- #
هناك صمتٌ لا علاقة له بغياب الصوت. صمتٌ له وزن، يضغط على القفص الصدري من الداخل. تستيقظ به، تحمله معك إلى المطبخ، يجلس قبالتك وأنت تحرّك ملعقة في كوبٍ فارغ. لا أحد علّمنا كيف نتنفس حين يمتلئ الهواء بهذا النوع من الثقل.
- #
تتجمّع في الحلق كحصى صغيرة. نبتلعها مع القهوة الصباحية، نغسلها بالماء، لكنها لا تذوب. تترسّب في مكانٍ عميق، طبقةً فوق طبقة، حتى يصير الصدر أثقل مما ينبغي لصدرٍ بشري. نسمّي هذا «كتمانًا» أو «حكمة» أو «تأدبًا»، ونحن نعرف أنه مجرد خوف قديم يرتدي أسماءً جديدة.
- #
الألم الذي لا يُقال لا يختفي. يترسّب في الجسد، طبقة تلو أخرى، حتى يصير جزءًا من الوضعية التي تجلس بها، من طريقة مشيك، من نبرة صوتك حين تقول «أنا بخير». لا أحد يلاحظ، حتى أنت تنسى أحيانًا. لكن الجسد لا ينسى. يظل يحمله، بصمت، حتى يأتي يوم يسقط فيه كل شيء دفعة واحدة، بلا سبب واضح.
- #
الألم الذي لا يُقال لا يختفي. يتحوّل إلى دقّة في اللغة: اختيارٌ حذرٌ للكلمات، جملٌ لا تقترب كثيرًا، نبرةٌ مهذّبة تحمي مسافةً لم يطلبها أحد. الصمت ليس فراغًا — الصمت بناءٌ هندسيّ شيّده أحدهم ليلًا، حجرًا حجرًا، بأصابع مرتجفة.
- #
الحزنُ الذي نمنعه من الخروج لا يبقى على حاله؛ يتحوّل. يصير قسوةً، أو بردًا داخليًّا، أو تعبًا غامضًا لا نجد له سببًا. الحزنُ لا يختفي حين نقمعه؛ يُغيّر هيئتَه فقط، ويستقرّ في مكانٍ أعمق. ولهذا، بعضُ ما نسمّيه «شخصيّة قاسية» ليس قسوةً فطرية؛ بل حزنٌ قديمٌ لم يجد طريقَه إلى البكاء.
- #
الشيء الذي لم تقله لأبيك، أو لأمك، أو لذلك الصديق الذي ابتعد — لا يختفي لأنك لم تقله. يتسرّب إلى أماكن أخرى. يصير عصبيةً على غريب، أو بكاءً أمام فيلم لا يستحق، أو أرقًا في ليلةٍ ليس فيها ما يُقلق.
- #
الأشياء التي لم تُقل لأبيك لن تُقال الآن. ليس لأنه رحل، بل لأنه حتى وهو أمامك، كان هناك ممرٌّ طويل بينكما لا يعرف أحدكما من حفره. كنتما تجلسان في الغرفة نفسها، وكل منكما في قارة.
- #
حين كنتَ صغيرًا، كان البكاء يخرج كاملًا، بلا إذن، بلا ترتيب. الآن صار يتعثّر في منتصف الحلق، يتردد، يسأل: هل الوقت مناسب؟ هل المكان آمن؟ هل يستحق هذا الشيء أن أنهار من أجله؟ علّمونا أن نُدير حتى انكسارنا بكفاءة.
- #
هناك نوع من البكاء لا علاقة له بالحزن. يأتي مثل عطسة، مثل فواق، مثل شيء في الجسد تذكّر شيئًا رفض العقل تذكّره. لا تحتاج أن تفهمه. فقط اتركه يمرّ.
- #
الدموعُ ليست دائمًا حزنًا؛ إنّها أحيانًا إعلانُ الجسد أنّه بلغ حدَّه اللغويّ. حين لا نقدر على قول ما نشعر به، يتولّى الجسدُ المهمّة بلغته الأقدم. لهذا يبكي بعضُنا من الغضب، ومن الإرهاق، ومن الفرح الثقيل. الدموعُ ليست عاطفةً واحدة؛ هي فيضٌ يحدث حين تُغلَق كلّ المنافذ الأخرى.
- #
الهدوءُ الذي يأتي بعد البكاء الطويل ليس راحة؛ بل فراغٌ حادّ. الجسدُ، بعد أن ينصرف كلّ شيء منه، يصبح شفّافًا إلى درجةٍ مزعجة. هذا الهدوء ليس شفاءً؛ هو فقط توقّفٌ مؤقّت قبل أن تعود الأشياء إلى أماكنها. ولهذا نخاف أحيانًا من الاستسلام للبكاء: لأن ما بعده أثقلُ من نفسه.
- #
أحيانًا لا تريد حلًا. تريد فقط أن يجلس أحدهم بجانبك ويقول: «هذا ثقيلٌ فعلًا». لا نصيحة، لا مقارنة بمن هو أسوأ حالًا، لا «على الأقل». فقط اعترافٌ بأن ما تحمله له وزن.
- #
الصمت ليس غياب الكلام. أحيانًا يكون امتلاءً فظيعًا بكل ما لا يمكن قوله. تجلسان معًا، لا تتحدثان، وكل واحد منكما يعرف ما يفكر فيه الآخر، لكن لا أحد يتكلم. لأن الكلام لن يغيّر شيئًا، بل سيجعل الأمر أكثر واقعية، أكثر نهائية. فتختاران الصمت، لا رحمة، بل خوفًا.
- #
أصعبُ الصمت ذاك الذي يقع بعد أن يُقال كلُّ شيء، حين لا يبقى من الكلام ما نختبئ خلفه. هناك فقط نسمع أنفاسَ الآخر — أو غيابها.
ألمٌ بلا فم
