“قالوا إنّ الجرس يعرف أهله. ولم يسأل أحدٌ، طوال تلك السنين، مَن علّمه أسماءهم”
كان البيت القديم يحتفظ ببرودة خاصة في ممرّاته حتى في الظهيرة، وكانت رائحةُ نحاسٍ مصقول تستقبله في كلّ غرفة يدخلها. في واحدةٍ من تلك الظهيرات، انزلق الكوبُ من يده قبل أن يفهم كيف أفلته، فتكسّر على البلاط شظايا صغيرة تلمع تحت الضوء المنحدر من فتحة الدرج. وفي اللحظة نفسها تقريبًا، أو بعدها بلحظةٍ لم يقسها أحد، هبط من الطابق العلوي رنينٌ معدنيّ خفيف، ثم صوت أمّه من عمق الصالة: «فهد! سمعتوه؟ رنّ.»
جاءت مسرعة، أمسكت يده الصغيرة بين كفّيها تتفقّد أثر جرح، ورفعت حاجبها في الوقت نفسه نحو النحاس المعلّق فوق الباب العالي: «ما شاء الله عليه، عرفك اليوم بسرعة.» ثم جلست على ركبتيها تمسح له كفّه بطرف ثوبها، وسألته إن كان قد أكل شيئًا منذ الصباح، بالحنان نفسه الذي رفعت به حاجبها قبل قليل.
لم يسأل الطفل كيف عرفه الجرس قبل أن تصل يده إلى الأرض. حسب أنّ في البيت عينًا كبيرة تحبّه كما تحبّه أمّه، وتنتبه له كلّما وقع شيء لأنه غالبًا من أوقعه. جمع الشظايا في راحته الصغيرة، قطعةً قطعةً، بينما كانت أمّه تجمع الأكبر منها بيدين أسرع، ورفع وجهه أخيرًا إلى النحاس نظرةَ من يتعرّف على أحدٍ يعرفه — بلا سؤال، وبلا خوف، وبثقةٍ لم تُختبر بعد.
في مساءٍ من مراهقته، بعد يومٍ طويل أنهكته المدرسة، أعادت أخته العبارة التي سمعها منها عشرات المرّات ذلك العام — أنه «دايم يكبّر كل شي» — حتى لم يعد يميّز بين مزاحها وجدّها. ردّ عليها بكلمةٍ خرجت أحدّ ممّا قصد، ثم دفع الكرسيَّ الذي أمامه وهو ينهض، فسقط على الطاولة الزجاجية الصغيرة، وتحطّم سطحها شظايا أشدّ صخبًا من كوب الطفولة. هذا كلّه حقيقيّ: هو من قال الكلمة، وهو من دفع الكرسي، وهو من سيندم بعد دقائق — لا على الزجاج، بل على وجه أخته حين ارتدّت خطوة إلى الوراء، وعلى صمتها المفاجئ بعدها.
جاء أبوه من الغرفة المجاورة، وقف في العتبة ينظر إلى الشظايا ثم إلى ابنه، وقال بصوتٍ لا يرفعه: «فهد. كفاية.» لم يسأل عمّا قيل قبل الكرسي؛ الزجاج وحده كان كافيًا ليصدر الحكم.
انتظر الرنين الذي اعتاد أن يتبع اسمه، تلك الثانية المعلّقة التي يعرفها. لم يأتِ شيء هذه المرّة؛ بقي الاسم معلّقًا وحده في الهواء، بلا النحاس الذي طالما برّر غضب البيت منه. ارتبك أكثر ممّا ندم: كيف يكفي أن يُقال اسمه ليُغلَق كلّ شيء، حتى حين لا يرنّ شيء؟
جمعت أخته الزجاج بيدين مرتجفتين وهي تتجنّب عينيه، دون أن تذكر كلمتها التي سبقت الكرسي بثوانٍ. وأمّه، من الممر، رفعت وجهها لحظة نحو النحاس المعلّق في الصالة البعيدة، ثم عادت إلى المطبخ دون أن تنطق، تاركةً صحن العشاء الذي أعدّته له تحديدًا يبرد على الموقد.
في بيت أخيه الكبير البعيد، في مدينة أخرى، جلس على شرفةٍ ضيقة تطلّ على شارعٍ هادئ، بينما فنجانٌ يبرد بينهما وأخوه يقرأ ورقة أحضرها معه بخط يدٍ لا يثق به بعد. لم يعلّق أخوه كثيرًا؛ رفع عينيه في منتصف الصفحة نظرة الرجل الذي يفاجَأ بشيء لا يتوقّعه من صغيره، وقال: «اكتب.»
كلمة واحدة، لم تتكرّر بعدها بالطريقة نفسها، ولم تحتج أن تتكرّر. طوى أخوه الورقة وأدخلها صندوقًا خشبيًّا صغيرًا على الرفّ، بين أوراق أخرى يحتفظ بها منذ سنوات، وأعاد بعد قليل قراءة سطرٍ منها بصوتٍ خفيض، وضحك ضحكة قصيرة على جملةٍ أعجبته دون أن يشرح لماذا.
جلس هناك دقائق طويلة لا ينتظر فيها صوتًا من فوق، ولا عينًا ترتفع نحو نحاسٍ بعيد؛ المكان الوحيد، من بين كلّ الأماكن التي يعرفها، الذي لم يكن ينتظر فيه شيئًا من فوق. لم يذكر أحدهما، بينما يقلّب أخوه الأوراق، ذلك المساء القديم حين وقف هو نفسه — وكان لا يزال صبيًّا — عند باب المجلس الذي أُغلق دون أخيه الكبير لخلافٍ نُسي سببه، فقال يومها لمن يسمعه: «ما فيه مجلس بدونه»، ولم يهدأ حتى أُعيد اسم أخيه إلى القائمة. بدا يومها حبًّا صغيرًا يُردّ بحبٍّ أصغر.
قبل أن يغادر، وقف أخوه في باب بيته الدافئ يودّعه، ودسّ في جيبه — بصمتٍ يشبه صمت أبيه أكثر ممّا يشبه كلامه — مبلغًا لم يذكراه بعد ذلك أبدًا، وقال إنه سيتصل، وإنّ الباب مفتوح دائمًا. كان صادقًا في كل كلمة.
تعطّلت فرامل سيارته في منعطفٍ لم يكن حادًّا، في يوم حارّ جعل رائحة الزفت تتصاعد من الإسفلت، فعرف أنّ الورشة التي أصلحتها قبل أسبوعين لم تُصلح شيئًا. وقف صاحب الورشة يمسح يديه بخرقة سوداء، وقال إنّ القطعة «كانت سليمة وقت خروجها»، وإنّ ما حدث «ممكن من طريقك أنت»، ثم أضاف وهو يتفحّص أظافره أنه «ممكن نشوف له حل، بس مو اليوم»، بابتسامة رجلٍ اعتاد أن يمرّ من هذه المواقف دون أن يخسر شيئًا. لم يكن شرّيرًا؛ كان فقط رجلًا لا يريد أن يدفع ثمن خطئه، مثل كثيرين.
عاد إلى البيت وقد ارتفع صوته أكثر ممّا قصد وهو يروي ما جرى، فإذا بأبيه يرفع يده مهدّئًا: «خلاص يا ولدي، السيارة تُصلَح وننسى.» لم يكن يريد أن تُصلَح فقط؛ كان يريد أن يُقال له، ولو مرّة، إنّ حقّه واضح. أمّا أمّه فاقتربت أولًا، مسحت بطرف كمّها خدشًا على ذراعه من باب السيارة، ثم قالت بصوتٍ بدأ حنانًا وانتهى تحذيرًا: «بس يا حبيبي، لا توصّلها لأكثر من هذا، قلبك ما يتحمّل.»
في تلك اللحظة، وهو واقف بينهما، خُيّل إليه أنه سمع شيئًا من فوق — طقّة خفيفة، أو صدًى لا يشبه شيئًا سُمع من قبل. لم يستطع أن يجزم: أكان الجرس قد رنّ وحده هذه المرّة، بلا خطأ يستدعيه، أم أنّ أذنه بدأت تسمع ما اعتادت أن تسمعه.
في الفناء، وجد طفليه في شجارٍ صغير على لعبةٍ انكسر ذراعها بين أيديهما، كلٌّ منهما يشير إلى الآخر. لم يسأل من كسرها. نزل على ركبتيه إلى مستواهما، وقال: «تعالوا نشوف وش صار»، ومدّ يده إلى اللعبة لا إلى أيّ اسم، يقلّب الذراع المكسورة بين أصابعه قبل أن يعيدها إليهما. بقيت يده بعد قليل على مقبض السيارة المعطوب، تتردّد، ثم تركته؛ فطفلاه كانا ينتظرانه عند الباب.
في ليلة اجتماع العائلة السنويّ، حيث تفوح رائحة القهوة والهيل من الصالة الكبيرة، وجد عند الطاولة الطويلة مقعدًا واحدًا ناقصًا، وتظاهر بأنه لا يعدّ الكراسي. طفلاه، اللذان لم يعرفا هذا البيت في زمنه القديم، لعبا قرب الدرج غافلَين عمّا حولهما. علّقت إحدى قريباته على «الجوّ الهادئ الليلة»، وضحك أحدهم ضحكة قصيرة، ثم توقّف.
كان أخوه الكبير هناك، وصل قبل ساعة، وسلّم عليه بحرارة حقيقية، وسأله عن أولاده، وقال إنه سيقرأ ما أرسله له قريبًا. لكنه حين مرّت ملاحظة «الجوّ الهادئ»، انشغل بصحنه، ولم يسأل لماذا غاب مقعدٌ عن الطاولة هذه المرّة. لم يتذكّر، أو لم يشأ أن يتذكّر، ذلك المجلس القديم الذي أعاد فيه هو نفسه اسمَ أخيه إلى قائمة الحاضرين.
أخته، التي أقلّته بسيارتها إلى هذا اللقاء وضحكا معًا على الطريق، أضافت الآن أمام الجميع، بلطفٍ ظاهره الحرص، أنّها سمعت أنه «رفع صوته على أحدهم الأسبوع الماضي» — وهو ما لم يحدث تمامًا كما قالته، لكنه لم يكن بعيدًا كل البعد عن شيءٍ حدث فعلًا، فلم يستطع أن ينكره كاملًا. وفي الطرف الآخر من الغرفة، جلس زوج عمّته صامتًا كعادته، بدأ جملة «أنا رأيت إنه ما كان—» ثم ابتلعها، وغيّر مكان جلوسه، ونظر إلى قهوته أطول ممّا تستحقّ قهوة باردة.
أمّه وحدها قالت اسمه تلك الليلة، بصوتٍ هادئ لا يشبه الغضب، وهي تشير بذقنها نحو المقعد الفارغ، كأنها تجيب مَن يسأل: «فهد يعرف نفسه، ما يحتاج نقوله له.»
عندها قرّر أن يصعد. لم يكن يعرف بعد ماذا يبحث عنه بالضبط، لكنه عرف أنه لن ينزل الليلة دون أن يرى الجرس عن قرب. أبوه لحقه عند أول درجة — الأب نفسه الذي لا ينام حتى يسمع صوت مفتاحه في الباب كل ليلة — وقال بصوتٍ فيه رجاء أكثر منه نهيًا: «ما فوق شي يا ولدي. طلعة فاضية.» لم يمنعه. وقف فقط خلفه، عاجزًا عن الصعود معه أو عن منعه، بينما استقرّت قدم ابنه على الدرجة الأولى.
صعد وفي ذهنه صورةٌ واحدة: حبلٌ يمكن أن يُقطع، أو يدٌ يمكن أن تُواجَه. كانت الغرفة أضيق ممّا تخيّلها طوال حياته وهو يسمع، من الأسفل، أهله يتحدّثون عن «فوق» بصيغةٍ لا تشبه بقية الغرف. سقفها منخفض حتى انحنى قليلًا وهو يدخل، وفيها صندوقان قديمان وستارة نصف مسدولة على نافذة صغيرة. في الزاوية، معلّقًا من خطّافٍ حديديّ صدئ، وجد الجرس وحده.
لا حبل، ولا يد، ولا شخص يختبئ خلف الستارة، ولا ورقة اعتراف. النحاس فقط، أصغر ممّا بدا من الأسفل طوال سنين، معلّقًا بلا سلكٍ يصله بغرفةٍ أخرى ولا جهازٍ يُضغط من بعيد. مدّ يده ولمسه فلم يُصدر صوتًا. حرّكه بإصبعين، فسمع طقّة معدنية خافتة، ميتة، لا تشبه الرنين الذي عرفه في طفولته على الإطلاق. له لسانٌ نحاسيّ صغير، لكن لا أثرَ ليدٍ عليه، ولا خيط، ولا شيء يقول إنّ أحدًا لمسه منذ زمن — أو لمسه بالأمس؛ لا فرق يمكن أن يراه.
على الحائط خطّافٌ فارغ آخر، أقدم، لا يعرف أحدٌ ما كان معلّقًا عليه. وعلى الخشب تحته بقعةٌ مصقولة أكثر من محيطها، قد تكون من يدٍ مرّت هنا كثيرًا، وقد تكون من الزمن وحده. غبارٌ كثيفٌ في ركن، ثم خشبٌ نظيفٌ تمامًا على بُعد شبرين.
لم يكن ثمّة ما يُواجَه؛ كان الغياب وحده، أثقل ممّا توقّع. لو عثر على حبلٍ لعرف عدوّه؛ أمّا وقد لم يجد شيئًا، فبقي السؤال كلّه له وحده. وقف لحظةً يسمع تنفّسه، ثم ترك الجرس يتأرجح قليلًا من أثر لمسته، دون صوت، ونزل بلا يقين — لا يعرف من حرّكه، لكنّه لم يعد واثقًا أنّ هذا ما جاء يبحث عنه.
غادر بعد أسابيع، ومعه طفلاه وحقيبتان لا أكثر، وصندوق ألعابٍ صغير حرص أن يأخذه لأنّ ابنته لم تكن لتنام بدونه. لم يودّعه أحد عند الباب بحرارة، ولم يمنعه أحد. لم يكن قد فكّ لغزًا يستحقّ أن يُفكّ، ولا ربح شيئًا يستحقّ أن يُذكر؛ كان فقط قد كفّ عن الرغبة في أن يكون، كل مرّة، الجواب الجاهز لكلّ خطأ يقع في ذلك البيت. وبينما يغلق باب السيارة خلف ابنته، بقي فيه شكٌّ صغير لم يفارقه طوال الطريق: ربما كان هو المخطئ في شيء لم يره بعد.
بعد أسابيع، انزلق صحنٌ من يد أحدهم في مطبخ ذلك البيت، وتحطّم على البلاط تمامًا كما تحطّم كوبٌ قبل عشرين سنة. رُفعت الرؤوس، بلا تفكير، نحو النحاس المعلّق في الصالة. لم يرنّ — أو لعلّه رنّ، وضاع صوته بين الأطباق. وقف الجميع في تلك اللحظة أمام الشظايا وحدها، بلا اسمٍ يسبقها أو يتبعها، ولا تتجه الأنظار إلا إلى موضع الكسر نفسه. لم يقل أحد شيئًا. وقفوا فقط، للمرّة الأولى، أمام ضررٍ لا صاحب جاهز له، حتى جاء أحدهم أخيرًا بمكنسة دون أن ينطق بكلمة.
وبعيدًا، في مدينته، فتح الأخ الكبير صندوقه الخشبيّ ذات مساء، بحثًا عن ورقة قديمة. وجد بينها ورقةً أحدث من سائرها، تركها له أخوه الصغير قبل رحيله بأيام. قرأها مرّة، ثم مرّة أخرى أبطأ، ثم أعادها إلى مكانها ولم يخرجها بعد ذلك. لم يكتب «اكتب». لم يُرسل رسالة، ولم يتّصل. مدّ يده لحظةً نحو قلمٍ على الطاولة، ثم تركه حيث هو.
كانت الورقة تقول: «لا أدري، إلى اليوم، إن كان قد رنّ لي يومًا فعلًا، أم أنّني كنت وحدي أصنع صوته كي أصدّق أنّ أحدًا في ذلك البيت كان يعرفني.»
