تُنزِل الهاتف عن وجهك بعد الصورة، ويبقى الخدّ مرفوعًا لحظةً زائدة. لا أحد يصوّر الآن، ولا أحد ينظر، لكنّ العضلة لم تتلقَّ الخبر بعد. تُمسِكها على شكلها جزءًا من الثانية أطول مما يلزم، ثم تُرخيها بإرادتك، كما يُطفئ المرءُ ضوءًا نسي أنه أبقاه مضاءً.
نتدرّب على وجوهنا طويلًا، ثم نستغرب حين لا تعود تعرف متى تتوقف.
نبتسم قبل أن يُضحكنا شيء، ونرتّب الحاجب قبل أن يدخل أحد، ونُعيد الرسالة الصوتية ثلاثًا حتى تبدو كأنها لم تُحضَّر. ثم نسمّي ما خرج «عفوية».
في مكانٍ ما توقّفت تعابيرنا عن أن تكون ردًّا على شيءٍ يحدث لنا، وصارت وضعيةً نُمسكها تحسّبًا لنظرةٍ قد تأتي أو لا تأتي.
الوجه الذي يُرى كثيرًا يتعلّم أن يُدار.
لا يحدث هذا دفعةً واحدة. يبدأ بتفصيلٍ صغير نسلّمه للنظرة: زاويةٌ لا نحبّها من ملامحنا، نبرةٌ تفلت حين لا نراقب أنفسنا، طريقةُ جلوسٍ لا تصلح للصورة.
كل نظرةٍ تضيف شيئًا إلى الصورة، تُسقِط شيئًا من الوجه. وكلما تضخّمت الصورة في عيون الناس، خفّ ما تحتها.
نظنّ أننا نكسب.
أن نُرى أكثر يعني أن نكون أكثر، هكذا يبدو الحساب. لكنّ الذي يكبر هو ما يراه الآخرون، لا ما نراه نحن حين نخلو. نتضخّم في عيونهم بقدر ما نخفّ في أنفسنا، حتى نصير أخفّ من أن نشعر بثقلٍ خاصّ بنا، لا يعرفه أحد ولا يصفّق له.
ثم يغادر آخر واحد، وتخلو الغرفة إلا من صمتها. تجلس تنتظر أن يرتخي الوجه، كما يخلع المرء حذاءً ضيّقًا.
هنا تحدث المفارقة الصغيرة الباردة: لا يرتخي.
ليس لأنه متوتّر، بل لأنه نسي شكله وهو وحده. لم يَعُد ثمّة وجهٌ خاصّ، محفوظ في الخلف، نعود إليه حين يُطفأ النظر. صار العرض هو الحالة الافتراضية، وصارت الراحةُ نفسها وضعيةً غريبة لا نُحسِن اتّخاذها.
نقول لأنفسنا إن تحت القناع وجهًا، ننتظر اللحظة التي نخلعه فيها ونرتاح. لكنّ الخلع نفسه تعلّمناه أمام الناس؛ حتى وحدتنا نؤدّيها لمشاهدٍ غائب — نلتقط خلوتنا في صورةٍ سيراها أحدٌ لاحقًا، ونروي لأنفسنا حكايتنا كما سنرويها لهم. لا خلفَ للكواليس؛ الكواليس امتدادٌ آخر للمسرح، أخفتُ إضاءةً لا أكثر.
في النهاية نملك صورةً يصدّقها الجميع، ولا نملك وجهًا نعود إليه وحدنا. القناع لم يكذب علينا حين ادّعى أنه نحن؛ كذب حين أوهمنا أن تحته أحدًا ينتظر.
