قراءات

من مسودة «من موقع الجسد» — النص 4 من 6

ملح على الشفة

قراءة في «الغريب» من موقع الجسد الذي لا يترجم

لوحة زيتية ليدٍ تتلمّس حروف برايل على صفحات كتاب مفتوح في حِجر قارئ، في شعاع ضوء ينفذ من نافذة صغيرة.

قراءة في «رواية الغريب - ألبير كامو».


الضوء في الغرفة معدنيّ. ليس أبيض كالقطن، بل أبيض كالملح حين يجفّ على الحجر.

الكتاب على ركبتي منذ ساعة، والصفحة التي بين إصبعيّ أدفأ من باقي الصفحات — انتقلت إليها حرارة الجسد.

أمرّ بإصبعي على الورق فيلتصق قليلًا. ألعق شفتي دون أن أنتبه. ملح. كنت قد لعقتها قبل دقائق دون أن أدري.

هذا هو المدخل الصحيح إلى كامو.

ليس عبر الفكرة. عبر الملح.


ميرسو لا يترجم.

هذه أول جملة تحدث في الجسد بعد عشر صفحات. لا تحدث في الذهن — في الجسد.

لأن ما يفعله ميرسو ليس فعلًا ذهنيًا: هو يستلم الحرارة، يستلم الضوء، يستلم رائحة القهوة بجانب نعش أمه، يستلم رطوبة فم ماري — ولا يضع طبقة فوقها. لا يترجم.

نحن نترجم باستمرار. نترجم الحرارة إلى ضيق، الضوء إلى وعد، رائحة الموت إلى حزن. هذه الترجمة هي ما نسمّيه «أن نشعر بشكل صحيح». ميرسو لا يفعل هذا. الحرارة عنده تبقى حرارة. الضوء يبقى ضوءًا. النعش يبقى صندوقًا خشبيًا في غرفة مغلقة فيها رجل عجوز يدخّن.

أقرأ هذا فأشعر بشيء ينقبض في حلقي. ليس استنكارًا. شيء أقرب إلى التعرّف.


في الجنازة لا يبكي. هذا ليس قرارًا. لو كان قرارًا لكان أسهل. القرار يفترض أن هناك شيئًا يُكبَت. ميرسو لا يكبت — لا يوجد شيء ليكبته. الجسد في الحرارة الجزائرية ينشغل بأشياء أخرى: العرق على الجبين، ثقل البدلة السوداء، طريقة التصاق القميص بالظهر، انعكاس الشمس على المعادن.

كل هذا حقيقي. حقيقي بطريقة فجّة، مادية، لا تُحتمَل تقريبًا. والحزن — الحزن المتوقع — أين هو؟ ليس مفقودًا. مغطّى. الحرارة أكبر منه، أثقل، أكثر إلحاحًا. الجسد لا يستطيع أن يحزن وهو ينقع في عرقه.

أتذكّر — ولا أريد أن أتذكّر — أنني وقفت يومًا عند نعش، وكان الجو حارًا، وكنت أفكر في طول الوقفة، في موعد الغداء الذي سيتأخر، في الذباب الذي يحوم حول البخور. لم أكن سيئًا. كنتُ فقط داخل جسد يستجيب للحرارة قبل أن يستجيب للموت. وعندما رأيت نفسي أفعل ذلك، شعرت بشيء يشبه ما يشعر به ميرسو حين يدخل الجنازة: ليس ندمًا، بل دهشة من أن الجسد لا يتعاون.


ثم الشاطئ.

هنا تتحوّل الرواية من نص إلى ضغط فيزيائي. صفحات قليلة، لكنها كأنها كُتبت تحت مكواة. الشمس في الجزائر ليست شمسًا. هي صفيحة معدنية ساخنة معلّقة فوق الرأس مباشرة، تنزل بثقلها على الجمجمة، تضغط على الأصداغ، تُذيب الفاصل بين الجلد والهواء.

كامو لا يصف هذا. كامو يجعلك تحسّه. الكلمات تتشبّع بالحرارة. الجمل تصير أقصر. الإيقاع يتسارع كأن النص نفسه بدأ يلهث. وميرسو يمشي على الرمل، والرمل يحرق نعليه، وملح العرق يدخل عينيه، والنصل ينعكس — نصل سكين العربي — وينعكس بطريقة تخترق الجمجمة من خلف الجفنين.

في هذه اللحظة، يسقط الفاصل. الفاصل بين النية والفعل. الفاصل بين «أنا أريد أن أفعل» و«الفعل يحدث». الفاصل الذي نسميه — حين يكون موجودًا — اختيارًا.

الإصبع يضغط الزناد. ثم يضغط ثلاث مرات أخرى. أربع رصاصات. الأولى بدت كأنها حدثت. والتي تلتها لم تعد تشبه قرارًا، بل صدى ميكانيكيًا داخل جسد فقد فاصلَه.


أرفع عينيّ عن الكتاب. الشمس في غرفتي ليست شمس الجزائر. لكنّها تضغط بطريقتها الخاصة على زجاج النافذة. الستارة لم أُغلقها. الضوء يسقط على الصفحة فيُبيّضها، ويُبيّض إصبعي، ويُبيّض الحبر تقريبًا.

أحسّ بشيء غريب: عرق خفيف على شفتي العليا. الغرفة ليست حارة. لكن جسدي بدأ يستجيب للنص قبل أن يستجيب للحرارة الفعلية. كأن كامو زرع طقسًا صغيرًا تحت الجلد.

هذا ما يفعله. لا يكتب عن الحرارة — يُحدثها.


المحاكمة.

هذه هي اللحظة التي يعرف فيها الجسد أن المسألة ليست عن قتل. القاضي والمحلّفون والصحفيون — كلهم منشغلون بشيء آخر. منشغلون بأن ميرسو لم يبكِ في جنازة أمه. منشغلون بأنه شرب القهوة بجانب النعش. منشغلون بأنه ذهب مع ماري إلى السينما في اليوم التالي ورأى فيلمًا كوميديًا.

الجريمة ليست في الرصاصات. الجريمة في الجسد الذي رفض أن يؤدّي.

هذا ما يخيف. أن يُحاكَم المرء لا على ما فعل، بل على الطريقة التي لم يشعر بها بشكل صحيح. أن يُطلَب منه — في كل لحظة — أن يُترجم. أن يضع طبقة الحزن فوق الموت. طبقة الفرح فوق الزواج. طبقة الندم فوق الخطأ. الطبقة هي ما يجعلنا «بشرًا» في عيونهم. الجسد العاري — الجسد الذي لا يضيف شيئًا — مرعب.

لأنه مرآة.


في زنزانته، يأتيه القسّ.

يريد أن يعترف. يريد أن يبكي. يريد أن يطلب الغفران. يريد أن يضع طبقة من الإيمان فوق ما يحدث.

ميرسو يرفض. ولأول مرة في الرواية، يثور. يصرخ. يدفع القسّ. ولماذا؟ ليس لأنه ضدّ شيء. هو فقط لا يستطيع أن يكذب على جسده. لا يستطيع أن يضيف طبقة حيث لا توجد طبقة. والقسّ ينسحب.

ويُترَك ميرسو مع نفسه. والمشهد الأخير — قبل أن يخرج إلى الحشد الذي ينتظر إعدامه — هو أهدأ مشهد في الكتاب. ينام. ينام مثل طفل.

كان في نومه شيء من جسدٍ أُعفي أخيرًا من شرح نفسه.


أبقى عند هذه الجملة أكثر مما ينبغي: أن الجسد وجد أخيرًا مكانًا لا يُطالَب فيه بأن يكون غير ما هو.

أغلق الكتاب. الصفحة التي توقّفت عندها مبلّلة قليلًا — ليس بالعرق، بل بحرارة إصبعي. أمرّر اللسان على شفتي مرة أخرى. الملح ما زال هناك. لم يكن من البحر. كان منّي.

أنظر إلى يدي. الجلد عادي. لا حرارة استثنائية. لا حروق. لكن شيئًا تحت الجلد يعرف الآن شيئًا لم يكن يعرفه قبل ساعة: أن هناك مسافة، تحت الجلد، بين ما يحدث وما يُقال. وأن كامو، في صفحات قليلة، أراني ما يحدث حين تنطبق هذه المسافة على نفسها.

لا تنطبق بالموت. تنطبق بالصدق.

أضع الكتاب على الطاولة. الشمس في النافذة بدأت تميل. الضوء صار أقل معدنيًا، أكثر برتقاليًا. لكن جلدي ما زال يحتفظ بشيء من حرارة أخرى — حرارة لم تأتِ من نافذتي.

الملح على شفتي يجفّ ببطء.

ولا أمسحه.

نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية

التالي في مسودة «من موقع الجسد»

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.