نصوص.

ارض مستوية

-

ارض مستوية

الإصبع لم يتردّد.

هذا ما يُربك. ليس ما سيأتي بعد الضغط، بل أن اليد تحرّكت نحو الزرّ كما تُفتح أبواب مألوفة — بلا ثقل، بلا ذلك التوقّف القصير الذي يسبق القرارات التي تعرف أنها قرارات. الإصبع وصل. ضغط. والشاشة أضاءت نقطة حمراء صغيرة في الزاوية، كنبض قلب لا ينتمي لأحد. بعدها فقط بدأت الغرفة تتغيّر. ليس ترتيبها. لا الإضاءة. لا الأصوات. ما تغيّر هو ملمس الهواء نفسه. الغرفة التي كانت مغلقة صارت مُشاهَدة. ومن فيها — هو أوّلهم — انتقل من شخص يفعل إلى شخص يُنتج مادة عن فعله.

الفرق دقيق، لكنه الفرق الذي يُنجز كلّ شيء. حين تُسجَّل اللحظة، تصير شيئًا سيُرى لاحقًا. واللاحق يسحب الفاعل خطوة إلى الخلف. خطوة واحدة تكفي. لأنه حين يصير الفعل مادّة مؤجّلة — شيئًا سيُعاد تشغيله في وقت آخر، بإضاءة أخرى، بمسافة أخرى — فإن ثقله ينتقل من الحاضر إلى مكان لم يأتِ بعد. والحاضر يخفّ. يصير قابلًا للعبور.

هو لا يعرف هذا بوصفه فكرة. لا يقول لنفسه: أنا أوثّق كي أتحمّل. لا أحد يقول ذلك. ما يحدث أبسط وأقسى: الكاميرا تُوجَد، فيصير الفعل شيئًا يُصنع لا شيئًا يقع. وما يُصنع يحتاج صانعًا. والصانع ليس مرتكبًا. الصانع ينظر من زاوية، يختار إطارًا، يتحقق من الضوء. الصانع مشغول. الانشغال هو الآلية. لأن ما يشغل الذهن بالتأطير — بالزاوية، بالمسافة، بهل الصوت واضح، بهل الصورة مستقرة — يسحب الانتباه من الشيء الذي يحدث أمام العدسة إلى الشيء الذي تلتقطه العدسة. والمسافة بين الاثنين كافية. كافية تمامًا لأن يتعطّل شيء كان من المفترض أن يعمل. ليس الضمير بمعناه الكبير. لا تحدث مواجهة داخلية ولا تُكسر قيمة. ما يتعطّل أصغر: يتعطّل الحضور. ذلك الشيء الذي يجعل الإنسان يشعر أنه هنا — فعلًا هنا — حيث يحدث ما يحدث. الكاميرا تُنتج موقعًا ثالثًا: لا أنتَ الفاعل، ولا أنتَ الشاهد الذي ستؤلمه المشاهدة لاحقًا. أنتَ المُشغِّل. عين وظيفتها أن تبقى مفتوحة. وظيفتك أن الشريط يدور. وحين تكون وظيفتك أن الشريط يدور، فإن ما يدور أمامه يصير مسؤولية الشريط.

في المرة التالية، لم يعد الزرّ يحتاج إلى إصبع واعٍ. صار جزءًا من التحضير. مثل إغلاق الباب. مثل إسدال الستارة. مثل وضع الهاتف على الصامت. الكاميرا لا تُشغَّل عند حافة القرار بل قبله بمسافة كافية ليصير قرار التسجيل غير مرئي داخل تسلسل الأفعال الأخرى. يذوب فيها. الوصول، الإغلاق، التشغيل، البدء. كل خطوة تمهّد للتي تليها وتُخفيها في الوقت نفسه. لا واحدة منها تبدو كأنها القرار. لأن القرار توزّع عليها جميعًا، وحين يتوزّع القرار يختفي.

هذا هو الإنجاز الحقيقي للتكرار: لا أنه يُبلّد — هذا يحدث أيضًا لكنه ليس الجوهر — بل أنه يُدمج الاستثنائي في اليومي. الفعل الذي كان يحتاج إلى آلية يصير هو نفسه جزءًا من آلية أوسع. والجلد — الجلد الذي كان يرتجف قبل أن تمتدّ اليد — يفقد طبقته الخارجية. ليس دفعة واحدة. طبقة بعد طبقة، حتى يصير الحدّ الذي كان يحتاج عبوره إلى آلية مجرّد عتبة بين غرفتين. فيبحث عن عتبة أبعد. لا لأن شيئًا يسوقه. بل لأن الأصابع لم تعد تشعر بملمس ما تلمسه. والشيء الذي لا يُقاوم أصابعك يفقد حوافّه. يصير أملس. والأملس لا يُثبت شيئًا.


يُعاد تشغيل الملف في وقت لاحق. غرفة مظلمة إلا من ضوء الشاشة. الصوت منخفض. وهنا ينقلب شيء ثانٍ. من كان مُشغِّلًا يصير مُشاهدًا. والمُشاهد يرى شخصًا يشبهه يفعل شيئًا في مكان يعرفه. والمسافة — مسافة الشاشة، مسافة الوقت الذي مرّ، مسافة أن الجسد الآن في مكان آخر — تُنتج شيئًا لا يُمكن تصنيفه بسهولة. ليس ندمًا. ليس إثارة فقط. شيء أقرب إلى التأكّد. تأكّد من أن ما حدث حدث فعلًا. أن الغرفة كانت حقيقية. أن الإصبع ضغط. لأنّ الأفعال التي تقع في غرف لا يدخلها إلا من يُختار — غرف أُزيل منها كل ما يُذكّر بوجود آخر، كل ما يُجبرك على أن ترى نفسك كما تُرى — هذه الأفعال تميل مع الوقت إلى أن تفقد حوافّها. تلين. تتداخل مع ما قبلها وما بعدها. تصير ذكرى ناقصة يمكن التشكيك فيها. والتشكيك مريح. والملف على الشاشة يمنع الراحة. أو يمنح راحة من نوع آخر: راحة أن الحدود لا تزال قائمة بين ما أفعله وما أتخيّله فقط. لأن من لا يثق بقدرته على الفعل يحتاج إلى دليل. والدليل ليس للمحكمة. والدليل ليس للآخرين — لا أحد سيرى هذا، هكذا يقول لنفسه، وقد يكون صادقًا. الدليل للمرآة. المرآة التي يُخبّئها في مكان لا يدخله أحد ويعود إليها في ساعات لا اسم لها ليرى الوجه الذي لا يستطيع أن يُريه ولا يستطيع أن ينساه.

الملفات تتراكم. لا أحد يُرتّبها بنيّة الأرشفة. لكن عدم الحذف هو نفسه قرار. والتسمية — حتى لو كانت رقمًا وتاريخًا تلقائيًا — تُنتج تسلسلًا. والتسلسل يُنتج سردية. ومن يملك سردية يملك ماضيًا منظّمًا. والماضي المنظّم أسهل في التعايش معه من الماضي المبعثر الذي يظهر في لحظات لا تختارها. هكذا يصير الأرشيف — بلا قصد مُعلن — جزءًا من البنية التي تسمح بالاستمرار. لأن ما هو موثّق يبدو مُتحكَّمًا فيه. وما هو مُتحكَّم فيه لا يُخيف بالدرجة ذاتها.


لكنّ الأرشيف لا يبقى في المكان الذي وُضع فيه. ليس لأنه يتحرّك. بل لأن ما حوله يبدأ بالتصرّف كأنه موجود حتى حين لا يُذكر. الملفات لم تُفتح. لم تُعرض. لم يُشَر إليها بإصبع ولا بكلمة. لكنّ وجودها — مجرّد احتمال وجودها — يغيّر كثافة الهواء بين الأشخاص. مكالمة تُغلق قبل أن تصل إلى السؤال الذي كانت ستصل إليه. نبرة صوت تهبط نصف درجة عند اسم بعينه. ملف يُوقَّع دون أن تُقرأ الصفحة الأخيرة. مصافحة تطول ثانية. ليس خوفًا. الخوف يحتاج إلى تهديد معلن، ولا تهديد هنا. ما يحدث أدقّ: يحدث ترسّب. الطريقة نفسها التي يترسّب بها الكلس في أنبوب ماء — لا حدث واحد يُشار إليه، لا لحظة تحوّل، فقط تضيّق بطيء لا يُلاحظه من يشرب.

والأرشيف لا يحتاج إلى أن يعمل كي يعمل. يكفي أنه ممكن. أنّ شيئًا ما، في مكان ما، يحمل ما يحمله. هذا الاحتمال وحده — لا المادة، لا الملف، لا الصورة — هو ما يعيد ترتيب الغرفة. كمن يعرف أن خلف أحد الجدران سلكًا كهربائيًا مكشوفًا: لا يلمس الجدار. ولا يقول لماذا لا يلمسه. ولا يبدو أنه يتجنّب شيئًا. لكنّ جسده يتحرّك حول الجدار بإيقاع مختلف. والجسد لا يكذب في ممرّاته، حتى حين يكذب صاحبه في كلامه.

هكذا تتحوّل البنية: لا بإعلان، لا بعقد، لا بجلسة يُقرّر فيها أحد أن القواعد تغيّرت. بل بتعديلات صغيرة لا يملكها أحد. كلّ واحد يفعل ما يبدو طبيعيًا — ما يبدو أنه الشيء الصحيح في هذه الثانية بالذات — ومجموع هذه الأشياء الصحيحة الصغيرة ينتج ممرًّا لا يراه أحد لكنّ الجميع يمشي فيه. الممرّ لا يقود إلى مكان بعينه. لكنه يمنع الخروج منه دون أن يبدو كجدار.


لم تعد الكاميرا تُشغَّل. الذي يحدث ببساطة أن الأشياء لم تعد تحدث خارجها.

والأرشيف الذي لا يُفتح يعمل كضمان لم يُوقَّع. لستَ خائفًا ولستَ مُطمئنًّا. أنتَ في حالة ثالثة لا اسم لها. والاحتياج لا يسكن في القرار. يسكن في الجسد. في الفرق بين ليلة يكون فيها الملف موجودًا وليلة يتخيّل فيها أنّ أحدًا حذفه. الفرق لا يُقاس بالأفكار. يُقاس بعمق النَّفَس.

وفي لحظة — لا يمكن تحديدها لأنها لم تقع دفعة واحدة — يكتمل شيء لم يكن أحد يبنيه. نظام. لا أحد صمّمه. لا أحد يملكه. لا أحد يستطيع أن يُشير إلى مركزه لأنه بلا مركز. المسجِّل لا يعرف أنه ينتج بنية. والذين يتحرّكون حولها لا يعرفون أنهم يؤدّون وظائف. والملفات لا تعرف أنها تربط. لكنّ الكلّ يعمل. بصمت خالٍ من الاتفاق. والنتيجة واحدة دائمًا: لا أحد يتحرّك بحرّية كاملة، ولا أحد يستطيع أن يُسمّي ما يمنعه. لأن ما يمنعه ليس شيئًا. ما يمنعه هو ترتيب أشياء.

لحظة واحدة كانت تستحق أن تُراقَب. ليست لحظة الفعل. ولا لحظة التشغيل. بل اللحظة التي بينهما. اللحظة التي يتحوّل فيها الضوء الأحمر من إشارة إلى خلفية. من شيء يُلاحَظ إلى شيء يُنسى أنه موجود. تلك اللحظة هي الانزلاق الفعلي. لأنها اللحظة التي يكفّ فيها التوثيق عن كونه فعلًا إضافيًا — فعلًا يحتاج إلى تبرير خاصّ به — ويصير مجرّد شرط بيئي. مثل الإضاءة. مثل الجدران التي لا تسمع. مثل الهواء في غرفة لا يدخلها إلا من يُسمح له. والوعي الذي لا يرى الكاميرا تعمل — مع أنه هو من أشعلها — هو وعي أتقن شيئًا لم يتدرّب عليه بوعي: أتقن ألّا يرى ما لا يريد أن يراه وهو ينظر إليه مباشرة.

الغرفة فارغة الآن. الكاميرا مطفأة. الملف محفوظ في مكان يعرفه وحده. وهو يعرف أنه سيعود. لا لأن شيئًا يدفعه. بل لأن لا شيء يوقفه. ولأن العتبة التي عبرها بالأمس لم تعد تُحسّ تحت القدم. صارت أرضًا مستوية. والقدم التي لا تشعر بالعتبة لا تعرف أنها عبرت. فتمشي. والكاميرا ستكون هناك. لا لأنها تُطلب. بل لأنها صارت جزءًا من التسلسل الذي لا تبدو أيّ خطوة فيه كأنها القرار. والنقطة الحمراء في الزاوية لا تزال مطبوعة على الشبكيّة. ليس لأنها كانت مؤلمة. بل لأنها في لحظة ما صارت غير مرئية. وما يصير غير مرئيّ لا يُمكن مراجعته. ولا يُمكن إيقافه.

آخر تحديث