يضع الهاتف على الطاولة بوجهه إلى الأسفل، كأن إخفاء الشاشة يلغي ما كُتب عليها. لم يقرأ الرسالة مرتين؛ مرةٌ واحدة كانت كافية لتستقر الكلمة في مكانٍ أعمق من الأذن. ثم لا شيء. لا دمعة، ولا تغيّر في الملامح، فقط فكٌّ يضيق ببطء، وريقٌ يُبتلع بصعوبةٍ غير مفهومة، كأن في الحلق حصاةً لا تُبصق ولا تُهضم.
الجسد يعرف أنه جُرح. الجسد لا يكذب أبدًا في هذه اللحظات؛ يفرز الألم نفسه الذي يفرزه أمام الطعنة، يشدّ العضلات، يرفع نبض القلب، يُجمّد الأطراف. لكن بين ما يشعر به الجسد وما يُسمح له بقوله مسافةٌ تعلّم هذا الرجل، منذ كان طفلًا، أن يقطعها بالصمت. وفي نهاية الصمت، حيث ينتظر البكاء عند غيره، ينتظر عنده شيءٌ آخر.
لماذا تقع كلمة «لا» عند بعض الرجال موقع الإهانة الوجودية، لا موقع الرفض؟
المرأة التي قالتها لم تُصدر حكمًا على قيمته كإنسان؛ أعلنت ببساطة أنها لا تريد، وأن رغبتها ملكها وحدها، وأن جسدها وحياتها ليسا تصويتًا على رجولته. هذا هو معنى الكلمة في ذاتها.
لكنها لا تصل إليه في ذاتها. تصل وقد تحوّلت في الطريق إلى شيءٍ آخر تمامًا: إلى إعلانٍ بأنه ناقص. لم يسمع «لا أريدك»، سمع «لستَ كافيًا». والفرق بين الجملتين هو الفرق بين العالم كما هو والعالم كما رُبّي على رؤيته؛ عالمٌ تُقاس فيه قيمة الرجل بقدرته على انتزاع القبول، فيصير رفضُ امرأةٍ واحدة شهادةً عامة على فشلٍ أشمل.
ما الذي يجعل الرفض جرحًا في الهوية لا في العلاقة؟
أن الرجولة، كما سُلّمت إليه، ليست حقيقةً يملكها، بل دورٌ عليه أن يؤديه كل يوم؛ أمام أبيه أولًا، ثم أمام أقرانه، ثم أمام كل امرأةٍ تمرّ. الذكورة في هذا التصور وضعٌ قلق لا حالة مستقرة؛ تُكتسب بصعوبة وتُسحب بسهولة، وكلمةٌ واحدة قادرة على إلغاء سنواتٍ من الأداء. لذلك يعيش صاحبها في توترٍ دائم، كممثلٍ يخشى أن ينسى نصّه على المسرح، لا لأن النص صعب، بل لأنه يعرف في قرارة نفسه أنه نصٌّ لا أصل له؛ أنه يؤدي شيئًا لا يملكه، وأن التصفيق الذي يحتاجه ليس مكافأة بل تأكيدٌ بأنه ما زال موجودًا. حين تُحجب عنه يدٌ كان ينتظر أن تصفّق، لا يفقد امرأة، يفقد الدليل على أنه موجود.
هنا تظهر المرأة في موقعها الأخطر داخل هذا التصور: لا كشخصٍ له رغبته المستقلة، بل كمرآةٍ مهمتها أن تعكس له صورةً مقبولة عن نفسه. حضورها مطلوبٌ لوظيفةٍ واحدة: أن تقول له إنه رجل.
وحين ترفض، فهي لا تمارس حريتها في عينه، بل تتعطل عن أداء وظيفتها؛ تتوقف المرآة عن عكس الصورة التي يحتاجها، فيرى للحظةٍ ما خلف الصورة. وهذا — لا فقدانها هي — ما لا يُحتمل.
لكن يجب أن نتوقف عند هذه الاستعارة بحذرٍ شديد، لأنها استعارة خطرة: المرأة ليست مرآة. المرآة سطحٌ بلا داخل، والمرأة كائنٌ له حياةٌ كاملة لا تدور حوله ولم تكن يومًا ملحقًا بقصته. أن نصفها بالمرآة هو وصفٌ لكيف يراها هو، لا لما هي عليه. والخطر أن ننسى الفرق، فنكتب القصة كلها من داخل رأسه حتى تختفي هي من الصفحة كما اختفت من حسابه.
هي ليست في مأساته. هي في حياتها، وهو من اقتحمها.
ما يحدث في داخله بعد الرفض ليس ذنبًا، بل خزي. والفرق بينهما هو كل شيء. الذنب أن تشعر بأنك فعلت شيئًا سيئًا؛ يترك الفعل خارجك، قابلًا للإصلاح والاعتذار والتعويض، ويُبقي ذاتك سليمة قادرة على الحكم على فعلها. أما الخزي فأن تشعر بأنك أنت السيّئ؛ لا فعلٌ أخطأ، بل كيانٌ انكشف. الخزي لا يقول «أسأتُ»، يقول «أنا ناقص، وقد رآني أحدهم ناقصًا». ولهذا هو الأشدّ احتمالًا للانفجار: الذنب يدفع إلى الإصلاح، أما الخزي فيدفع إلى الإخفاء، إلى محو الشاهد، إلى تحطيم العين التي رأت. والرفض، حين يُقرأ كحكمٍ على القيمة لا كاختلافٍ في الرغبة، يُنتج خزيًا خالصًا: لم تقل لي «لا»، بل كشفتْ أنني لا أستحق «نعم».
والخزي عاطفةٌ لا تُطاق وحدها؛ يطلب صاحبها أن يتحوّل فورًا إلى شيءٍ آخر يمكن حمله. هنا يأتي الغضب. لا لأن الغضب هو ما يشعر به حقًا، بل لأنه العاطفة الوحيدة التي تعلّم أن يُظهرها دون أن يخسر دوره. الحزن ممنوع لأنه اعترافٌ بالضعف، والخوف عار، والانكسار فضيحة، فلا يبقى من القاموس كله سوى مفردةٍ واحدة مسموحة. صار الغضب الترجمة الاجتماعية الوحيدة المتاحة لكل ما لا يُقال؛ المخرج الذي تُدفع إليه كل المشاعر المحظورة لأنها لا تجد بابًا آخر. الرجل الذي مُنع من البكاء لا يكفّ عن الحاجة إليه؛ يُعيد توجيهه فحسب، فيخرج الدمع من يدٍ لا من عين؛ يدٍ تكسر بدل أن تنكسر.
وهنا، عند هذه النقطة بالذات، يجب أن نتوقف عن الانسياب. لأن السرد حتى الآن كان يجري سلسًا — رفضٌ فخزيٌ فغضبٌ فعنف — كأن الواحد يولد الآخر بالضرورة، كأن الطعنة تنبع من الجرح كما ينبع الماء من النبع.
وهذا أكذب ما يمكن أن يُقال. لأن ملايين الرجال يُرفضون، ويشعرون بالخزي، ويغضبون، ولا يرفعون يدًا على أحد. الخزي لا يقتل. الغضب لا يقتل. بينهما وبين العنف فجوةٌ لا يعبرها المرء انجرافًا، بل قرارًا.
ثمة لحظةٌ — مهما قصُرت، مهما بدت محمومة — يختار فيها الرجل أن يجعل جسد إنسانٍ آخر مكانًا يُفرغ فيه ألمه. وأي تفسيرٍ يطمس هذه اللحظة، أي حكايةٍ تجعل العنف نتيجةً تلقائية لجرحٍ سابق، إنما يبرّئ القاتل في اللحظة نفسها التي يدّعي فيها تشريحه. أن نفهم من أين جاء الغضب شيء، وأن نعامل الطعنة كأنها امتدادٌ طبيعي له شيءٌ آخر تمامًا. الأول فهم، والثاني تواطؤ.
لذلك حين يُقال إن العنف «صرخة استغاثة» أو «بكاءٌ فاسد»، يجب أن نُمسك هذه العبارة بطرف الأصابع، لأنها أخطر مما تبدو. هي صحيحةٌ في وصف ما يجري داخل الجاني، وكاذبةٌ تمامًا إن جعلت الجاني هو من نُشفق عليه. فهذه العبارة بالذات — «لم أكن قويًا، كنت منهارًا، كنت مذعورًا» — ليست تشخيصًا يُدين الرجل العنيف؛ إنها دفاعه. إنها الجملة التي يقولها كل من رفع يده ثم طلب أن يُفهم: لم أكن وحشًا، كنت جريحًا. والمأساوية التي تُضفى على انهياره الداخلي تسحب الضوء، بلطفٍ وبخبثٍ في آنٍ واحد، من حيث يجب أن يبقى: على الجسد الذي وقع عليه الفعل.
هناك امرأةٌ حقيقية في هذه الحكاية، لا فكرة. لها وجهٌ لا يُختصر إلى مرآة، وخوفٌ لا يُختصر إلى رمز، وجسدٌ يُكدَم ويُكسَر وينزف ويموت أحيانًا، لا على المسرح المجازي لرجولته، بل في غرفةٍ حقيقية بإضاءةٍ حقيقية. وهي لم تدفع ثمن انكساره لأنها كانت مرآته، بل لأنه قرّر أن يجعلها تدفع.
فلنُسمِّ الأشياءَ بأسمائها دون تجميل: العنفُ ليس قوّةً. هذا صحيح، وفي تفكيك أسطورة القوة ضرورةٌ لا غنى عنها. لكنه أيضًا ليس مجرد ضعفٍ يستحق الرثاء.
إنه ما يفعله الضعف حين يرفض أن يكون ضعفًا؛ حين يأبى أن يحمل ألمه فيُلقيه على غيره ليحمله بدلًا منه. الرجل الذي يكسر امرأةً رفضته لا يصرخ مستغيثًا بقدر ما يهرب من الاستغاثة؛ يهرب من رؤية انكساره عبر تكسير ما عداه. ولهذا فإن العنف، حتى وهو ينبع من هشاشة، فعلُ هيمنةٍ كامل: محاولةٌ لأن يستعيد بالقوة سيطرةً ظنّ أنها حقه، على جسدٍ قرّر بحرّيته ألا يكون له. ليس فقدانًا للسيطرة، بل أعنف ادعاءٍ لها.
هي لم تكن مرآته ولا مسرحه ولا مأساته. كانت تعيش حياتها، وقالت كلمةً من حقها أن تقولها، فحوّلها هو إلى حُكمٍ عليه، ثم حوّل الحكم إلى ثأر. أن نفهم من أين تأتي الطعنة لا يجعلها أقل طعنة.
واليد التي كانت ترتجف لا تعيد الدم إلى مكانه.
