مقالات

من مسودة «هدوءٌ لا يعبر» — النص 8 من 9

الشرنقة

عن البقاء داخل السلطة

لوحة زيتية لقاعة معتمة ينفذ فيها خيط ضوء من شقّ ستارة حمراء ثقيلة، وبجوارها كرسي منحوت خالٍ ومعاطف معلّقة على الجدار ومرآة مذهّبة وباب مفتوح على ممرّ مظلم.

«السلطة لا تُورَث بالوثائق. تُورَث بالرعب»


ليس السؤال: كيف وصل إلى السلطة. السؤال: كيف بقي من حوله أحياء.

في مارس 1953، جسدٌ ممدد على أرضية الداتشا. الحراس خلف الباب يسمعون الصمت، يعرفون أن شيئًا انكسر، لكنهم لا يدخلون. ليس خوفًا من الموت، بل من احتمال أنه لم يمت بعد. الطاعة تعلّمت أن تستمر حتى حين يغيب موضوعها.

هذا ليس تاريخًا. هذا بنية.

ستالين لم يكن استثناءً بسبب ما فعله، بل بسبب ما أتاحه. حوّل دولة زراعية إلى قطب صناعي، وقاد حربًا حسمت مصير القارة، وأقام نظامًا بقي بعده عقودًا. لكن هذه إنجازات السطح. تحتها سؤال آخر: ما الذي يجعل نظامًا بأكمله يعمل لثلاثين سنة على إيقاع رجل واحد، ثم ينهار الإيقاع في لحظة موته، ثم يستمر النظام بعده؟

الجواب لا يكمن في الرجل. يكمن في الدائرة.


التعرّف على أي حاكم يستلزم النظر فيمن نجا حوله. ليس من خدمه، بل من بقي حيًا بعد أن خدمه. هؤلاء ليسوا رجالًا بالمعنى الفردي؛ هم وظائف. كل واحد منهم يشغل موقعًا في منظومة لا تعمل إلا حين يظل الخوف موزعًا بالتساوي.

ستالين قالها بلسانه: لا أثق حتى في نفسي. لكن انعدام الثقة لم يكن عيبًا، بل منطق تشغيل. حين تفترض الخيانة من الجميع، تصبح المراقبة الدائمة ضرورة. وحين تصبح المراقبة بنيوية، يتحول كل من حولك إلى مشتبه به يثبت براءته كل يوم.

بيريا فهم هذا مبكرًا. لم يكن يعتقد أن ستالين يحبه، ولم يكن يعتقد أنه سينجو. كان يعرف فقط أنه لم يمت بعد، وأن كل صباح هو تأجيل لا نجاة.

هذا الوعي المستمر بالموت الممكن لا يجعل الإنسان شجاعًا. يجعله دقيقًا.

الجورجيان اللذان حكما أكبر دولة في الأرض لم يكونا روسيين إلا بالصدفة الإدارية. جاءا من جبال القوقاز، حيث الولاء حسابٌ يومي لا قيمة أخلاقية. ستالين تعلّم هذا من أبيه الإسكافي السكّير، ثم من شوارع تفليس حين صار لصًا يسرق لتمويل الثورة. الثورة كانت الفكرة، لكن العنف كان اللغة. والأفكار تتغير، أما اللغة الأولى فلا تُنسى.

حين ماتت زوجته الأولى عام 1907، قال: ماتت معها آخر مشاعري الدافئة. لم يكن يشكو. كان يُعلن. في العام نفسه، قاد سرقة المصرف الإمبراطوري—ثلاثمئة ألف روبل، وعشرات القتلى. بعدها، لم يعد هناك ما يُفقد. ومن لا يخاف الفقدان، لا يمكن ابتزازه.

الرجال الأربعة الذين بقوا حوله حتى النهاية لم يكونوا خائفين فقط. كانوا مفتونين. السلطة المطلقة تخلق جاذبيتها الخاصة: كل شيء ينجذب نحو المركز، وما يقترب كثيرًا يختفي. مالينكوف كان يعرف أن كفاءته سبب بقائه، وأن الكفاءة وحدها لا تكفي. خروتشوف كان يلعب دور البسيط. بولجانين كان العين على الجيش. أما بيريا، فكان يدير جهاز الخوف، يعرف أين تُحفر القبور قبل أن يُقرر من سيملأها.

ستالين لم يكن يثق بأحد، لكنه كان يحتاج أدوات. والأداة الجيدة تعرف أنها قابلة للاستبدال.

بيريا كان الأكثر وحشية، ليس لأنه يستمتع بالقتل، بل لأنه يعرف أن الوحشية الكافية تجعلك ضروريًا. لكن الأداة التي تصير ضرورية جدًا تصير خطيرة. في الأشهر الأخيرة، كان ستالين يستعد للتخلص منه. موت ستالين لم يكن نجاة لبيريا. كان تأجيلًا آخر.

بعد أشهر، اعتُقل في اجتماع البريزيديوم، حوكم، أُعدم. ثم طُلب من المواطنين أن يقصوا صفحته من الموسوعة. السلطة لا تكتفي بقتل الجسد؛ تمحو الاسم.

الرسالة لم تكن للميت. كانت للأحياء.

الرجال الذين نجوا من ستالين لم يغيروا الآلة. حسّنوها فقط. خروتشوف تحدث عن إزالة عبادة الفرد، لكنه لم يفكك البنية.

البنية كانت أكبر من أي اسم.

التاريخ لا يُصنع بالقرارات الكبرى. يُصنع بما لم يُحلّ. ما لم يُعالَج في الطفولة لا يختفي، يتحول إلى سياسة. والسياسة حين تُدار بالجروح القديمة تُنتج جروحًا جديدة تتوارثها أجيال لم تكن موجودة حين كان الإسكافي يضرب ابنه في ليالي غوري.

لو كان ستالين سليمًا نفسيًا، لما كان الاتحاد السوفيتي كما عرفناه. لكن هذا لا يعني أنه صنعه. يعني أن النظام وجد فيه ما يحتاجه: رجلًا لا يثق، ولا يُثقل ضميره الفعل، ولا يتوقف عن المراقبة.

حين مات، لم يبكِ رجاله حزنًا. بكوا خوفًا من الفراغ الذي سيتصارعون على ملئه. وحين امتلأ، عاد الإيقاع.

مختلفًا قليلًا. لكنه عاد.

ليس الموت ما كانوا يخافونه تلك الليلة. كانوا يخافون السؤال:

إذا لم يعد هناك من نخافه، فمن سنكون؟

نُشر هذا النص أول مرة في رسالة «سُلطان.» — اقرأ النسخة الأصلية

التالي في مسودة «هدوءٌ لا يعبر»

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.