاويةِ استعداد. المدّعيةُ مَدَّتْ يَدَها نَحوَ الملفّ، أَمسكَتْ بحافَّته السفلى بأَطرافِ أَصابعها، لم تَفتحْه بَعد. كانَ في القاعةِ ميزانٌ يَميل، يَنتظرُ آخرَ غَرامٍ ليَستقرّ.
ثمَّ — صوتُ احتكاك.
ليس من الجانب. من الخَلف.
التَفَتَ.
كان البابُ الرئيسيُّ — البابُ الذي لا يُستخدَم، الخَشبيُّ الداكنُ بطول السقف الضبابيّ — يَتحرَّك. لم يَتحرَّكْ كَثيرًا. سَنتيمتران، ثلاثة. لكنَّه تحرَّك. كان هناك شَيءٌ يَدفعه من الخارج.
سَنتيمترٌ آخر. تَوقُّف. ضَربةٌ خَفيفةٌ بكَتفٍ صَغيرٍ على الخَشب. سَنتيمترٌ آخر. ثمَّ سُمعَ صوتُ زَفيرٍ صَغير، حادّ، مُنزعج، ثمَّ صوتُ ركبةٍ تُسنَدُ على الباب، وفُتحَ — أخيرًا — بما يَكفي ليَنسلَّ من الفتحةِ شَيءٌ بحجمِ كرسيٍّ صَغير.
دَخل.
طِفل. سَبع سنوات. ربَّما ثَمان. الطُّولُ يَصل إلى ما يُقارب المتر. لكنَّ الذي دَخلَ لم يَكنْ طفلًا بمعنى ما يُتوقَّع من الكلمة. كان يَرتدي بَدلةً سَوداءَ مُفصَّلةً لمقاسه. ليست بَدلةَ تَنَكُّر. بَدلةُ عملٍ حَقيقيّة، بِبِطانة، بأَزرارٍ مَحبوكةٍ بخَيطٍ مُزدَوج. ربطةُ عُنُقٍ سَوداءُ مَرخيّةٌ على الزرّ الثاني.
في يَده اليُسرى حقيبةٌ جلديّة. صَغيرة. سَميكة. اللونُ بُنّيٌّ مُحمَرّ، الجِلدُ مُتآكلٌ في الزوايا. وفي زاوية فَمه — الزاوية اليُمنى — سيجارٌ غيرُ مُشتعل. بُنّيٌّ غامق، يَمضغه بإيقاعٍ هادئ.
كأنَّ في وقفته شيئًا من رجالِ العصاباتِ في الأفلامِ القديمة؛ كأنَّ البيتَ لم يَرَ فيه طفلًا، بل مشروعَ مُشكلة. أُلبِسَ صورةَ الخطر قبل أن يملكَ خطرًا، وهَيئةَ المُتمرِّد قبل أن يفعل شيئًا. تُرِكَ في الممرّات الضيّقة حتى يَصطدم، ثمَّ صارَ اصطدامُه دليلًا عليه لا عليهم: ها هو المُتمرِّد. ها هو الذي لا يَصلح إلّا للنبذ. ها هو الخطرُ الذي صَنَعوه ليُبرِّروا خوفَهم منه.
تَقدَّم.
خُطواته قَصيرةٌ بحُكم الطول، لكنَّه لم يُهرولْ ولم يَتعجَّل. سارَ كأنَّه يَعرف مَدى المسافة، يَعرف في أيِّ ثانيةٍ يَجب أن يَصل. عَبرَ بين صَفَّي المقاعد الفارغة. عَبرَ قُربَ البقعة التي يَقفُ فيها هو.
فرأى الوَجه.
عَرفَه قبل أن يَفصل. عَرفَه في فِقَراته قبل أن يَعرفه في عَينَيه.
كان الوَجه — ببساطةٍ مُربكةٍ تَقبض على الصدر — وَجهَه هو. لكنْ في سنِّ السابعة. الفَكُّ الذي لم يَتحدَّدْ بَعد. الجَبهةُ الواسعةُ التي تُلقي بظلٍّ خَفيف على العَينَين. الفَمُ المنحرفُ قَليلًا إلى الأَسفل.
تابعَ الطفلُ سَيرَه إلى طاولةٍ صَغيرةٍ ظَهرَتْ على الجانب الأيسر. وَضعَ الحقيبةَ على الطاولة. الجِلدُ ارتطمَ بالخَشب ارتطامًا خَفيفًا، لكنَّ صدى الرخامِ ضاعفَ الصوتَ، فبَدا كأنَّ شيئًا أكبرَ بكثير قد اصطدمَ بشيءٍ أكبرَ بكثير.
التَفَتَ القاضي.
لم يَلتفتْ بالكامل. أَدارَ رأسَه ربعَ التفاتة، عَينُه اليُسرى وَحدَها استقبلَتِ الطفل. لم يَنطق. لكنَّ العَبسةَ على الجَبهة كَبُرَتْ. حاجبٌ واحدٌ نَزلَ مليمترًا.
والمُدَّعية لم تَستلمِ الإشارةَ هذه المرّة. لم تَنظرْ إلى الجانب. كانت تُحَدِّق في الطفل، وفي الحقيبة، بنوعٍ من الانزعاج المُهَذَّب.
فتحَ الطفلُ الحقيبة.
أخرجَ منها — أوّلًا — منديلًا صغيرًا، ومسحَ به سَطحَ الطاولة. ثمَّ ملفًّا أصغرَ من ملفِّ المدّعية، أبيضَ نظيفًا. ثمَّ — أَدخلَ يدَه أَعمقَ في الحقيبة، وأَخرجَ شيئًا يَلمع.
مُسدَّس.
ذَهبيّ.
ليس مُسدَّسَ لُعبة. كان ذَهبيًّا حَقيقيًّا، مَصقولًا. وَضعَ المُسدَّسَ على الطاولة بِجوارِ الملفّ. لم يُهَدِّدْ به أحدًا. لم يَرفعْه. وَضعَه ببَساطةٍ كما يَضعُ المُحامي قَلمَ حِبر.
ثمَّ — وللمرَّة الأولى — أَزاحَ السيجارَ من زاوية فَمه إلى الزاوية الأخرى بحركةِ لِسانٍ مَحسوبة، رَفعَ عَينَيه إلى المنصّة، وأَبقاهما هناك.
لم يَنطق. لم يَنحنِ. لم يَعتذرْ عن التأخير.
مَضغَ السيجارَ مَضغةً واحدة، بَطيئة، وحَدَّق.
في الأعلى، اليدُ اليُمنى للقاضي، التي كانت تَحمل المطرقةَ عاليةً منذُ دخولِ المُدَّعية، اهتزَّتْ — مليمترًا واحدًا — قبل أن تَستقرّ.
الفصل السادس
قراءةُ لائحة الاتهام
عادتِ المسبحةُ إلى التَّقّ.
القاضي لم يَنظرْ إلى الطفل. أدارَ عَينَيه نَحوَ المُدَّعية. والمُدَّعيةُ — التي كانت لا تَزال تَنظر إلى الحقيبةِ الجلديّةِ بقَلق — انتفضَتْ كأنَّ يدًا لمسَتْ كَتفها. أَنزلَتْ أَصابعَها على الملفّ.
فَتحَتْه.
وارتفعَتْ من الفتحة رائحة. ليست رائحةَ ورق. كانت رائحةَ غُرفةٍ مُغلقة، رائحةَ خِزانةٍ خَشبيّةٍ في بيتِ جَدَّةٍ ماتَت، رائحةَ ثيابٍ طُويَتْ ولم يُكشَفْ عنها منذ سنوات. تَسرَّبَتِ الرائحةُ من الملفِّ إلى القاعة، فاصطدمَتْ بأَنفه، فحَدثَ شيءٌ في حَلقه: انقَبَض. ضاق.
بَدأَتْ تَقرأ.
لم تَرفعْ صَوتَها. كان الصوتُ خَفيضًا، رَتيبًا. لكنَّ الرخامَ حَملَ صَوتَها بأَمانةٍ غريبة، وكَبَّرَه.
«المتَّهم. وُلدَ في الساعةِ الثالثةِ وسَبعَ عَشرةَ دقيقةً من فَجر يومِ الأحد. الديون منذ تلك اللحظة: قَيدُ التحصيل.»
تابعَتْ.
«التُّهمةُ الأولى: امتناعٌ عَمديٌّ عن الانعكاس. الإخلالُ بمواصفاتِ المرآة المتعاقَدِ عليها ضِمنًا في عَقد الانتماء. ظُهور المتَّهمِ بمَلامحَ لا تُطابق الصورةَ المعتمَدةَ من المنصّة، ولا الصورةَ المعتمَدةَ من الادّعاء.»
«التُّهمةُ الثانية: إساءةُ استعمال الوَعي. النَّظَر إلى الأشياء بأسمائها قبلَ أن يُؤذَنَ له بذلك. تَسميةُ الفِعل فِعلًا، والصمتِ صمتًا، والمَيلِ مَيلًا، خلافًا لقانون التَّسمية المعتمَد في النظام الداخليّ.»
«التُّهمةُ الثالثة: المطالبةُ بحقٍّ خارجَ طُقوسِ الطاعة. تَقدُّم المتَّهمِ بطَلبٍ ماليٍّ صَريح، دون المرور ببَوَّابات الخُضوع المعتادة، ودون التَّمهيد بصياغةٍ تَحفظ ماءَ وَجه المنصّة. يُعدّ هذا انتهاكًا للمادّة السابعة من قانون البِرّ المشروط.»
عند كلمةِ «البِرّ» — في الأسفل — حَرَّك الطفلُ السيجارَ من زاوية فَمه إلى الزاوية الأخرى. مَدَّ يَدَه، لَمسَ مَقبضَ المسدسِ الذهبيّ. لم يَرفعْه. تَركَ أَصابعَه تَستريح هناك.
اهتزَّتْ يَدُ القاضي بالمسبحةِ اهتزازةً صَغيرة.
«التُّهمةُ الرابعة: التَّوقُّفُ عن الشَّرح. استخدامُ المتَّهمِ حقَّ الصمت والانسحاب بصورةٍ مُتعمَّدة، ممّا أدّى إلى انخفاضِ الإمدادِ اليوميّ من التبرير، وما تَبعَ ذلك من نَقصٍ في حِصّة الادّعاء من الوَقود المعتاد.»
تابعَتْ. كلُّ تُهمةٍ تَتدلّى بَعدها التُّهمةُ التي تَليها. الورقةُ بين أَصابعها — تلكَ التي بَدَأَتْ تَقرأ منها وهي تَرتفع إلى مستوى عَينَيها — صارت تَنزل. مع كلِّ تُهمةٍ، تَنزل مليمترًا. كأنَّ ثِقلَ ما هو مكتوبٌ يَجذبها.
تابعَتْ. تابعَتْ. كلُّ تُهمةٍ أَحدُّ من سابقتها. كان الملفُّ يُوحي بأنَّه لا يَنتهي.
ثمَّ — التَّاسعةَ عَشرة.
«تُهمةُ حَملِ جَسدٍ يَعرف قبل العَقل. السماحُ المُتعمَّد لليَد بالقَبضِ على الكوب بقُوّة، وللجِلد بالبَرد، وللساعد بالتَّيَبُّس، قبلَ أن يَمنحَ العَقلُ تَصريحًا رَسميًّا بالشُّعور بالاستغلال. لأنَّ الجَسد — في نظامنا — لا يَنطق. الجَسدُ يُطيع.»
عند هذه التُّهمة، تَوقَّفَ الطفلُ عن مَضغ السيجار. عَينُه هَبطَتْ — للحظة — إلى يَدَي البطل. ثمَّ عادتْ إلى الأعلى.
كانت الورقةُ بين أَصابعِ المُدَّعية قد بَلغَتْ أرضَ الرخام. لمسَتْ. ولم تَتوقَّفْ هي عن الكلام.
وحين انتهَتْ — أخيرًا — رَفعَتْ يَدَها. ارتفعَتِ الورقةُ معها كأنَّها لم تَلمسِ الأرضَ قطّ. تَسرَّبَتْ إلى داخلِ الملفّ. أُغلقَ الملفّ.
سادَ صَمت.
التَفَتَتِ المُدَّعيةُ نَحوَه. وقالت:
«ما لديكَ من قَول؟»
الفصل السابع
الدليلُ الأوّل — السيّارةُ والحقُّ الماليّ
قبلَ أن يَنطقَ بشَيء، رَفعَ الطفلُ يَدَه.
لم يَقُمْ. ظلَّ جالسًا في كرسيّه الصَّغير. رَفعَ يَدَه اليُسرى — يَدَ غَير ممسكةِ السيجار — وحَرَّكَها حركةَ مَن يَطلب الكلمة. لم يَعتذر. اكتفى برفعِ اليد. ثمَّ، وقبل أن يَأذنَ له أحد، أَنزلَها إلى الحقيبة، وأَخرجَ منها قِطعةَ قماشٍ بَيضاء، وَضعَها على الطاولة بعَناية، ثمَّ نَظَرَ إلى المُدَّعية، ثمَّ إلى القاضي، ثمَّ إليه. وأَشارَ بسبَّابته الصَّغيرة إلى الفُسحةِ الشاسعة بين الطاولتَين.
كأنَّه قال: مَهلًا. الأدلّةُ أوّلًا.
وفي الأعلى، أَومأَ القاضي. ليس مليمترَين هذه المرّة. أَومأَ بحركةٍ كاملة.
التَفَتَتِ المُدَّعيةُ إلى بابٍ صَغيرٍ في زاويةٍ لم يَرَها قبل ذلك، ولوَّحَتْ بأَصابعها لَوحةً قَصيرة. تَحرَّكَ شَيءٌ خَلف الباب.
ثمَّ، من دون أن يَفتحَ الباب، ظَهرَ الشَّيءُ في وَسط القاعة.
لم يَدخل. ظَهر. كأنَّه كان موجودًا منذ البداية، تحت طبقةٍ من الإهمال السرديّ، فكُشفَتِ الطبقة.
سَيّارة.
عَرفَها قبل أن يَنظرَ إليها مَرَّتَين. كانت سيّارته. تلكَ التي اشتَراها بمالٍ من حَقّه — ذاكَ الذي قِيلَ له إنَّه ليسَ حَقَّه.
السيّارةُ في وَسط القاعة. عَجلاتُها على الرخام. الزجاجُ الأماميّ غُبارٌ خَفيف. المصباحُ الأيسرُ مَكسورٌ من الزاوية. لا أحدَ في المقعدِ الأماميّ.
والرائحة. رائحةُ زَيتِ المحرّك تَملأ القاعةَ فجأةً. دَفعةٌ واحدة. الرخامُ — للمرَّة الأولى — لم يَستطعْ أن يَبتلعَها. الزَّيتُ أَقوى من الرخام.
في الجانب، نَظَرَ الطفلُ إلى السيّارة. لم يَكنْ في نَظرته دَهشة. حَرَّكَ السيجارَ إلى الزاوية الأخرى، ثمَّ أعادَ عَينَيه إلى ملفِّه الأبيض.
ثمَّ — قَطرة.
نَزلَتْ من تحتِ المحرّك. سَوداءُ ثَقيلة. سَقَطَتْ على الرخام الداكن. السوادُ على السواد. لم يَلحظْها أحد. إلّا أنَّه هو رآها.
«الدليلُ الأوّل»، قالتِ المُدَّعيةُ بصوتٍ مُتعَب، «اقتناءُ المتَّهم لمَركبةٍ خاصّةٍ بمالٍ يَعتبره حَقَّه، بينما يُعتَبَر في النظام الداخليّ مالَ النظامِ نفسه. السيّارةُ شاهدةٌ على المُخالَفة.»
أَرادَ — لمرّة — أن يَفتحَ فَمه. أن يقول: السيّارةُ ليست شاهدًا. السيّارةُ شيء. لكنَّه أَحسَّ، حتى قبلَ أن يَنطق، أنَّه لو نَطَق، لكان هو — هو — مَن يَتورَّط في معاملة السيّارة كشاهد. صَمتُه عنها أَبقاها مَعدنًا.
وفي الأعلى، نَطَقَ القاضي للمرّة الأولى.
«إنَّ المطالبةَ بمالٍ من الأب — مهما كانت مَشروعيّتُه القانونيّة — تَدخل في باب العقوق من الدرجة الأولى. لا يُعتدّ بالقانون المَدنيّ هنا. هذه محكمةُ بِرّ. والمالُ في البِرّ لا يُطالَب به؛ يُمنَح. ومَن يُطالِب، فقد كَسرَ شَرطَ العَطاء.»
سَكَت.
سَكَتَ هو أيضًا.
سَقَطَتْ قَطرةٌ ثانية. سَوداءُ على سَوداء. كَسرَتِ الضوءَ. عَكسَتِ السقف.
والسيّارةُ — في صَمتها — كانت تقولُ شَيئًا واحدًا: لقد دفعتُ ثَمنَكَ مَرَّتَين، يا صاحبي. مَرَّةً حين اشترَيتَني. ومَرَّةً حين أَحضَروني إلى هنا.
الفصل الثامن
شاهدٌ من غَير البَشَر — المفتاحُ والكوب
السيّارةُ لم تَختفِ.
تَركَها أحدُهم — أو لم يَتركها أحد — في وَسط القاعة. صارت جزءًا من المشهد.
وَضعَتِ المُدَّعيةُ يَدَها في طَيّةٍ من العَباءة. الحركةُ كانت بَطيئةً، طَقسيّة. ثمَّ خَرجَتِ اليد.
في يَدها مفاتيح.
عَناقيد. ربَّما عشرون مفتاحًا. ربَّما أكثر. مَنوطةٌ بحلقةٍ معدنيّةٍ كَبيرة.
رَفعَتْها. مَدَّتْ ذراعَها بالكامل، حتى صارتِ المفاتيحُ على ارتفاعِ كَتفها، ودَلَّتْها هناك. لم تُحَرِّكْها. لكنَّ المفاتيحَ — تحت ثِقَل بَعضها — كانت تَدورُ ببطءٍ حَولَ نفسها.
في الجانب الآخر، رَفعَ الطفلُ السيجارَ من فَمه نِصفَ سَنتيمتر. نَظَرَ إلى المفاتيح. لم يَنطق.
قالت:
«شاهدتي الأولى من غَير البَشَر: مَفاتيحُ المستودَع.»
«تَشهد هذه المفاتيحُ على إخلاص الادّعاء في الرعاية. كلُّ مفتاحٍ منها يَفتحُ بابًا. كلُّ بابٍ منها يَدخل على ما يَحتاجه أهلُ البيت. لم يَطلبْ أحدٌ شَيئًا إلّا فُتحَ له باب. ولم يَفتحْ بابٌ إلّا بَعد أن تَستلمَ الادّعاءُ المفتاح.»
شَعَرَ بأنَّ يَدَه — اليُسرى — تَتحرَّك وَحدها. كانت قد ارتفعَتْ من جَنبه دون أن يَطلب. كأنَّها تُريد أن تَلمسَ شَيئًا أَمامه، شَيئًا لا يَراه. ردَّها.
«شاهدتي الثانية»، قالت.
أَشارَتْ إلى شيءٍ على طاولتها. الكوبُ الزجاجيُّ الشَّفّاف الفارغ. الصَّغير. على حافّة الطاولة. يَلمع تحت الضوء.
«هذا الكوب»، قالت، «كان يومًا في يَد المتَّهم يُقَدِّمُه إلى الادّعاء. ماءً باردًا، صَباحًا، قبلَ النوم، كلَّ يومٍ في فترة. شاهدُ بِرّه — في تلك السنوات — من أَمتنِ شُهودي. لكنَّه، يا سيادة، تَوقَّفَ عن تَقديمه.»
والكوبُ — وكان يَنظر إليه — كان شَفّافًا. لكنَّ شَيئًا في زاويةٍ منه يَلمع كأنَّ فيه ماءً لا يُرى.
في الجانب الآخر، تَوقَّفَ الطفلُ عن مَضغ السيجار. السيجارُ ثابتٌ في زاوية فَمه، غَيرُ مُتحَرِّك. عَينه على البطل.
ثمَّ، قبل أن يَستوعبَ كيف، كان الكوبُ في يَده.
لم يَتحرَّكْ هو ليَأخذَه. لم تَرفعْه المُدَّعيةُ نَحوَه. كان في يَدها، ثمَّ كان في يَده.
ووَجدَ نفسَه — في الثانية التي تَلَتْ — يَقبض بقُوّة.
ليست قَبضةً عاديّة. كانت قَبضةَ يَدٍ تَخاف أن تُفلتَ شَيئًا. أَصابعُه التَفَّتْ على الزجاج، المَفاصلُ ضَغَطَتْ، ثمَّ ضَغَطَتْ أكثر، حتى رأى — في ظَهر يَده — كيف بَدأ اللونُ يَنسحب من الجِلد المُلتوي على العَظم. تَحوَّلَتْ قَوسةُ الإصبع إلى بَياضٍ يُشبه بَياضَ ورق.
لم يَتذكَّرْ أنَّه أمرَ يَده بهذا. لم يَكنْ غاضبًا. لم يَكنْ خائفًا. لم يَشعرْ — في عَقله — بأيّ شَيءٍ يَستحقّ هذه القَبضة.
لكنَّ يَده عَرَفَت.
عَرَفَتْ شَيئًا قبل أن يَعرفَه هو.
وفي الجانب الآخر، عَينُ الطفل تَهبط. تَنزل من وَجه البطل إلى يَده. تَستقرّ على المَفاصل البَيضاء. تَبقى هناك.
الكوبُ بارد. باردٌ بطريقةٍ ليست في طبيعته. تَسرَّبَ البَردُ من الزجاج إلى مَفاصل الأصابع، صَعدَ في الساعد، استقرَّ في الكَتف.
«ترى، يا سيادة»، قالتِ المُدَّعيةُ بصوتٍ ناعم، «اليَدُ تَتذكَّر.»
أَفلتَ الكوب.
لم يُسقطْه. أَنزلَه. لكنَّ يَدَه — في لحظة الإفلات — اهتزَّتْ.
ودَفعَ الطفلُ ملفَّه الأبيضَ مليمترًا واحدًا إلى الأمام. لم يَنظرْ إلى أَحدٍ وهو يَفعلها. لكنَّ المليمترَ كان كَلامًا.
الفصل التاسع
هَيئةُ المُحلَّفين التي لا تُشبهه
نَقرَ القاضي بإصبعه الإبهامِ على إحدى حَبّات المسبحة نَقرةً مختلفة، أَخفّ، كأنَّه يَطرق على شَيءٍ كان مُغطًّى. وانتقلَ الضوء.
لا، لم يَنتقل. ازداد في مكانٍ، وخَفَتَ في آخر. بُقعتانِ على جانبَي القاعة كانتا مُعتمَتَين أُضيئتا فجأةً.
التَفَتَ.
اثنا عَشرَ.
اثنا عَشرَ مَقعدًا في صَفَّين، ستّةٌ من جهة، ستّةٌ من جهة. كلُّ مَقعدٍ مأهول.
في الجهة اليُمنى ستّةُ وُجوه. وُجوهٌ صامتة. ظُهورٌ مُتصلِّبة. الفَكُّ نَفسه. الزاويةُ نَفسها بين الذقن والعُنق. اللُّحى مُشذَّبةٌ بالطريقةِ نفسها، كأنَّ الستّةَ تَركوا مِسطرةً واحدةً وتَداولوها فيما بينهم. وعلى الجِباه: العَبسة. العَبسةُ نفسها. الموروثة. الموزَّعة.
في الجهة اليُسرى ستّةُ وُجوهٍ أُخرى.
هؤلاء يَتحرَّكون. يَهمسون. الستّةُ يَميلون قَليلًا إلى الأمام. أنوفٌ مُمتدَّةٌ قَليلًا إلى الأمام. ذُقونٌ مُتراجعة. عيونٌ تَتحرَّك قبل الرؤوس.
كأنَّه يَنظر إلى ستّةِ نُسَخٍ من الأب، وستّةِ نُسَخٍ من الأم.
أدارَ بَصرَه عَبر الصَّفَّين ببطء. وَجهًا وَجهًا. كان يَبحث عن شَيء.
عن مَلمحٍ واحد. عن طريقةٍ في انحناءِ زاويةٍ ما من فَم. عن نَوعٍ من النظرة يُشبه نَظرته. عن أيِّ شَيء.
لم يَجد.
لا في الجهة اليُمنى. لا في الجهة اليُسرى. لا في وَجهٍ من الإثني عَشرَ وَجهًا. لا واحد.
شَيءٌ في صَدره — هَدأ. لم يَتسارعْ. لم يَتكسَّرْ. هَدأ.
نَظرَ إلى يَدَيه. فارِغتان.
ثمَّ، بحركةٍ لم يَختَرْها، التَفَتَ إلى الجانب الآخر.
إلى الطفل.
كان الطفلُ يَنظرُ إليه. عَينٌ في عَين. السيجارُ في زاوية فَمه، ثابت. الوَجهُ الصَّغير لا يَبتسم، لا يَتحرَّك.
يَتيمٌ — هَمسَ شيءٌ في صَدره، كَلمةً واحدةً، لم يَنطقْ بها. لم يَكنْ يَتيمًا بمعنى أنَّ والدَيه ماتا. والداه في القاعة. وكان — رَغمَ كلِّ ذلك — يَتيمًا.
اليُتمُ الذي لا يَجد له اسمًا في القانون.
وفي الأعلى، نَقَرَتِ المسبحةُ نَقرةً مختلفةً مرَّةً ثانية. أَخفَتَ الإضاءةُ في جهة المُحلَّفين. عادتِ القاعةُ إلى ضَوئها الموحَّد.
الفصل العاشر
كرسيُّ المرآة — الكرسيُّ الثالثَ عَشَر
بين الستّة في اليمين والستّة في اليسار، كانت هناك مَسافة. هِبةُ مترٍ. فاصلٌ فارغ.
ثمَّ — تَحرَّكَ الضوءُ مرَّةً أخرى.
بُقعةٌ صَغيرة، دائريّة، ساطعة، نَزلَتْ من السقف الضبابيّ. وضعَتْ نَفسها في وَسط ذلك الفاصل.
كرسيٌّ.
كرسيٌّ خَشبيٌّ صَغير. لم يَكنْ مأهولًا. كرسيٌّ ثالثَ عَشَر، فارغ، يَقفُ بمفرده في الفاصل بين الصَّفَّين. الخَشبُ لمعَ كأنَّه دُهنَ مرَّتَين. ذراعا الكرسيّ مَصقولتانِ صَقلًا أَنعَمَ من بقيّة المقاعد.
شَعَرَ به. لم يَلمسْه، لم يَقتربْ منه. لكنَّه شَعَرَ بالكرسيّ كما يَشعر المرءُ بنَظرة شَخصٍ على ظَهره.
«كُرسِيُّك»، قال القاضي.
«كُرسِيُّك. حين تُقَرِّرُ أن تَكونَ مرآةً، اجلسْ فيه. لا أكثر. لا أَقلّ. الكرسيُّ ليس عقابًا. الكرسيُّ مكانُك. حين تَجلسُ فيه، تَكتمل الدائرة.»
ووَجدَ نفسَه — بَلا قَرارٍ منه — يَخطو خُطوةً نَحوَ الكرسيّ.
خُطوةً واحدة. صَغيرة.
في الجانب الآخر، رَفعَ الطفلُ يَدَه — يَدَه الخالية من السيجار — ووَضعها على صَدره. كَفّاه الصَّغيرتان، الواحدةُ فَوق الأخرى، في وَسط القميص الأسود.
لم يَقُلْ شَيئًا. لكنَّ الإشارة كانت كَلامًا:
هنا.
شَعَرَ بشيءٍ يَنزل في حَلقه. شَيءٌ ثَقيل. ابتلعَه. ابتلعَه ليُبقيَه في الداخل، لا ليَتخلَّصَ منه. الذي ابتلع كان رَغبة. رَغبةً صَغيرة، خَبيثة، لَذيذة، رَغبةَ أن يَتقدَّمَ خُطوتَين أُخرَيين، أن يَجلس، أن يَترك ظَهرَه يَستند إلى الخَشب المَصقول، أن يَكونَ، أخيرًا، الثالثَ عَشَر. أن يُهَنَّأ. أن يَخمدَ التَّقّ.
تَراجَعَ خُطوة.
لم تَكنْ تَراجعًا واعيًا. القَدمُ الأولى — التي تَقدَّمَتْ — لم تَتقدَّمْ خُطوةً ثانية. سَحبها إلى مكانها. لم يَستدِرْ. ظلَّ يَنظر إلى الكرسيّ. لكنَّ القَدمَ بَقيَتْ على بُعدها الأوّل.
والمسبحةُ في الأعلى، في تلك اللحظة، تَوقَّفَت.
ليس لأنَّ القاضي قَرَّرَ إيقافها. كأنَّها — بنفسها — أَفلَتَتْ من الإبهام على حَبّةٍ بعَينها. ولم يَتمكَّنْ من استعادة إيقاعها. حاولَ — في الأعلى — أن يَدفعَ الحَبّةَ التالية. لم تَتدحرج. شَيءٌ في المسبحةِ علِق.
ابتلعَ ريقَه.
شَعَرَ — للمرّة الأولى — أنَّه يَستطيع أن يَبتلع.
الفصل الحادي عَشَر
مرافعةُ الادّعاء — أَربعةٌ وثلاثون عامًا من الذنب
لم يَتركِ الكرسيُّ مكانه.
بَقيَ في وَسط القاعة، تحت بُقعة الضوء، فارغًا. وفي الأعلى، حاولَ القاضي للمرّة الثالثة أن يَستردَّ إيقاعَ المسبحة. تَدحرجَتْ حَبّة. ثمَّ تَوقَّفَتْ. ثمَّ تَدحرجَتْ.
ثمَّ نَهضَتِ المُدَّعية.
لم يَلحظْ متى تَركَتْ كرسيَّها. كانت جالسة، ثمَّ صارت واقفة. الفِعلُ نفسه — النُّهوض — حُذفَ من المشهد.
كانت الآن خَلفَ طاولتها مباشرة. يَداها على حافّة الخَشب. الملفُّ البنّيُّ السميك مَفتوحٌ أمامها على الصفحةِ الأخيرة. لم تَنظرْ إليه. كانت تَنظر إلى الكرسيّ الفارغ.
«السيّداتُ والسادة»، قالت.
«ما يَقفُ أمامكم اليوم ليس متَّهمًا. ليس خَصمًا. هو ابن. وقفَ أمامي، أنا التي حَملَتْه أربعةً وثلاثين عامًا — لا تِسعَ شُهور، أربعةً وثلاثين عامًا — من الحَملِ المُمتَدّ. لأنَّ الأمَّ، يا سيّداتُ وسادة، لا تَلِد مرَّة. تَلد كلَّ يوم. تَلد في كلِّ مرَّةٍ يَخرج من الباب. تَلد في كلِّ مرَّةٍ يَتأخَّر. تَلد حين يَكتب. تَلد حين يَصمت.»
«هذا الابن وُلدَ في الثالثة والربع وثلاثِ ثوانٍ من فجر يومِ الأحد. أَحفظ هذه الثواني. أَحفظها كما يَحفظ غَيركم تَواريخَ مَيلادهم. لا فَخر. أُمومة. الأمومةُ، يا سيّداتي وسادتي، حِسابٌ بالثواني.»
«في يَومه الثاني والأربعين، أَصابه ارتفاعٌ في الحَرارة. مَشيتُ ثلاثَ كيلومترات إلى الطبيب. ثلاثة. حُسبَتْ. مُسجَّلة. الكيلومترُ الثالثُ — تحديدًا — كان فيه أَلمٌ في فِقرتي القَطنيّةِ الرابعة، أَلمٌ لم يَزلْ معي، حُسبَ على هذا الابنِ مع فائدةٍ مُركَّبة.»
«في عامِه الرابع، شَربَ من كوبٍ كان من نَصيب أُخته. لم يَكنْ كوبًا واحدًا. كان كوبَ كذا، في يومِ كذا، الساعة كذا. أَبقَيتُ الأمر. لم أَنطقْ به. لم أَلُمه. لكنَّ الأمَّ، حين تَرى ابنها يَأخذ ما لأخته، تَتذكَّر. التَّذكُّر، يا سيّداتُ وسادة، ليس انتقامًا. التَّذكُّر صيانة.»
في يَد الطفل في الجهة الأخرى، تَحرَّكَ السيجار. نَظَرَ إلى يَدَيه نَظرةَ مَن يَحفظ شَيئًا.
«في عامه السادسَ عَشَر، كَتبَ نَصًّا. النَّصّ في الملفّ، تحت رَقم ج‑سبعةَ عَشَر. النَّصّ ليس أَدبًا. ما يَكتبه ابنٌ في دَفترٍ تحت سَريره ليس أَدبًا. هو إفشاء. هو نَقلُ ما يَخصّ الداخلَ إلى الخارج، ولو كان الخارجُ ورقًا. ولو كان الورقُ مَطويًّا. ولو لم يَقرأْه أحد. النيّةُ كافية.»
شَعَرَ بشيءٍ يَنزل في معدته. شعورٌ قَديم كان يَأتيه كلَّ مرَّةٍ يَكتشف أنَّ شَيئًا كَتبَه قد قَرأَهُ شَخصٌ لم يَأذنْ له.
«في عامه التاسعَ عَشَر، طَلبَ ميراثَ جدّته. مالٌ، يا سيّداتُ وسادة. ولم يَطلبه عَبر بَوّابة. لم يَجلسْ بين العَشاء والقَهوة ليَستأذن. لم يَنحنِ. لم يَقُل: لو سَمحتم. قال: حَقّي. كَلمةً تَخرج من فَم ابنٍ كأنَّها مِسمار. كأنَّها لا تَدخل في خَشبٍ بل في صَدر والد.»
«وفي عامه السابعَ والعشرين، اشترى سيّارة. تلك. التي تَرَونها أمامكم. اشتراها بمالٍ يَعتبره ماله. اشترى دون نَظرة. اشترى دون مَوكب. اشترى وَحدَه. وذَهبَ بها وَحدَه. وعَلَّقَ مَفاتيحَها على مِسمارٍ في غُرفته، لا في خِزانة المنزل.»
كانتِ السيّارة — في وَسط القاعة — كأنَّها تَنكَمش تحت الكلام. قَطرَتْ — مرَّةً ثالثة — قَطرةَ زَيت.
«وفي عامه الحادي والثلاثين، حَدثَ ما لا تَستطيع أُمٌّ أن تَعفوَ عنه: تَوقَّف. تَوقَّفَ عن الشَّرح. كان قَبلَ ذلك يُبَرِّر. كان يَعتذر. بَعدها، صار يَسكت. سَكتَ كأنَّه ليس هنا. سَكتَ كأنَّه ضَيف. هذا، يا سيّداتُ وسادة، هو الفِعلُ الذي لا يُغتَفَر. ليس الكلمةَ الجارحة. ليس المالَ المَطلوب. السكوت.»
ومع كلمةِ «السكوت»، أَدخلَتْ يَدَها إلى الملفّ، وأَخرجَتْ — بحركةٍ غَير مُهَذَّبةٍ هذه المرَّة — حِزمةً من الأوراق.
أَوراقٌ صَفراء. مَطويّةُ الأَطراف. عَشراتٌ منها. خَطُّه على بَعضها.
رَفعَتِ الحِزمة، ثمَّ — فَتَحَتْ يَدَها.
تَطايَرَتِ الأوراق.
ليس كاملًا. سَقَطَتْ. سَقَطَتْ ببطءٍ، كأنَّها مُخَدَّرة. ورقةٌ تَهبط، تَلتقي بورقة، تَنزلق على الرخام كأنَّها تَتمدَّد على رخامها هي. صوتُ سُقوطها مع الرخام كان كصَوت مَطرٍ جافّ. وعلى الرخام بَدتْ صُفرتُها أَوضح.
وَقفَ يَنظر إلى الأرض.
كَلِماتُه. سُطورُه. جُملةٌ — قَرأَها من بَعيد، رَغمَ أنَّ خَطّه لا يُقرأ بسُهولة — قالت: «سأَخرج، ولن أَعودَ بنفسِ الجِلد.» كان في الخامسةَ عَشَرة حين كَتبها. لم يَكنْ يَعرف بَعد ماذا تَعني. الآنَ يَعرف. الآنَ تَعرفه الأرضيّة.
«هذه أوراقُه. هكذا يُسَمِّيها: كتابة. أمّا أنا فأقرَؤها كما هي: خُطّةُ خروج. تَفضَّلوا، يا سيّداتُ وسادة، اقرَؤوا. هل ما في هذه الأوراق كتابةٌ، أم انفصال؟ في قانون البيت، الذي يَنفصلُ في صَمت يَجلسُ أوّلًا مع الأمّ، يَشربُ الشاي، يُقرّ، يَتلَقّى العَفو. أمّا أن يَكتبَ المرءُ على ظَهرِ فاتورةٍ أنَّه سيَخرج بجِلدٍ آخر، فهذا ليس انفصالًا. هذا مَخطَّط.»
سَكَتَتْ.
وفي الجانب الآخر، الطفلُ — يَدُه عادتْ إلى صَدره. الكَفّ على الكَفّ. وَجهُه الصَّغير يَحمل تَعبيرًا حُزنُ مَن يَرى كَلامَه القَديمَ يُقرأ ضِدَّه.
«وأَختم بسُؤالٍ واحد. ما الذي يَتطلَّبه أن يَكتبَ ابنٌ على ظَهرِ فاتورة: سأَخرج، ولن أَعودَ بنفسِ الجِلد؟ هل وَهَبتْه الأمُّ جِلدًا سيِّئًا، يا سيّداتي وسادتي؟»
والورقُ على الأرض، عند قَدمَيه، يَلمع صُفرةً تحت الضوء الأبيض.
والكرسيُّ الثالثَ عَشَر، عن يَمينه، تحت بُقعة الضوء، لا يَزال فارغًا.
والمسبحةُ في الأعلى، أَخيرًا، عادتْ إلى الإيقاع. تَقّ. تَقّ. لكنَّ التَّقّ — هذه المرَّة — صار له صَدًى آخر، أَخفَتَ من قَبل، كأنَّ الحَبّاتِ نفسها فَقَدَتْ قِسمًا من رَنينها.
الفصل الثاني عَشَر
مرافعةُ الدفاع — الطفلُ الذي عَرف
نَهضَ الطفل.
لم يَنهضْ من كرسيّه. كرسيّه كان أَصغرَ من أن يَنهضَ منه بكرامة. وَقفَ على الكرسيّ. صَعدَ بقَدمَيه الصَّغيرتَين على المَقعد الخَشبيّ، فرَفعَ نفسَه إلى ارتفاع الطاولة. هكذا فقط استطاعَ أن تَلتقي عَيناه بعَينَي القاضي.
في الأعلى، حَرَّكَ القاضي رأسَه ربعَ حركة، كأنَّه يَحتجّ. لكنَّه لم يَنطق. كانتِ المسبحةُ في يَده تَمضي ببطءٍ مَفقود الإيقاع.
الطفلُ نَزعَ السيجارَ من فَمه.
تَركَه بين أُصبعَيه الإبهامِ والسَّبّابة، رَفعَه قَليلًا، نَظَرَ إليه نَظرةَ مَن يَتفقَّد سلاحَه قبلَ مَعركة، ثمَّ أَعادَه — لا إلى فَمه — بل إلى زاوية الطاولة المَفروشةِ بالقماش الأبيض. وَضعَه بعَنايةٍ كأنَّه يَترك شَيئًا أَمينًا لشَخصٍ سيَأتي لاحقًا.
ثمَّ تَكَلَّم.
كان الصوتُ صَوتَ طفل. لم يَتظاهرْ بصَوتِ كَبير. لكنَّ الذي خَرجَ من ذلك الصوتِ الصَّغير كان كلامًا لا يَخرج من فَم سَبع سنوات.
«حضرةَ القاضي.»
تَوَقَّف. أَدارَ عَينَيه على القاعة. الستّةُ في اليمين. الستّةُ في اليسار. الكرسيُّ الفارغ في المنتصف. السيّارة. الكوب. الأوراقُ الصَّفراء على الأرض. ابتسمَ ابتسامةً صَغيرة.
«قبلَ كلِّ شَيء، أَعتذر عن التأَخّر. الباب — كما لاحَظتم — ثَقيل.»
سَكَت. لم يَضحكْ أحد. لكنَّه لم يَكنْ بحاجةٍ لها.
«حضرةَ القاضي»، أَعاد، صوتُه أكثرَ تَركيزًا، «لن أُفَنِّدَ التُّهم. التُّهم، باحترامٍ شديدٍ للزميلة الموقَّرة، تُفَنَّد في محكمةٍ أُخرى. لا أَعتقد أنَّ هذه المحكمةَ مُؤَهَّلةٌ للنَّظر في صحّة التُّهم.»
في الأعلى، اهتزَّتْ يَد القاضي بالمطرقة.
«اِجلسْ»، قال.
ولم يَكنْ صَوتُه أعلى من قَبل. لكنَّ كلمةَ «اِجلس» — في صَوت هذا الرَّجل — تَحمل تاريخًا طويلًا من الفَعّاليّة. كانت كلمةً مُجَرَّبة. مَوثوقة.
الطفلُ لم يَجلس.
نَظَرَ إلى القاضي، عَينٌ في عَين، ابتسامتُه نَزلَتْ قَليلًا، وقال:
«حضرة القاضي. الجلوسُ امتيازٌ يُمنَح للمحامين أثناء الإجراءات. لستُ مُلزَمًا به أَثناء المرافعة.»
سَكَتَتِ القاعة.
سَكَتَتْ بنوعٍ من الصَّمت لم يَسمعْه قبل ذلك في الجلسة. صَمتُ آلةٍ تَوقَّفَ فيها تُرسٌ صَغيرٌ كان أحدٌ لا يَلحظ أنَّه يَدور. التُّرسُ الذي تَوَقَّفَ كان «اِجلس». «اِجلس» — للمرَّة الأولى في تاريخها — لم تَنفع.
والمسبحةُ في الأعلى تَعَثَّرَتْ ثانيةً.
«بإذن المحكمة، سأَطرحُ ثلاثَ نُقَط. الأولى: في تَعريف الجلسة. الثانية: في تَعريف الشاهد. الثالثة: في تَعريف البِرّ.»
ضَغَطَ على الكلمة الأخيرة. الكلمةُ — في ذلك الفَم الصَّغير — خَرجَتْ كأنَّها مَلموسة، مُسطَّحة، نَزلَتْ على طاولة. وفي الأعلى، اهتزَّتْ يَدُ القاضي بالمطرقة مرَّةً ثانية.
«أوّلًا: في تَعريف الجلسة. هذه القاعة، باحترامٍ شديد، ليست محكمة. هي غُرفةُ طَعامٍ كَبُرَتْ. الذي يَجلس هنا — أَقصد في صَفّ المُحلَّفين — جَلسَ هنا قَبلَ ذلك في غُدوٍ ورَواحٍ على مَدى عَقدَين. الذي يَقف خَلفَ طاولةِ الادّعاء كان يَقوم بنَفس الفِعل خَلفَ طاولةِ المَطبخ. والذي في الأعلى كان في الأعلى هكذا في كُرسيّ الصَّدر. القاعةُ، يا سيادة، بَيت. والبَيت لا يُحاكم ساكنيه. متى ما حاكَمَهم، فاعلموا أنَّه لم يَعدْ بَيتًا.»
«ثانيًا: في تَعريف الشاهد. المُكَرَّمةُ الادّعاءُ استَدعَتْ سيّارة. واستَدعَتْ كوبًا. واستَدعَتْ مَفاتيح. هذه ليست شُهودًا، يا سيادة. الشاهدُ كائنٌ يَتذكَّر ويَنطق. السيّارةُ لا تَتذكَّر. الكوبُ لا يَنطق. المفتاحُ يَفتح بابًا، لا أَفواهًا. الأشياءُ في هذه القاعة تَشهد بما تُلَقَّن.»
في الجانب، خَلفَ طاولةِ الادّعاء، كانتِ المُدَّعيةُ قد جَلَسَتْ. لم يَلحظْ متى جَلَسَتْ.
«ثالثًا: في تَعريف البِرّ، وهذه نقطتي الأخيرة.»
سَكَت. كان يَنظر — ليس إلى القاضي. إلى المسبحة.
«حضرة القاضي. المسبحةُ في يَدكم اليُسرى ليست في يَدكم. هي في يَد الادّعاء. وحين تَتدحرج حَبّة، يَتحرَّك شيءٌ في القاعة. وحين تَتعَثَّر، يَتعَثَّر. هل البِرّ هو أن يَنقادَ ابنٌ لإيقاعٍ يَأتي من يَدٍ ليست يَدَ أبيه؟ هل البِرّ هو أن يَكونَ الأب قاضيًا، أم أن يَكونَ أبًا؟»
ثمَّ، فجأةً، نَزلَ من فَوق الكرسيّ.
نَزلَ بحركةٍ صَغيرةِ قَفز. أَخذَ السيجارَ من زاوية الطاولة، أَعادَه إلى زاوية فَمه، مَضَغَه مَضغةً واحدة، ثمَّ ابتسمَ ابتسامةً عَريضة، صَريحة، طِفليّةً في صَفائها، رَجوليّةً في حِدّتها.
«أنا أَنتظر حُكمَ هذه المحكمة. مع التَّحفُّظ، طَبعًا، على شَرعيّتها كاملةً. شُكرًا.»
وفي الأعلى، حَدثَ شَيءٌ لم يَحدُثْ في الجلسة من قَبل: حَرَّكَ القاضي يَدَه اليُسرى — يَدَ المسبحة — حركةً غيرَ إيقاعيّة. كأنَّه نَسي إلى أيِّ حَبّةٍ وَصَل. تَوقَّفَتِ المسبحةُ في يَده. لا لأنَّه قَرَّر إيقافها. لأنَّ الإبهام — للمرَّة الأولى منذ بَدأَتِ الجلسة — لم يَعرفْ ماذا يَفعل.
الفصل الثالث عَشَر
انهيارُ مفهومِ البِرّ داخلَ المحكمة
سادَ صَمتٌ ثَقيل.
ليس صَمتَ ما بَعدَ مرافعة. صَمتُ آلةٍ في حالة عَطَل. السيّارةُ في وَسطِ القاعة تَوقَّفَتْ تمامًا عن قَطر الزَّيت.
ثمَّ، في الأعلى، رَفعَ القاضي المطرقة.
رَفعَها أَعلى من رَفعِ الجلسة السابقة. أَعلى من ارتفاع الكَتف. حتى صارت قَبضتُه مُحاذيةً لجانبِ الشماغ الأحمر.
«المتَّهم»، قال.
كان الصوتُ في هذه المرَّة أَعلى. ليس صُراخًا. لكنَّه أَعلى.
«المتَّهم لا يَزال متَّهمًا. ودفاعُه — مع احترامي للمحامي الموقَّر — لم يَتعرَّضْ لجوهر التُّهم. الدفاعُ يُجادل في تَعريف المحكمة، لا في وَقائعها. وهذه، في القانون العائليّ، حِيلةٌ مَعروفة. حِيلةُ مَن يَخسَر.»
«ولأنَّ القاعةَ اقتربَتْ من نهاية مرحلتها الأولى، سأَنطقُ بكلمةٍ تَختصر كلَّ ما سَبق. كلمةٌ كَفيلةٌ بأن تَختمَ كلَّ نزاع.»
رَفعَ المطرقةَ مليمتراتٍ أُخرى، حتى صارت في أَقصى ارتفاعها.
«البِرّ.»
نَطَقَها كأنَّه يُلقي حُكمًا أَخيرًا.
ثمَّ، هَوَتْ يَدُه.
اصطدمَتِ المطرقةُ بالخَشب الذي على المنصّة.
ولم يَصدُرْ صَوت.
شَعَرَ بشَيءٍ يَنزل في كَتفَيه. لم يَكنْ ألمًا. لم يَكنْ خَوفًا. كأنَّ يدًا — كانت قد وُضعَتْ على كَتفَيه قبلَ سنين، في طُفولته، وبَقيَتْ — أَفلَتَتْ.
في الأعلى، نَظَرَ القاضي إلى المطرقة في يَده.
لم يَفهمْ. هذا كان واضحًا في وَجهه. زاويةُ حاجبَيه — تلكَ العَبسةُ الموروثة — تَزحزَحَتْ. ليس كَثيرًا. حركةَ كَسرٍ صَغيرة.
رَفعَ المطرقةَ مرَّةً أُخرى. هَوَى بها. لا صَوت.
رَفعَها ثالثة. هَوَى. لا صَوت.
قام.
نَهضَ القاضي من كرسيّه. الكرسيّ تحته بَدا — للحظة — أَكبرَ منه بكثير، أَكبرَ بفَضيحةٍ مَكشوفة. الرجلُ الذي يَجلس على هذا الكرسيّ ليس بحَجمه. الرجلُ يَستعير ارتفاعَ الكرسيّ ولا يَملكه.
«اِسكَتْ»، قال القاضي للمطرقة.
ضَربَ بها مرَّةً ثانية، بقُوّةٍ أَكبر. ضَربَ بها بكامل ما لديه. وَقعُ الخَشب على الخَشب كان مَرئيًّا — يَدُه تَرتدّ، الذراعُ يَهتزّ، المنصّةُ تَتحرَّك مليمترًا — لكنَّ أُذنَ القاعة كأنَّها مُغلقة.
وَضعَها.
ثمَّ التَفَتَ إلى الجانب.
إلى المُدَّعية.
كان يَنتظر منها شَيئًا. إيماءةً. حركةً. لكنَّها لم تَتحرَّكْ.
كانت — للمرَّة الأولى في الجلسة — تَنظر إلى الكرسيّ الفارغ في وَسط القاعة. لا إليه. لا إلى المنصّة. إلى الكرسيّ الفارغ.
ولأنَّها لم تُومِئ، لم يَأتِ منها شَيء.
ولأنَّه لم يَأتِ منها شَيء، بَقيَ القاضي واقفًا.
والمطرقةُ على المنصّة. خشبٌ فقط.
الفصل الرابع عَشَر
كَشفُ صاحبةِ الإيماءة
لم تَختفِ القاعة.
لكنَّ شَيئًا في القاعة تَغَيَّر.
استقرَّتْ في صدره أربعُ لقطاتٍ دفعةً واحدة.
القاضي، في البداية، لم يكن ينتظر الجلسة؛ كان ينتظر دخولها.
والإيماءةُ الأولى بينهما لم تكن أمرًا.
كانت إذنًا.
والمسبحةُ تعثّرت حين غابت الإشارة.
وكلمةُ «البِرّ» خرجت بلا توقيعها، فسقطت المطرقة بلا صوت.
شَهَقَ. ليس شَهيقًا عاليًا. شَهيقَ مَن وَصلَ إلى آخرِ سَطرٍ في كتابٍ ظَنَّه طويلًا.
نَظَرَ — للمرَّة الأولى منذ دَخل — إلى نقطةٍ في القاعة بعَينه هو. لا بعَينٍ مَفروضةٍ من فَوق. اخترعَ نقطةَ نَظرٍ خاصّةً به: مكانٌ على الجدار الجانبيّ، بين عَمودَين، حيث يَلتقي الرخامُ بالرخام. مكانٌ لا أَهَمّيَّةَ له. لكنَّه نَظَرَ إليه. لأنَّه يَستطيع أن يَختار أين يَنظر.
أَدارَ كَتفَيه، مليمتراتٍ، نحوَ ذلك المكان.
ومن المنصّة، خَرجَ صَوت.
«لا تُدِرْ كَتفَك.»
كان القاضي قد رأى الميلَ المليمتريّ. لكنَّ الجملة جاءَتْ بصوتٍ أَعلى من الجلسة. ارتفعَ الصوتُ قليلًا، فبَدا أضيقَ من القاعة.
سَمعَ المُدَّعيةَ — للمرَّة الأولى منذ بَدأَتِ الجلسةَ — تَتنَهَّد.
تَنهيدةٌ صَغيرة.
في الجهة الأخرى، رَفعَ الطفلُ السيجارَ من فَمه، نَظَرَ إلى الكرسيّ الفارغ، نَظَرَ إلى المنصّة، نَظَرَ إلى المُدَّعية. ثمَّ، هَزَّ كَتفَيه هَزّةً صَغيرةً جدًّا. ودَفعَ المسدسَ الذهبيَّ مليمترَين على الطاولة، باتجاهه هو. لم يُلَوِّحْ به. لم يَرفعْه. كأنَّه يَتركه له، وَديعةً.
الفصل الخامس عَشَر
الجَسَدُ يَعرف أوّلًا
لم يَنظرْ إلى المسدس.
كان شيئًا لاحَظَه دونَ أن يَلتفت.
شَعَرَ بقَدمَيه. هاتانِ هما قَدماي. الرخامُ تحتهما. لكنَّ القَدمَين، في حدِّ ذاتهما، تَخصّانه. قَدمان تَستطيعان أن تَبقَيا. قَدمان تَستطيعان أن تُغادِرا.
شَعَرَ بحَوضه. عَضلاتٌ صَغيرةٌ في أَسفل ظَهره كانت على وَضع الانتباه طولَ الجلسة. بدون قَرار، استَرخَتْ مليمترًا. لم تَستَرخِ كاملًا. لكنَّ المليمترَ كان كافيًا.
في الأعلى، كان القاضي قد عاد إلى كرسيّه. جَلَس. الكرسيُّ احتَضنه. لكنَّ هَيبتَه لم تَعدْ بالكامل.
تَكَلَّم.
«حضرة القاضي.»
كان صَوتُه أَخفضَ ممَّا تَوقَّع. الرخامُ — للمرَّة الأولى — لم يَبتلعْه. حَملَه.
«حضرة القاضي، لن أَعترضَ على شَيءٍ ممَّا قِيل. ولن أَدفعَ عن نفسي. وأَطلب من المحكمة — باحترامٍ — أن تُسَجِّل في مَحضرها أنَّني، اعتبارًا من هذه اللحظة، لم أَعدْ شاهدًا في هذه القَضيّة. ولا متَّهمًا. ولا مُدافِعًا. أَنا، باحترامٍ، خارجُ ولايتها.»
في الأعلى، فَتحَ القاضي فَمه ليَنطق. ولم يَنطق. التَفَتَ إلى زَوجته. كانت الإيماءةُ بين عَينَيه. لكنَّها لم تَأتِ.
«لا أَطلب من المحكمة أن تَنطقَ ببَراءتي. لا أَعتبر نفسي بَريئًا. أَعتبر نفسي في مكانٍ آخر. هذا الكرسيّ» — وأَشارَ بإصبعٍ خَفيفٍ إلى الكرسيّ الفارغ في وَسط القاعة — «لن أَجلس عليه. الكرسيُّ يَخصّ مَن يُريده. أَنا لا أُريده.»
«ولأنَّ شَرطَ بَقاء هذه المحكمة هو وُجودي فيها، أَتركها.»
والمُدَّعيةُ — التي لم تَقُم، ولم تَعترض، ولم تُومِئ — قالت بصَوتٍ مُتعَب:
«وإلى أين تَذهب؟»
السؤال كان حَقيقيًّا. لم يَكنْ سؤالَ ادّعاءٍ. كان سؤالَ امرأةٍ تَخسر ابنها، تَودّ أن تَعرف — على الأقلّ — العنوان.
نَظَرَ إليها. أوّلُ مرّةٍ يَنظر إليها مباشرة. لم يَكُنْ في عَينَيه كُره. لم يَكُنْ شَفَقة. لم يَكُنْ غَضبًا. كان نَظرةَ إنسانٍ إلى إنسانٍ آخرَ بَعد أن أُسقطَ عنهما العَقد.
«إلى الخارج»، قال.
«ليس هناك خارج»، قالت.
«لقد عَرَفتُ، الآن، أنَّ هناك خارجًا.»
سَكَتَتْ. شَيءٌ في كَتفَيها هَبط. كَتفان كانا مَشدودَين، استَرخَيا مليمترًا. لم يَكنْ استرخاءَ راحة. كان استرخاءَ شَيءٍ يُسلَّم.
التَفَتَ إلى الجانب الآخر. الطفلُ كان قد جَمعَ أوراقه. أَطبقَ ملفَّه الأبيض. أَخذَ السيجارَ من زاوية الطاولة، أَعادَه إلى زاوية فَمه، مَضَغ. ثمَّ أَدخلَ يَدَه في حقيبته الجلديّة، ولم يَخرجْ بشَيء. تَركَ يَدَه هناك.
ولأوّل مرَّة، نَظَرَ إليه الطفلُ نَظرةَ ثِقة. عَينٌ في عَين. ابتسمَ نِصفَ ابتسامة.
نَظَرَ إلى الكرسيّ الفارغ. تحت بُقعة الضوء. خَشبٌ مَصقول. ذِراعان جاهزتان. لا أحدَ يَجلس عليه. ولأنَّه لم يَجلس، فَقدَ الكرسيُّ شَيئًا. صار، فجأة، خَشبًا.
أَدارَ ظَهرَه له.
ومَشى.
خَطوة. ثانية. ثالثة.
اتَّجَهَ نحوَ الباب الرئيسيّ. الذي في الجدار البعيد. الخَشبيّ الداكن. الذي بطول السقف الضبابيّ. الذي قِيلَ — في كلِّ هندسة القاعة — إنَّه لا يُفتَح.
كان الطفلُ قد فَتحَه. بكَتفٍ صَغيرٍ وركبة. ولأنَّه فَتحَه، فالبابُ يُفتَح.
أَمامَ الباب، تَوقَّف.
امتدَّتْ يَدُه. لم تَكنْ تَسأَل هذه المرَّة. كانت تُريد. كَفّاه على الخَشب.
في الأعلى، نَطَقَ القاضي مرَّةً أَخيرة.
«إذا فَتحتَه، لن نَستقبلَك بَعدها.»
ابتلعَ ريقَه.
«أَعرف.»
ودَفع.
كان البابُ — على غَير المُتوقَّع — خَفيفًا. أَخفّ ممّا ظَنَّه طولَ هذه السنوات. الذي كان يَجعل البابَ ثَقيلًا طولَ سنواتٍ كان وَزنَ مَن يَقف خَلفه يَدفعه دون أن يَفتح. الآن، فُتحَ بضَغطِ كَفّ.
انفتح.
ولأوَّلِ مرَّةٍ منذ دَخلَ القاعة، رأى ضَوءًا غَيرَ ضَوء القاعة. ضَوءٌ آخر. ضَوءٌ يُدخل هواءً معه. هواءٌ لم تَتنَفَّسْه رئاتٌ كَثيرة.
أَخذَ شَهيقًا.
ومن خَلفه، في القاعة، سَمعَ صَوتًا أَخيرًا.
كان صَوتَ المسبحة، تَبدأ — أَخيرًا — تَستَرِدّ إيقاعها. تَقّ. تَقّ. تَقّ.
لكنَّه لم يَلتفت.
التَّقّ صار خَلفَه.
خَطا.
الفصل السادس عَشَر
الاستيقاظ — الماءُ، واليَدُ على الصَّدر
لم يَتذكَّرْ متى عَبرَ البابَ كاملًا.
ثمَّ — السقف.
أَبيض. فلورسنت. مُستطيلاتٌ مُتراصّةٌ من الضوء، بينها فاصلٌ مَعدنيٌّ رَماديّ، يُشبه عَظمَ سَمكةٍ كَبيرةٍ مَفتوحةٍ على ظَهرها.
لم يَدهَش.
البَردُ في ظَهره. السريرُ المَعدنيّ. القماشُ الرَّقيق. رائحةُ المعقِّمات، في أَنفه، لكنَّها لم تَعدْ كيميائيّةً قاسية. الأنفُ — في غيابه — اعتاد.
والصوت.
نَقرةٌ مُنتظَمة. حادّةٌ، إلكترونيّة، يَمين. بِيب. صَمت. بِيب. صَمت.
أَنصَتَ.
كان يَستمع هذه المرَّة من الأعلى لا من الأسفل. الصوتُ — لأوّل مرَّة — صَوت. ليس إيقاعًا يَضبط شَيئًا. ليس تَقّ مِسبحة. صَوتُ جهازٍ يَفعل مَهَمَّته.
حَرَّكَ أُصبعًا. السبَّابة. اليُمنى. تَحرَّكَتْ. سَنتيمتر. لكنَّها تَحرَّكَتْ.
شَعَرَ بشَيءٍ في حَلقه.
عَطشٌ. عَطشٌ بَسيط، حَيوانيّ. لا عَطشٌ مَجازيّ، لا عَطشُ مَعنى. عَطشُ ماء.
فَتَحَ فَمه قَليلًا. خَرجَ صَوت. ثمَّ، في المحاولة الثانية، خَرجَ:
«ماء.»
تَحرَّكَ شَيءٌ في الغُرفة. اقترب.
«ماء، من فَضلك»، قال.
اِبتعدَ الظِّلّ. عاد. بَعدَ ثَوانٍ، حسَّ بحافّة كأسٍ بلاستيكيٍّ على شَفَتَيه.
تَحرَّكَ يَدُه إلى الكأس. لم يُسلِّمْ نفسَه. أَمسكَ الكأسَ بنفسه. الأصابعُ تَقبض على البلاستيك. لم يَعصرْه. لم يُبَيِّضْ مَفاصلَه. قَبضةً عاديّة، مُتَّزنة، قَبضةَ مَن يَأخذ ما هو له.
شَرِب.
كان الماءُ باردًا. لكنَّه — للمرَّة الأولى — كان البَردَ الجيِّد.
اِبتلعَ.
اِبتلعَ مرَّةً ثانية.
ثلاث.
تَوقَّف.
الكأسُ في يَده، نِصفه فارغ. أَنزلَه على صَدره. ثمَّ — وَضعَ يَدَه الأُخرى على الصَّدر، في وَسط القميص، في الموضع الذي وَضعَ فيه الطفلُ يَدَه قبل قليل.
لم يَكنْ ثَمَّةَ قَرار. الجَسَدُ — كعادته — عَرفَ قبل العَقل.
شَعَرَ بنَبضٍ تحت كَفّه. بَطيء. مُنتَظِم.
أَغلقَ عَينَيه ثانيةً، لا للنَّوم، بل للراحة.
ولم يَكنْ في صَدر الغُرفة، ولا في زاويةٍ منها، ولا في أيِّ مكانٍ يَستطيع أن يَراه أو يَسمعه، تَقطقعةُ حَبّةٍ على حَبّة.
كان هناك — فقط — قَلب. وكَفٌّ عليه. وماءٌ بارد. وسَقفٌ يَنتظره أن يَنام.
انتهت.
