شذرات

من ينكسر ببطء

لوحة لكرسيّين مخمليّين باليين متقابلين في غرفة رمادية بينهما طاولة صغيرة عليها فنجان وباقة ذابلة وكتاب، ومعطف ملقًى على أحدهما، ونافذة على مدينة شتوية.
  1. #

    اللحظةُ التي نقرّر فيها ألّا نُكمل شيئًا لا تكون حاسمة؛ بل غامضة. نادرًا ما نتركُ ما نحبّ بقرار؛ بل ننسحب منه تدريجيًّا، فلا نعرف متى انتهى. ولهذا تبقى أكثرُ نهاياتنا دون تاريخ؛ لأنها لم تحدث في لحظة، بل تآكلت على امتداد لحظات لم نكن نُحصيها.

  2. #

    أقسى أنواع الخسارة تلك التي لا تأتي دفعة واحدة. شخصٌ يبتعد سنتيمترًا كل أسبوع. محادثات تقصر سطرًا سطرًا. لا لحظة يمكنك أن تُشير إليها وتقول: هنا انتهى الأمر. فقط تستيقظ يومًا وتلاحظ أن الكرسيّ المقابل صار مكانًا لتضع عليه معطفك.

  3. #

    الخسارة لا تحدث مرة واحدة. تفقد الشخص مرات عديدة: حين يرحل، ثم حين تتذكره أول مرة، ثم حين تنسى صوته، ثم حين تمرّ بمكان كنتما تذهبان إليه معًا ولا تشعر بشيء. كل مرة، تفقده بطريقة مختلفة. وفي كل مرة، تعتقد أن هذه هي الأخيرة. لكنها لا تكون.

  4. #

    الرحيلُ الحقيقيُّ ليس لحظة المغادرة؛ بل اللحظةُ التي، قبل الرحيل بوقتٍ طويل، قرّرنا فيها، في سرّنا، أن نذهب. الجسدُ يلحق بالقرار متأخّرًا، أحيانًا بسنوات. ولهذا، كثيرٌ ممن «غادروا فجأة» كانوا قد رحلوا منذ زمن، فقط لم يجدوا لحظةً مناسبة لإبلاغ أجسادهم.

  5. #

    بعض الناس لا يغادرون حين يغادرون. يتركون إيقاعًا في جسدك، طريقة في الالتفات، توقّعًا للخطوات حين يُفتح الباب. تتعافى، أو تظن ذلك، ثم تسمع أغنية أو تشمّ رائحة، فتكتشف أنهم كانوا نائمين فقط، لا غائبين.

  6. #

    هناك أشياء مكسورة بطريقةٍ لا يُعاد لصقها. ليس لأنها تحطمت، بل لأنها تشققت ببطء، خطًا رفيعًا كل مرة، حتى صارت الشقوق هي الشيء نفسه. نحملها هكذا، بحذر، نعرف أنها لن تعود كما كانت، ونعرف أيضًا أننا لن نستطيع التخلي عنها. هذا ليس ضعفًا — هذا ما يعنيه أن تكون قد أحببت شيئًا بما يكفي لتتشقق معه.

  7. #

    ليس هناك ما يسمى «إغلاق الصفحة». الصفحات لا تُغلق — تُطوى. والورق المطوي يحتفظ بأثر الطيّة. نحن لسنا كتبًا مرتبة؛ نحن أوراق مجعدة، مطوية، مبللة أحيانًا بدموع جفّت ولم تمحُ الكلمات.

  8. #

    نحن لا نملك حياة واحدة — نملك عدة حيوات ممكنة، كلها تموت إلا واحدة. كل «لا» قلتها، كل طريق لم تسلكه، كل قرار اتخذته — قتلت نسخة منك كانت تنتظر أن تولد. نحن نعيش حياة واحدة وننعى، في صمت، كل الحيوات التي لم نَعِشها.

  9. #

    نموت كثيرًا قبل موتنا الأخير. نموت كلّما تخلّينا عن رغبة، وكلّما خسرنا صديقًا، وكلّما اكتشفنا أن نسخةً منّا لم تعد موجودة. الموت الأخير ليس استثنائيًّا؛ هو فقط آخر موتٍ في سلسلةٍ طويلة لم ننتبه إليها، لأنّنا كنّا مشغولين بالعيش.

  10. #

    نحن لا نتغير. نتراكم. كل نسخة جديدة منا تُبنى فوق الأنقاض، والأنقاض لا تختفي — تتحول إلى أساس. لهذا نشعر أحيانًا بثقل لا نفهمه: نحمل كل من كُنّاهم، وكل من لم نستطع أن نكونهم.

  11. #

    نصلُ إلى منتصف العمر فنكتشف أننا لم نُصبح شخصًا آخر؛ بل صرنا نسخةً أكثر تراكمًا من الشخص نفسه. كلّ ما ظنّنا أنّنا تخلّصنا منه كان يسير خلفنا ويزداد ثقلًا. النضجُ ليس تطهّرًا، بل فهمٌ أعمقُ لما لا يُمكن أن نتطهّر منه.