شذرات

سطحٌ أملس

لوحة لكرسي خشبي أبيض متهالك على شاطئ صخري أمام بحيرة رمادية ساكنة، وبجانبه كوب معدني، وتحت سطح الماء طيف جسد مستلقٍ.
  1. #

    يعرف أن شيئًا ما انكسر، لكنه لا يبحث عنه. يمرّ بيده على صدره أحيانًا كمن يتفقّد جيبًا فارغًا. ليس الألم هو المشكلة — المشكلة أنه لم يعد يُفاجئه.

  2. #

    لم يكن يبكي. كان يتابع نفسه وهو لا يبكي. يتحقق كل بضع دقائق، كمن يضغط على كدمة ليرى إن كانت لا تزال تؤلم. لم تكن تؤلم. وهذا بالضبط ما لم يستطع أن يحتمله.

  3. #

    قالت له الحقيقة كاملة. ولم يرمش. لا لأنه كان يعرف، بل لأن شيئًا فيه كان قد أغلق قبل أن تبدأ الجملة. أومأ. شكرها. ثم أكمل تقطيع الخضار بنفس الإيقاع.

  4. #

    بعد الخسارة الكبيرة لم يبكِ. غسل الأطباق، أطفأ النور، نام. في الصباح فتح هاتفه وقرأ أخبارًا لا تعنيه بانتباه لم يمنحه لأحد من قبل.

  5. #

    لم يختر أن يتبلّد. فقط لم يعترض حين بدأ التبلّد يعمل. كمن يُشاهد نافذة تُغلق ببطء ويظن أن الهواء سيكفي. ثم ينسى أنه كان ثمة نافذة أصلًا.

  6. #

    التبلّد ليس غياب الإحساس. هو إحساسٌ اكتظّ بنفسه حتى توقّف عن الحركة — كدمٍ تجلّط في وريد. لا يزال هناك. لكنه لم يعد يصل.

  7. #

    في لحظة ما، يتوقف عن الشعور. لا حزنًا ولا فرحًا، فقط سطح أملس لا يعكس شيئًا. يشاهد حياته من مسافة، كأنه يقرأ عن شخص آخر. الأصدقاء يتحدثون، هو يومئ برأسه. الموسيقى تُعزف، هو يسمعها لكنها لا تصل. هذا ليس اكتئابًا بالضرورة، بل هدنة مؤقتة بين النفس والعالم، حين تقرر النفس أن الحياد أسلم من المشاركة.

  8. #

    ثمة لحظة يكفّ فيها الجسد عن ترجمة ما بالداخل. لا خفقان، لا ضيق، لا دمعة. مجرد هدوء رماديّ كسطح ماء راكد. من ينظر من الخارج يظنّه بخير. ومن ينظر من الداخل لا يجد أحدًا.

  9. #

    أحيانًا يأتي الوعي لا كضوء، بل كثقل إضافي على صدر كان قد اعتاد ألّا يتنفس بعمق. يتنبّه فجأة أنه كان يحبس شيئًا. لا يعرف ماذا. ولا يحاول أن يعرف. فقط يُخرج زفيرًا بطيئًا ويُكمل.

  10. #

    أحيانًا يستيقظ بشعور واضح أنه ليس هو. ليس انفصالًا — أبسط من ذلك وأغرب. كأن أحدًا ارتدى يومه عنه، وهو ما زال في السرير يتفرّج.

  11. #

    يعرف أن هناك شيئًا خاطئًا، لكنه لا يريد أن يسمّيه. التسمية تعني الاعتراف، والاعتراف يعني الفعل، والفعل يعني التغيير. فيظل يدور حول الألم، يقترب منه ثم يبتعد، يلمحه من زاوية العين دون أن ينظر إليه مباشرة. هكذا يمرّ الوقت: أنت تعرف، وتتظاهر أنك لا تعرف، والحياة تمضي وكأن شيئًا لم يحدث.

  12. #

    أحيانًا، تعرف الحقيقة لكنك تختار ألا تصدقها. ليس غباءً، بل رحمة بنفسك. تترك مساحة صغيرة للشك، ثغرة تتنفس منها، حتى لا تختنق بما تعرفه. هذه ليست سذاجة، بل آلية بقاء. النفس البشرية أذكى من أن تواجه كل شيء دفعة واحدة.

  13. #

    هناك طبقة من الوعي تعمل كحارسٍ ليلي: تفرز ما يدخل، تُبطئ ما يؤلم، تُؤجّل ما لا تستطيع الذات استقباله الآن. نسمّيها قوة. وهي في الحقيقة نوعٌ من الذعر البطيء.

  14. #

    أخطر ما في آليات الدفاع أنها تعمل. تُنقذك فعلًا. ثم تنسى أنها كانت حالة طوارئ، فتبقى ساريةً في زمن السلم. تبني جدارًا لتنجو من شتاء واحد، فتجد نفسك تعيش خلفه عشرين سنة — لا لأن الشتاء لم ينتهِ، بل لأنك نسيت أين وضعت الباب.

  15. #

    يتظاهر بأنه لا يهتم. يبني حوله جدرانًا من اللامبالاة، ويقنع نفسه أنه تجاوز الأمر. لكن في الثالثة فجرًا، حين لا يراقبه أحد، حتى هو، ينهار كل شيء. يستيقظ على ألم غامض لا يعرف مصدره، ويدرك أن اللامبالاة لم تكن إلا قناعًا أثقل من الألم نفسه.

  16. #

    يحدث أن تفقد جزءًا منك دون أن تلاحظ. يومًا ما تستيقظ وتكتشف أنك لم تعد تضحك بنفس الطريقة، أو أن شيئًا كان يؤلمك لم يعد يعنيك. لا تعرف متى حدث ذلك بالضبط، لكنه حدث. وأنت لست متأكدًا إن كان هذا شفاءً أم فقدانًا آخر.