كانوا يسمّونه «صدمة القذيفة».
كلمتان فقط.
صوت الانفجار في الأولى، أثره في الثانية. الجندي الذي عاد من الخندق يرتجف — كان الاسم يرتجف معه. من يسمعه يتخيّل الصوت، يشمّ البارود، يرى الوحل الممزوج بما لا يُسمّى. الكلمة كانت تنقل العدوى.
الآن نقول: «اضطراب ما بعد الصدمة». أربع كلمات — لكنها لا ترتجف. لا تنقل شيئًا سوى نفسها.
«اضطراب» — شيء خارج الترتيب، قابل للإصلاح. «ما بعد» — انتهى، أصبح في الماضي. «صدمة» — كلمة ناعمة الحواف، بلا شظايا. المصطلح لا يُسمعك القذيفة. لا يُشمّك الموت. يُخبرك فقط أن شيئًا ما حدث، لشخص ما، في وقت ما.
المسافة هي الفرق.
لم تختفِ القذيفة. لم يتوقف الارتجاف. الجندي ما زال يستيقظ في الليل على صوت لا يسمعه أحد غيره. ما تغيّر ليس الألم — ما تغيّر المسافة بينه وبين من يقرأ عنه. المصطلح الجديد يضع وسادة هوائية بين الحدث والقارئ. تصله المعلومة باردة، جاهزة للأرشفة، صالحة للنسيان.
أتساءل أحيانًا: من طلب هذه المسافة؟ ليس الجندي — فهو يعرف ما يعيشه بلا مصطلحات. ليس من يحبه — فهم يرون الارتجاف كل ليلة. المسافة طُلبت ممن سيقرأ الملف دون أن يعرف صاحبه. الطبيب الذي سيكتب التقرير. شركة التأمين التي ستحسب التعويض. اللجنة التي ستقرر إن كان «الاضطراب» يستحق معاشًا أم لا.
اللغة الجديدة لم تُكتب للمصاب.
كُتبت لمن سيتعامل معه.
الشرح الطويل لا يُوضّح دائمًا. أحيانًا يُغرق. «أساليب استجواب معزّزة» — خمس كلمات تحتاج كل واحدة منها إلى شرح. ما هي الأساليب؟ معزّزة بماذا؟ استجواب من؟ ولماذا؟ الأسئلة تتكاثر، والإجابات تتشعب، والألم الأصلي — ذلك الجسد المربوط، تلك الصرخة المكتومة — يضيع في متاهة التفسير.
«تعذيب» كلمة واحدة لا تحتاج شرحًا. تصل إلى المعدة قبل أن يفكر العقل. لهذا استُبدلت. ليس لأنها خاطئة، بل لأنها سريعة جدًا. لا تترك للقارئ وقتًا ليستعد، ليبني دفاعاته، ليضع الحدث في خانة «الضرورة» أو «الظرف الاستثنائي». الكلمة القصيرة تُدين قبل أن تُفسَّر. الكلمة الطويلة تُفسَّر قبل أن تُدين — وأحيانًا بدلًا من أن تُدين. كلما طال المصطلح، قصُر أثره.
الضحية تتكلم بلغة مختلفة.
أفعال قصيرة. صور مباشرة. «ضربني». «أغرقني». «تركني في البرد». لا صياغات، لا تمهيدات، لا «تم» أو «جرى» أو «حدث أن». الفاعل موجود، والمفعول به موجود، والفعل يصل بينهما كحبل مشدود. لغة من عاش لا تُعقّم نفسها.
لكن التقرير يحتاج لغة أخرى.
«تمّ تطبيق ضغط جسدي».
«جرى التعامل مع المحتجز».
«حدثت واقعة أثناء الاستجواب».
الفاعل اختفى. المفعول به صار «حالة» أو «محتجزًا» أو «موضوع التقرير». الفعل نفسه ذاب في صيغة المبني للمجهول، كأن الأشياء تحدث وحدها، بلا يد تفعلها، بلا إرادة تقررها.
من يُحاسَب حين تختفي الأفعال؟
لا أحد. هذا هو القصد.
أمسك القلم وأفكّر في الأمثلة.
«قتل» صارت «استخدام القوة المميتة».
«سجن» صار «احتجاز وقائي».
«طرد» صار «إنهاء خدمة».
«مجزرة» صارت «اشتباكًا مسلحًا» أو «أضرارًا جانبية».
في كل مرة، المسار واحد: الكلمة الأولى تشير إلى جسد، إلى ألم، إلى مسؤولية. الكلمة الثانية تشير إلى إجراء، إلى سياق، إلى منظومة.
الجسد يختفي. الإجراء يبقى.
الضحية تُمحى. النظام يستمر.
لكن الكلمة الجديدة لا تكذب. هذا أغرب ما فيها. «استخدام القوة المميتة» وصف دقيق لما حدث. القوة استُخدمت. كانت مميتة. لا خطأ في الصياغة. المشكلة أن الدقة هنا قناع. الوصف صحيح، لكنه يصف الحدث من الخارج، كما تصف خريطة حريقًا: بإحداثيات، بدرجات حرارة، بمساحات محترقة. كل شيء صحيح. لا شيء يحترق. الكذب يُفضح. الدقة الباردة تُصدَّق.
أسأل نفسي: ما الذي يستفيد؟ ليس الفهم. من يقرأ «اضطراب ما بعد الصدمة» لا يفهم الحرب أكثر ممن قرأ «صدمة القذيفة». ربما يفهم أقل. المستفيد هو التداول. الكلمة الناعمة قابلة للتوقيع، للأرشفة، للتمرير من مكتب إلى مكتب دون أن تُحرج أحدًا. يستطيع الموظف أن يقرأها، يوقّعها، يرسلها، ثم يشرب قهوته.
اللغة التي لا تُربك، تُسهّل الاستمرار.
المفارقة تؤلم حين أتأملها. الكلمات صارت أقل إيلامًا من الواقع الذي تصفه. «أضرار جانبية» لا توجع. البيت المهدوم يوجع. المصطلح أخفّ من الحدث، أنعم من أثره، أقل حدةً من الصرخة التي لم تُسمع. وحين تصبح الكلمة أهدأ من الفعل — يصبح الفعل نفسه أكثر قابلية للتكرار.
هل التسمية تخلق الواقع؟
لا. لكنها تحدد كم نستطيع أن نحتمل منه.
الحبر جفّ على الورقة. الخانة ضيقة، لكن المصطلح تمدد حتى ملأها. الكلمة القديمة كانت ستبقى فارغة حولها مساحة بيضاء — مساحة للسؤال، للشك، للانزعاج. الكلمة الجديدة لا تترك مساحة. تملأ الخانة بأحرفها الكثيرة، وتملأ الذهن بتفسيراتها، ولا تترك مكانًا لما لا يُقال.
ربما لم نعد نسمّي الأشياء بلطف.
ربما سمّيناها بما يسمح لها أن تستمر.
ربما اللغة لم تعد تحمينا من العنف—
بل صارت تحمي العنف منّا.
نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية
