تجاوز إلى المحتوى
~/series/هدوء-لا-يعبربطاقة في التربة · نصّ 3 من 9
READ 0%6 MIN LEFTWORDS 1,015
FILE 107 / 118 · بطاقة-في-التربة.md

§ قصص · هدوءٌ لا يعبر · 3 / 9

بطاقة في التربة

بطاقة-في-التربة.mdFILE 107 / 118
النوعقصص
التاريخ
المسودةهدوءٌ لا يعبر — النصّ 3 من 9
القراءة6 دقائق · 1,015 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
لوحة زيتية لمشتل تحت شبك تظليل أخضر، أرضه مبلّلة بين صفوف أصص النباتات، يقف فيه رجلان يحمل أحدهما أصيصًا وينظر في بطاقة صغيرة بيده، وخلفهما عمّال بين الصفوف وطفل يركض.
FIG. 01 · 1536×1024 · PNG

كان الوقت قبل الظهر، والمشتل يعمل كأنّ أحدًا لم يخبره بالحرارة. ماء متبقٍّ على الأرض الأسمنتية يتبخّر في خطوط رقيقة، وخرطوم يُسحب بين الصفوف فيصطكّ بأصص البلاستيك صوتًا خفيفًا متكرّرًا، ورجل يمرّ بيننا وكيس التربة على كتفه فيعتذر بحركة من رأسه. تحت شبك التظليل يصير الهواء رطبًا وثقيلًا، وتصعد من الصفوف رائحة طين مبلول لا تشبه شيئًا آخر في المدينة.

كنت أحمل أصيصًا صغيرًا، نبتة ظلّ طلبها أبي لممرّ الفناء، وأخي يمشي أمامي ويعدّ الأصص بإصبعه للمرة الثانية لأنه لم ينم. قلت له، ونحن نتقدّم بين الصفوف، إنّي صرت أقف بالسيارة أمام البيت دقيقتين قبل أن أنزل. قلت ذلك بصوت أخفض من صوت الماء، وأنا أُخرج البطاقة البلاستيكية المغروسة في تربة الأصيص ثم أعيدها، أُخرجها وأعيدها، وقد وجدت يدي لنفسها عملًا. وبدأت أقول إنّ صوت أبي حين يعلو يفعل بي شيئًا لم أعرف كيف…

قال أخي، وهو يمدّ يده إلى أصيصٍ أكبر ويقلّبه لينظر إلى قاعه: «هذا أبوك في النهاية». ثم رفع رأسه إلى العامل وسأله إن كانت هذه تتحمّل شمس العصر.

لم أكمل. سمعت نفسي أقول: أعرف. ورأيت يدي تدفع البطاقة إلى التربة حتى غاصت أكثر من موضعها الأول. عاد الخرطوم يرشّ في الصفّ المجاور، ونودي طفلٌ باسمه من بعيد فمرّ راكضًا بيننا، ومضى الكلام إلى الشمس والتصريف وسعر كيس التربة. ومضيت معه. وشيء فيّ خفّ في تلك اللحظة، ولم أسمّه وقتها راحة.


الجملة صحيحة. هو أبي، ولا شيء في هذا يُناقَش. لهذا لم أستطع أن أعترض؛ فمن يعترض على قرابة؟ لكنها لم تسألني عمّا حدث في الممرّ مساء أمس، ولا عن الدقيقتين في السيارة، ولا عمّا يجعل رجلًا في الثلاثين ينتظر خلف مقود واقف كي يجمع نفسه قبل السلام على أبيه. أخذت الحكاية كلها ووضعتها في مكانها الصحيح على الرفّ، وأغلقت عليها بابًا من مودّة. ثم نقلت السؤال من الفناء إلى داخلي: لم يبقَ ما ينبغي فحصه إلا موقفي، وقد صار موقفي هو الخبر الذي يستحقّ التعليق.

وأين تذهب الجملة التي تُقطع في وسطها؟ لا تذهب بعيدًا. تعود إلى صاحبها، فيتعلّم في المرة التالية أن يقصّها قبل أن يقولها. يحكي نسخة أقصر، ثم نسخة لا تحتاج ردًّا، ثم يكتفي بأن يقول: الأمور على حالها، الحمد لله. وبعد سنتين من هذا التقصير المتدرّج يجد أنه لم يعد يملك لغة لِما يعيشه؛ لا لأن أحدًا منعه، بل لأن اللغة تضمر إذا لم يستقبلها أحد. الصمت الذي يبدأ هكذا لا يشبه الصمت الذي يختاره الإنسان. له طعم آخر، طعم شيء ابتُلع وهو ساخن.

قوّة هذه الجمل أنها لا تُلقى بصوت عالٍ ولا تطلب طاعة. تأتي بنبرة من يحبّك، وبمفردات لا يمكن اتهامها: أبوك، الأهل، البيوت، الناس. لا أحد يقول لك اسكت؛ يُقال لك ما هو صحيح، ثم يُترك لك أن تستنتج أن مواصلة الكلام بعده قلّة عقل. وهي رخيصة على قائلها إلى حدٍّ يستحقّ الانتباه: تُقال في ثانية، ولا تكلّفه زيارةً ولا مكالمةً ولا موقفًا، ولا تلزمه بأن يبقى معك حتى يتغيّر شيء. أما ثمنها فيُدفع كله في مكان واحد، عند الشخص الذي سيعود مساء الغد إلى الفناء نفسه.

هكذا تحتفظ العائلة بشكلها. لا تُهدَم ولا تُرمَّم؛ يتكفّل واحد من أفرادها بالفرق بين ما هي عليه وما تدّعيه، ويُسمّى ذلك في البيوت نضجًا، وفي المجالس أدبًا، وفي العمل مرونة، حين يشتكي أحد من حِمل غير عادل فيُذكَّر بأن الجميع محمّلون. والغريب أنّ الجملة لا تسير في كل الاتجاهات؛ لها اتجاه واحد تقريبًا. تنزل من الهادئ إلى المتأثّر، ومن صاحب اليد الطويلة إلى من في يده أقلّ، ومن الذي يستطيع أن ينهي اللقاء متى شاء إلى الذي سيبقى في المكان بعد انصراف الجميع. لا أحد يقول لصاحب السلطة في البيت: كبّر عقلك. يُقال هذا لمن يشتكي منه.

هذا لا يجعل كل حكمة مصيدة. في مساءٍ آخر، حين كنت أصغّر أبي إلى حادثة واحدة وأمشي بها في رأسي كأنها كل تاريخه، احتجت إلى من يذكّرني بأنه أبي في النهاية، وكانت الجملة نفسها يدًا تشدّني من كتفي إلى الوراء. الفرق كله في الوقت، وفي مَن يقول، وفي ما إذا كان سيبقى بعدها ليسمع؛ أو يستعملها ليغادر من غير أن يبدو أنه غادر.


عند الميزان انتظرنا بينما يزن العامل كيس التربة ويكتب الرقم بقلم على ظهر كفّه. أخرجت البطاقة مرة أخرى وقرأت ما عليها: ظلّ غير مباشر، ماء قليل، تربة جيّدة التصريف، ولا تُنقل من موضعها بعد أن تعتاده. السطر الأخير مقطوع؛ ملصق السعر موضوع عليه، فلا يظهر منه إلا حرفان.

وأخي؟ أخي هو الذي يأخذ أبي إلى العيادة كل شهر ويجلس معه في الانتظار ساعتين ولا يذكر ذلك أمام أحد. هو الذي كان، وعمره أحد عشر عامًا، يجمعنا في ممرّ البيت ويصرفنا إلى الفناء حين يعلو الصوت، ويقول لنا العبوا هنا، ويقف هو عند الزاوية يستمع بدلًا منا. جاء إلى المشتل من دوام ليليّ، وبقي في يده ذلك الارتجاف الخفيف الذي يعرفه من ينام أربع ساعات. لم يقل الجملة ليؤذيني؛ قالها لأنها الجملة الوحيدة الموجودة في يده، ولأن ما كنت أفتحه لو أكملت لم يكن سيرة أبي وحدها. كان سيمرّ من الممرّ الذي وقف فيه، ولا يملك اليوم ما يفعله بما سيسمع. من يصغي إلى ألمك يضطرّ أن ينظر إلى ألمه، ومن يقف على ساقين متعبتين لا يستطيع أن يحمل اثنين.


ولا أستطيع أن أرتّب نفسي في هذه الحكاية إلى جانب النقيّ. في زواجٍ قبل سنتين، جرّني صديق إلى طرف الصالة وبدأ يحكي شيئًا عن بيته، شيئًا كان يهيّئ له مقدمة طويلة كي يقوله. وكنت واقفًا وفي رأسي عملٌ لم أنهه، فقلت له: كل البيوت فيها مشاكل. ثم نظرت إلى الجوّال في يدي، وقلت إن العشاء بدأ، ودعوته إلى الطاولة. وشكرني. هذا أسوأ ما في الأمر: أنه شكرني، وأنّي خرجت من الصالة خفيفًا وأنا أظنّ أنّي هدّأته. لم يعد يحكي لي من ذلك النوع شيئًا بعدها. ظننت مدةً أنه ارتاح.

صار الفرق الذي أنتبه إليه الآن صغيرًا وعمليًّا: هل بقي المتكلّم في مكانه بعد جملته، أم صنعت له مخرجًا مهذّبًا؟ من الذي خرج أخفّ؟ الجملة التي تعين إنسانًا على احتمال ما يعيشه تُقال ثم يجلس قائلها. والجملة التي تُقال ثم يقوم قائلها إلى شغله لم تكن، على وجه الدقة، موجّهة إليه.

في الطريق إلى السيارة حملت الأصيص الصغير على ذراعي كما يُحمل شيء قابل للانقلاب. وقف أخي عند الصندوق يبحث عن المفتاح في جيب لم يكن فيه، ثم وجده، ورتّب الأصص واحدًا بجانب واحد بعناية رجل يعرف كيف تنقلب الأشياء في الطريق. مددت يدي إلى التربة وأخرجت البطاقة. ملصق السعر في موضعه على السطر الأخير. وضعت طرف إبهامي على حرفه ورفعته قليلًا، ثم قليلًا، وسمعت أخي يسألني إن كان الأصيص ثقيلًا عليّ، فرفعت رأسي وإبهامي ما زال في موضعه.

انتهى النصّ · نُشر 2026-08-24 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.