طرفُ إصبعي ما زال باردًا من حافّةِ الورقة.
الثالثةُ تقريبًا. لا أنظرُ إلى العقارب.
المصباحُ وحده: أزيزٌ لا يُسمَعُ إلّا حين يسكنُ كلُّ شيء.
الغرفةُ مغلقةٌ منذ ساعات.
الهواءُ صار يعرفني: نَفَسي، مُعادًا.
أمدُّ يدي.
الغلافُ أبردُ من الطاولة، بردُ مكانٍ لم أكن فيه.
أفتحه: رائحةُ ورقٍ قديم، غبارٌ وشيءٌ حلوٌ كالترابِ تحت أوّلِ المطر.
الضوءُ يُدفّئُ ظهرَ يدي من جهة، ويتركُ الأخرى في البرد.
نصفٌ دافئ، نصفٌ بارد، وبينهما صفحةٌ بيضاء.
الجملةُ الأولى لا تُريني شيئًا؛ تُبدّلُ الهواء.
كأنّ أحدًا خلفَ الصفحةِ أغلقَ نافذة.
بابٌ موارب: خيطُ ضوءٍ ليس ضوئي، وحركةٌ في الداخل، أو وهمُها.
يدي على الحافّة.
الخطوةُ الأولى ستُغيّرُ ما أتنفّس.
أخطو.
صباحٌ ليس صباحي.
أستيقظُ في جسدٍ لا أعرفه، وأوّلُ ما يصلني أنّ الهواءَ ازدادَ كثافةً بمقدارِ درجة.
أسحبُ الشهيقَ فيتأخّر، كأنّ الرئةَ تعبرُ ماءً.
لا يدَ على العنق؛ لكنّ الجلدَ عند الحنجرةِ ينتظرُها، فيجدُ مكانَها فارغًا، ويرتجفُ من الفراغِ لا من اللمس.
أرفعُ عينيّ:
غرفتي غرفتي، والثِّقَلُ الآخرُ تسرّبَ إليها عبر النَّفَس.
اللعابُ يجفّ فجأةً، فأبتلعُ فلا أجدُ ما أبتلعه:
حلقٌ ينطوي على نفسه، وجوعٌ ورقيٌّ يقفُ حيثُ يقفُ الطعام.
كلّما تقدّمتُ قلَّ ما أتنفّس.
ممرّاتٌ تضيق.
غرفٌ تتلو غرفًا.
كلُّ بابٍ يَعِدُ بالخارجِ ويردُّ إلى الرئةِ نفسها.
أماكنُ لا أدخلُها من باب؛ أدخلُها بالنَّفَس، وكلّما تنفّستُ صار هواؤها هوائي.
أكادُ أقومُ إلى النافذة.
أُطبِقُ كفّي على المقبض، أتوقّعُ برودةَ المعدنِ المألوفة، فأجدُه أبردَ ممّا ينبغي:
بردٌ يسبقُني إلى العظم، فتنكمشُ الأصابعُ قبل أن أُقرّرَ ألّا أُديره.
أعود.
الغرفتان — التي أقرأُ عنها والتي أقرأُ فيها — تتنفّسان رئةً واحدة.
ثمّ يتّسعُ المكانُ ويبرد.
حجرٌ لا تُدفئه شمس.
فضاءٌ واسعٌ لا يتحرّك، أضيقُ من كلِّ ضيق.
دائرةُ ضوءٍ تكفي خطوتين، والعتمةُ كتلةٌ لها وزن.
من عُلوٍّ في السواد:
اسمي، يُنادى.
أحدٌ وقفَ عمرَه أمامَ بابٍ مفتوح.
لا جدارَ يردّه فيمضي، ولا إذنَ يدخلُ به.
لا «لا»؛ بل «ليس الآن».
فجلسَ ينتظرُ وقتًا لم يَحِن.
كَبِرَ، ضَعُفَ، انكمشَ حتى صار أقلَّ من نفسه:
أنفاسٌ تُفرَغُ على عتبةٍ لا تُعبَر.
وفي الآخِر عرفَ أنّ البابَ له وحده، وأنّه يُغلَقُ الآن.
لم يَمُت لأنّه أُقفِل؛
بل لأنّ هواءَ الوقوفِ نَفِد.
شيءٌ يبردُ في صدري ويثقل.
لي بابي أنا.
ممرٌّ معتمٌ في بيتٍ قديم، في آخرِه بابٌ أمرُّ به ولا أفتحه.
خيطُ ضوءٍ تحته: أصفرُ نهارًا، أزرقُ ليلًا.
أقفُ ثمّ أمضي.
يدٌ مُدّت ولم آخذها:
حرارةٌ حامت قربَ كفّي ولم تلمسها، فبقيَ في راحتي فراغٌ دافئٌ لا يبرد.
غرفةٌ خلفَ باب، أحدٌ ينتظر، أُصغي ولا أطرق.
كلمةٌ على الحدِّ بين الصدرِ والفم، ابتلعتُها مع شهيق، فبقيت تُثقِلُ الرئةَ إلى اليوم.
الأبوابُ لم تكن مغلقة.
كانت مفتوحة، وكان يكفي أن أخطو.
لكنّ قدمي أَلِفَت هواءَ الوقوف، فإذا هَمَّت بالخطوةِ تسمّرت.
الكتابُ في يدي بابٌ مفتوح، ودائرةُ الضوءِ عند عتبته.
أجلسُ أمامه، أنتظرُ ما لا اسمَ له، ولا أعبر.
ساعةً بعد ساعة:
يدي على الحافّة، أنظرُ ولا أدخل.
هذه الصفحةُ المضاءةُ بابٌ خُلِقَ لي وحدي، يُغلَقُ حين أُطفئُ المصباح.
أيُّنا يقرأُ الآخر:
عينايَ على السطر،
أم السطرُ أصابعُ باردةٌ على جلدي؟
أمسحُ ساعدي:
جلدي سطحٌ غريب، مرَّ عليه شيءٌ بلا اسم.
الصفحاتُ الأخيرة.
الليلُ في أعمقِ نقطة.
يخرجُ أخيرًا إلى العراء:
سماءٌ بلا سقف، والهواءُ الواسعُ الباردُ الحرُّ الذي حُرِمَه طوالَ الطريق.
لكنّه متأخّر.
ممدّدٌ على بردٍ يدخلُ ظهرَه، والليلُ يدخلُ أنفَه ويخرج، أنفاسًا معدودة.
بعيدًا، عاليًا، نافذةٌ تنفتح.
ذراعان مبسوطتان بلا وجه.
مفتوحٌ آخرُ لا يُبلَغ.
الممدودُ لا يُؤخَذ،
والوهجُ يُرى ولا يُعبَر.
ما طلبه عمرَه كلَّه، جاءه في آخرِ لحظة.
أُغلِقُ الكتاب.
أو أتركه مقلوبًا على الطاولة، بابًا مواربًا على هواءٍ غريب.
هواءُ غرفتي أنهكتُه بالتنفّس.
النافذةُ خلفَ الستارة:
خلفَها ما لم يتنفّسه أحد.
على الممرِّ بابٌ، تحته خيطُ ضوء.
الحافّةُ التي في يدي والحافّةُ التي في الصفحة:
مِلمَسٌ واحد.
أقوم.
كفّي على الحافّةِ الباردة — نافذةٌ أو باب، سِيّان.
نبضي في إصبعي يعدُّ نفسَه.
خلفَها ما لم يتنفّسه أحد.
قد يكون أوّلَ نَفَس.
وقد يكون الواسعَ الباردَ الذي لا يجيءُ إلّا بعد فوات.
أصابعي على الحافّة.
شهيقي محبوسٌ كالكلمةِ التي لم تُقَل.
واليدُ، بعد، لم تَدُر.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
