1
حافة المخطوطة كانت مشقوقة عند الزاوية اليمنى السفلية. شقّ رفيع بطول ظفر، يبدو كأنه حدث قبل قرون من يدٍ أخطأت الطيّ. يامن رآه أولًا. أصابعه توقّفت فوقه — لم تلمسه — وبقيت معلّقة في الهواء بمسافة لا تتجاوز سُمك ورقة.
الدكتور سالم كان يقلّب الصفحة التي تسبقها. أصابعه تتحرك بثقة، إبهامه وسبّابته تضغطان على الحافة بقوّة أكثر مما يحتاج الورق. رائحة الأرشيف — مزيج من الغبار والخشب والمادة الحافظة التي تُرشّ على الأرفف كل شهر — كانت أكثف قرب المخطوطة، كأن الورق القديم يتنفّس شيئًا لا تعرفه الأوراق الجديدة.
«اقرأ من السطر الرابع.»
لم يرفع سالم رأسه. كان يكتب ملاحظة في دفتره الجلدي الأسود — الدفتر الذي لا يتركه على المكتب أبدًا، يحمله معه حين يخرج من الغرفة، حتى لو خرج لدقيقة.
يامن قرأ. الحروف القديمة كانت متآكلة عند أطرافها لكن التشكيل لا يزال واضحًا. حرّك شفتيه أولًا بصمت — عادة يعرف أنها تُضايق بعض الأساتذة لكنه لا يستطيع التخلّص منها، الفم يتذوّق اللغة قبل أن يُطلقها — ثم قرأ بصوتٍ لم يرتفع عن مستوى الحديث العادي.
توقّف عند كلمة في منتصف السطر. أعاد قراءتها. ثم قرأ ما بعدها. ثم عاد إلى ما قبلها.
«الربط هنا ليس نحويًا.»
قال ذلك لنفسه أكثر مما قاله لسالم. لكن سالم سمع. رفع رأسه ببطء — حركة محسوبة، كمن يرفع بصره عن كتاب ليس لأنه فوجئ بل لأنه يريد أن يُرى وهو ينتبه.
«ماذا تعني؟»
«الكلمتان مرتبطتان بالجذر لا بالسياق. المعنى يعمل في طبقة أخرى — تحت ما يبدو أنه جملة طقسية عادية. هناك تورية مخبّأة في البنية الصرفية.»
سالم لم يردّ فورًا. إبهامه توقّف فوق صفحة الدفتر. ثم أومأ. إيماءة واحدة، بطيئة. وكتب شيئًا.
لم يقل: «ملاحظة ممتازة.» لم يقل: «شكرًا.» كتب في دفتره وأغلقه.
بعد دقيقة قال: «أنت لا تقرأ النص يا يامن. أنت تتنفّسه.»
الجملة وصلت إلى مكانٍ في صدر يامن لم يكن يعرف أنه فارغ. شعر بشيء يشبه الامتلاء — ليس في الصدر تحديدًا، بل في الطريقة التي جلس بها بعدها. ظهره استقام. كتفاه تراجعتا إلى الخلف. كأن أحدًا منحه إذنًا بأن يأخذ مساحة أكبر في الكرسي.
ضوء المصباح المركّز كان يرسم دائرة على المخطوطة. خارج الدائرة، الأرشيف غارق في عتمة باردة. الدكتور كامل — أمين الأرشيف — كان يرتّب صناديق على الرفّ البعيد. توقّف لحظة، نظر نحوهما، ثم أكمل عمله.
2
في الأسابيع التالية، تكرّر المشهد بإيقاع صار مألوفًا. يامن يصل إلى الأرشيف قبل سالم بساعة. يفتح المخطوطة. يقرأ. يكتب ملاحظات على أوراق صغيرة بخطّ دقيق ومضغوط — حروف تميل إلى اليسار قليلًا، كأن يده تسبق فكره. يضعها على حافة الطاولة.
سالم يصل. يجلس. يأخذ الأوراق. يقرأها بصمت. أحيانًا يسأل: «ماذا تقصد هنا؟» فيشرح يامن. وأحيانًا لا يسأل. يضع الأوراق بجانب دفتره، على الحافة اليسرى لمكتبه — لا في المنتصف حيث أوراقه هو.
في الأسبوع الثالث، لاحظ يامن أن ملاحظاته بدأت تعود إليه مطبوعة. ليس النص نفسه — مُعاد الصياغة. الفكرة ذاتها لكن بجملٍ أطول، أكثر انسيابية، بمصطلحات تنتمي إلى قاموس سالم. كأن شخصًا أخذ الرسم بالقلم الرصاص وأعاد تلوينه بألوان مختلفة، فصار يبدو كلوحة أخرى.
لم يقل شيئًا.
في ندوة القسم الأسبوعية، جلس يامن في الصفّ الخلفي. سالم وقف أمام الشاشة. العرض كان عن المخطوطة — «عملنا الأخير» كما وصفه. ظهرت على الشاشة الجملة ذاتها التي اكتشفها يامن في ذلك الصباح الأول. التورية الصرفية. الربط الجذري. الكلمات التي كتبها يامن بخطّه الدقيق على ورقة صغيرة ثم وضعها على حافة الطاولة.
سالم قرأها بصوته. صوت واثق، مُدرَّب على الإلقاء الأكاديمي، يخفض عند المفاصل ويرتفع عند النتائج. الكلمات لم تتغيّر كثيرًا هذه المرة. الصياغة كانت شبه حرفية.
الدكتور مروان السالمي — رئيس القسم — صفّق. الدكتور نادر التركي صفّق. يامن لم يرفع يديه. لم يقرّر ذلك. يداه بقيتا على ركبتيه كأن وزنهما تضاعف.
بعد الندوة، مرّ نادر التركي بجانبه في الممر. ابتسم. قال: «الدكتور سالم يعتمد عليك كثيرًا. من النادر أن يثق بأحد هكذا. يجب أن تكون ممتنًا.»
يامن نظر إلى الابتسامة. كانت مهذّبة. كانت كاملة. لم يكن فيها شيء ناقص، وهذا بالتحديد ما جعلها ثقيلة.
3
المسودة وصلت في بريد إلكتروني عادي. مقال لمجلة دولية، يحمل اسم سالم وحده. يامن فتحه في مكتبه — المكتب الصغير في نهاية الممر الذي لا تصله أشعة الشمس إلا ساعة واحدة بعد الظهر.
قرأ الصفحة الأولى. الثانية. الثالثة. فكرته كانت هناك — في الفصل الثالث. ليست مُعاد صياغتها هذه المرة. ليست مخفّفة أو مُدمجة. كانت كما هي، بمنطقها الداخلي وبنيتها وحتى بالمثال الذي ضربه ليامن شفهيًا في الأرشيف ذات مساء.
اسمه لم يكن في المتن. كان في الحاشية الأخيرة. سطر واحد: «أشكر طلابي الذين ساعدوا في إعداد هذا البحث.»
طلابي. صيغة الجمع.
يامن أغلق الملف. وضع يديه على المكتب. لاحظ أن أصابعه مشدودة — لا بإحكام، لكن بطريقة تجعل الأوتار بارزة على ظهر الكفّ، ظاهرة من تحت الجلد كخطوط على خريطة.
في ذلك المساء، مرّ بالدكتور حازم عبدالكريم في موقف السيارات. حازم كان أستاذًا زائرًا — طالب سابق لسالم، عاد بعد عشر سنوات في جامعة أوروبية. لم يكونا تحدّثا من قبل إلا بجمل عابرة. لكن حازم توقّف. نظر إليه.
لم تكن النظرة طويلة. خمس ثوانٍ ربما. لكن فيها شيء لا يُقال بالكلمات — شيء يشبه الاعتراف. كأنه يرى في وجه يامن وجهًا آخر يعرفه.
«كنتُ في مكانك مرة. ليس بالضبط. لكن قريبًا بما يكفي.»
ثم مشى. لم ينتظر ردًّا.
يامن بقي واقفًا. المفاتيح في يده. صوت المكيّف الخارجي لمبنى الكلية يدور بإيقاع ثابت — هواء يُدفع ويُسحب، يُدفع ويُسحب — كأن المبنى نفسه يتنفّس تنفّس من تعلّم أن يبقى هادئًا.
4
المخطوطة الكبرى — النص الذي سيُقدّم في المؤتمر الدولي — وصلت إلى الأرشيف في صندوق خشبي مبطّن بقماش أبيض. الدكتور كامل فتح الصندوق بحضور سالم ويامن. رائحة الخشب القديم اختلطت بشيء أكثر كثافة — رائحة الحبر المعدني الذي كان يُستخدم في القرن التاسع.
سالم أراد أن يُمسكها فورًا. مدّ يده. كامل — بلا كلمة — وضع بينهما قفّازين قطنيين أبيضين. سالم ارتداهما. أمسك المخطوطة من حافتها العليا. قلّب صفحتين. ثم وضعها على الطاولة ونظر إلى يامن.
«هذه ستحتاج شهورًا.»
يامن نظر إلى النص. الحروف كانت مختلفة عن أي مخطوطة رآها — أصغر، أكثر ازدحامًا، والمسافات بين الكلمات شبه معدومة، كأن الكاتب الأصلي كان يخشى أن ينفد الورق قبل أن ينفد المعنى. لكن هناك نظام. يامن رآه فورًا: تكرار في مواضع الفواصل، نمط في اختيار المفردات، بنية تعمل كهيكل خفيّ.
عمل عليها وحده. أسابيع في الأرشيف، الباب مغلق، ضوء المصباح المركّز وصوت تكييف يطنّ بتردّد ثابت يتداخل أحيانًا مع صوت صفحات يقلّبها ببطء. كامل يمرّ من حين لآخر. يضع كوب شاي على حافة الطاولة البعيدة — بعيدًا عن المخطوطة — ويخرج بلا كلام.
سالم يأتي مرة في الأسبوع. يجلس. يسأل عن التقدّم. يأخذ ملاحظات يامن. يقرأها أثناء المشي إلى مكتبه.
في الأسبوع السادس، سأل الدكتور جابر الحاتم — أستاذ في قسم مجاور — سؤالًا في الممر بين المحاضرات. كان يحمل أوراقًا ويمشي بخطوات سريعة، كأن السؤال خطر له في تلك اللحظة تحديدًا:
«يامن — الفصل الثالث من بحث الدكتور سالم الأخير. هل كتبتَه أنت أم هو؟ أسأل لأن الأسلوب يبدو... مختلفًا.»
لم ينتظر إجابة. أكمل مشيه. لكن الكلمة — «مختلفًا» — بقيت في الممر بعد أن ذهب جابر. بقيت معلّقة في الهواء المكيّف كشيء له وزن.
تلك الليلة، جلس يامن في شقّته أمام المكتب. أمامه نسخة مطبوعة من ترجمته الأخيرة للمخطوطة. قرأها. قرأها مرة أخرى. وفي المرة الثالثة، توقّف عند السطر الرابع.
الكلمة القديمة هناك كانت تحتمل ترجمتين. الفرق بينهما حرف واحد. معنيان مختلفان تمامًا. أحدهما يتّسق مع كل ما كتبه سالم طوال عشرين سنة. والآخر يناقضه.
يامن عرف الفرق. عرفه منذ الأسبوع الأول. اختار في ترجماته السابقة المعنى المتّسق — المعنى الذي يناسب إطار سالم. لم يقرّر ذلك بوعي. كان يفعله كما كان يحضر القهوة: فعل صار جزءًا من بنية العلاقة قبل أن يصل إلى التفكير.
الآن كان ينظر إلى المعنى الآخر.
أمسك القلم. يده لم تتحرّك. بقيت فوق الورق، السنّ يلامس السطح لكنه لا يكتب — كطائر حطّ على غصن ولم يقرّر بعد إن كان سيبقى.
فكّر في الحاشية. «أشكر طلابي.» فكّر في صوت سالم يقرأ كلماته من على المنصة. فكّر في نظرة حازم في موقف السيارات.
ثم كتب.
حرف واحد. معنىً مختلف. والترجمة انزاحت.
وضع القلم. نظر إلى ما كتب. كان يداه تمسكان حافة الطاولة بقوّة أكثر مما يحتاج المشهد — كأن الأرض تحته تميل.
5
سالم راجع الترجمة النهائية في مكتبه. يامن جالس أمامه. الأوراق بينهما على المكتب — مسودة نظيفة، مطبوعة، مرتّبة.
سالم قرأ بسرعة. أصابعه تتبع الأسطر. توقّف عند فقرة. أعاد قراءتها. ثم أكمل. لم يتوقّف عند السطر الرابع.
رفع رأسه. ابتسم. ابتسامة نادرة — فيها شيء يشبه الرضا الحقيقي، أو ما يمكن أن يُخطَأ على أنه رضا حقيقي.
«الترجمة تبدو متماسكة جدًا يا يامن. لقد التقطتَ روحي في النص تمامًا.»
«روحي في النص.» يامن سمع الضمير. لم يصحّح.
«شكرًا دكتور.»
قالها وهو يبتلع. ليس ريقه. شيئًا آخر — شيئًا يشبه حصاة صغيرة علقت في منتصف الحلق، لا تنزل ولا تصعد.
خرج من المكتب. الممر كان فارغًا. ضوء الفلورسنت يصدر أزيزًا خافتًا لا يسمعه أحد إلا من يمشي وحده.
6
قاعة المؤتمرات. إضاءة موجّهة نحو المنصة. الكراسي مرتّبة في صفوف نصف دائرية. شاشة كبيرة خلف المنصة تعرض عنوان البحث واسم سالم بخطّ كبير. تحته، بخطّ أصغر: «جامعة —». لا اسم آخر.
يامن جلس في الصفّ الخامس. ليس الأخير — كان يريد أن يُرى. ليس الأول — لم يكن يريد أن يكون قريبًا.
سالم بدأ عرضه. صوته كان كما هو دائمًا — منضبطًا، بإيقاع أكاديمي يعرف أين يتوقّف وأين يتسارع. يداه تتحرّكان بإشارات مقتصدة نحو الشاشة. الكلمات تظهر خلفه: صور المخطوطة، الحروف القديمة مكبّرة، الترجمة.
الترجمة التي كتبها يامن.
مرّ السطر الرابع على الشاشة. الكلمة التي تحتمل معنيين ظهرت بحجم كبير. سالم قرأها بالمعنى الذي اختاره يامن — المعنى الآخر. المعنى الذي يناقض أطروحة سالم السابقة. لكن سالم لم يلاحظ. قرأها كما قرأ بقية النص: بثقة من يعرف ما يقول.
انتهى العرض. تصفيق. يامن رفع يده.
«دكتور سالم — سؤال فيلولوجي، لو سمحت.»
سالم أومأ. الابتسامة لا تزال على وجهه.
«في السطر الرابع، اختيارك لترجمة المصطلح — بالنظر إلى السياق اللاهوتي الذي بنيتَ عليه قراءتك في كتابك السابق، ألا يخلق هذا المعنى تناقضًا بنيويًا مع إطارك التأويلي؟»
السؤال كان مهذّبًا. أكاديميًا. بنبرة طالب يسأل أستاذه. لا حدّة. لا اتّهام. مجرد سؤال عن اختيار كلمة.
سالم نظر إلى الشاشة. ثم نظر إلى يامن. ثم نظر إلى الشاشة مرة أخرى.
«الترجمة هنا تأخذ بالحسبان السياق الأوسع لل—»
توقّف. أعاد قراءة السطر. والآن — الآن فقط — رأى ما لم يره. المعنى الذي ترجمه يامن لم يكن المعنى الذي يعرفه. كان المعنى الآخر. المعنى الذي يهدم الأساس الذي قام عليه بحثه السابق.
«أقصد — القراءة الأدقّ هنا تعتمد على—»
لكن القراءة الأدقّ كانت بالتحديد المشكلة. لأنه لم يقرأ. لم يدقّق. مرّ على الترجمة كما يمرّ على عمل يثق بصاحبه — وهذه الثقة، التي كانت شكلًا من أشكال الاستحواذ، صارت الآن الفخّ.
حاول أن يشرح. كلّما شرح، اقترب من التناقض. والتناقض لم يكن في النص القديم. كان بين ما قاله اليوم وما كتبه قبل عشرين سنة. بين الاختيار الذي على الشاشة — الاختيار الذي لم يختره — والنظرية التي بنى عليها سمعته.
الصمت في القاعة صار كثيفًا. ليس صمت احترام. صمت شخص يراقب شيئًا ينكسر ببطء.
سالم أغلق فمه. نظر إلى الطاولة أمامه. كأس الماء. الأوراق. الليزر الذي كان في يده سقط — أو وُضع — على المنصة بلا صوت.
7
يامن خرج من القاعة قبل أن ينتهي النقاش.
الممر كان باردًا. صوت خطواته على البلاط أوضح مما ينبغي — كأن المبنى فرغ فجأة من كل صوت آخر. يداه في جيبيه. ظهره مستقيم لكن كتفيه مائلتان إلى الأمام — ليس انحناءً، شيء أدقّ من ذلك، كأن الجسد يحاول أن يأخذ مساحة أقل مما يحتاج.
مرّ بالدكتور حازم عبدالكريم. كان واقفًا بجانب نافذة في نهاية الممر. حازم نظر إليه. هذه المرة لم تكن النظرة مثل الأولى — لم يكن فيها شفقة ولا تحذير. كان فيها شيء أقرب إلى الاعتراف. اعتراف هادئ، ثقيل، من رجل يعرف ثمن ما فعله يامن لأنه هو نفسه لم يفعله.
لم يتبادلا كلمة.
يامن أكمل المشي. دفع باب المبنى. الهواء في الخارج كان أدفأ من المتوقّع — عصر ربيعي، الشمس منخفضة، ظلّه طويل على الرصيف. مشى نحو موقف السيارات. صوت المؤتمر خلفه — هسيس الميكروفون، حركة الكراسي، شيء يُعاد ترتيبه — صار أبعد مع كل خطوة.
في جيبه الأيسر، ورقة صغيرة مطوية. الترجمة الأولى — الترجمة التي كتبها قبل أن يغيّر الحرف. الترجمة التي كانت صحيحة أيضًا. احتفظ بها لسبب لا يعرفه. ربما لأنها الدليل الوحيد على أنه كان يملك خيارًا. أن ما فعله لم يكن انزلاقًا بل قرارًا.
والقرار لم يكن نظيفًا.
عرف ذلك. عرف أنه استخدم النص كسلاح — تمامًا كما استخدمه سالم كمحفظة. عرف أن السؤال الذي طرحه في القاعة كان دقيقًا لأنه صُمّم ليكون دقيقًا. عرف أنه زرع الفخّ بيد ثابتة ثم جلس ينتظر.
لم يكن في هذا ما يُشبه العدالة. كان يُشبه شيئًا آخر — شيئًا له الشكل الخارجي للتصحيح لكنه من الداخل مصنوع من المادة نفسها التي صنعت ما يحاول تصحيحه.
فتح باب السيارة. جلس. لم يُشغّل المحرك فورًا. يداه على المقود. المعدن بارد. أبقاهما هناك. نظر إلى المبنى من خلف الزجاج الأمامي. النوافذ المضاءة في الطابق الثاني — قاعة المؤتمرات — بدت من هذه المسافة كمربّعات صغيرة من الضوء الأبيض. ناس يتحرّكون خلفها كظلال.
أدار المفتاح. المحرك اشتغل. الراديو كان مطفأً. قاد في صمتٍ لم يكن فيه سلام ولا راحة. مجرد صمت. والسيارة تبتعد عن المبنى بخطّ مستقيم، والظلّ الطويل الذي تركه على الرصيف يقصر مع ارتفاع الشمس البطيء خلفه، حتى لم يعد هناك ظلّ يُرى.
