تجاوز إلى المحتوى
~/series/مقعد-الثامنةحافة · نصّ 2 من 9
READ 0%4 MIN LEFTWORDS 693
FILE 095 / 118 · حافة.md

§ قصص · مقعد الثامنة · 2 / 9

حافة

قبل أن يستيقظ أحد

حافة.mdFILE 095 / 118
النوعقصص
التاريخ
المسودةمقعد الثامنة — النصّ 2 من 9
القراءة4 دقائق · 693 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
لوحة زيتية لصبي يجلس وحده وظهره إلى الناظر أمام طاولة خشبية عليها كوب، وقبالته كرسي خالٍ، في غرفة عارية تضيئها نافذة بستائر بيضاء.
FIG. 01 · 1448×1086 · PNG

(1)

كانت حافة السرير تعرف الصباح قبله.
يضع كفّه عليها — الخشب بارد، أقلّ برودة من الليل.
الجدار عند رأسه كان الليلة كصخرةٍ في بئر.
الآن صخرةٌ تتذكّر أنّ في الغرفة نافذة.
الهواء من تحت الباب تغيّر، أو هكذا تقول أصابعه على الحافة.
لا أحد يوقظه.
لكنّ الأشياء تعرف أنّ الصباح جاء، وتُخبره: الوسادة تصير أثقل بقليل، والكوب على الطاولة حيث تركه، لم يتحرّك أحد.
وضع قدمه على البلاط.
البلاط يعرفه.
لم يتفاجأ.


(2)

من حافة السرير إلى باب الغرفة: ثلاثٌ وعشرون خطوة.
يعرف العدد لأنّه قطعه مرّاتٍ لا تُحصى.
الجدار لا يتحرّك.
هذا أوّل ما اكتشفه فيه — ثباتُه.
ليس الخشب، ليس القماش.
لا شيء يثبت كالجدار.
يضع يده عليه حين يمشي.
لا ليتّكئ، بل لأنّه هناك دائمًا.
تحت أصابعه: طبقةٌ رقيقة من الطلاء، وتحتها إسمنتٌ يحتفظ بالليل أطول من الهواء.
الصباح يصل إلى الجدار بعد أن يصل إلى الأرض.

الباب عند النهاية.
كائنٌ له صوتٌ خاصّ، لا يشبه أبواب البيوت الأخرى التي دخلها.
إذا فُتح ببطء: صريرٌ قصير، ثم صمت، ثم صريرٌ أعلى.
إذا فُتح بسرعة: صريرٌ واحد يطول ثم يُقطَع.
البشر يفاجئون.
الباب لا.


(3)

الكرسيُّ في المطبخ أقدمُ شيءٍ في البيت.
يعرف هذا من صوته حين يحرّكه.
الكرسيُّ الجديد يُصدر صوتًا واحدًا، نظيفًا، يُنسى.
الكرسيُّ القديم يُصدر حديثًا: خشبةٌ تكلّم خشبة، ومسمارٌ يذكّر بثقل السنوات.
يجلس عليه كلّ صباح.
الكرسيُّ لم يرفضه مرّة.
أمّه حين تتعب لها أصابع أخرى.
تضع له الكوب في الأيام الثقيلة فيلمس السطح بنبرةٍ أسرع، كأنّه يريد أن ينتهي.
وحين تكون بخير، يُوضع الكوب ببطء، وتبقى أصابعها لحظةً على العروة.
الكرسيُّ لا يغيّر نبرته.
يستقبل ثقله دون أن يشكو.


(4)

للكوب وزنٌ حين يكون فارغًا، ووزنٌ آخر حين يمتلئ، ووزنٌ ثالث حين تبرد القهوة فيه فتصير أثقل ممّا كانت ساخنة.
يعرف بلا تفكير كم بقي فيه، من ميل السائل حين يُدار الكوب برفق.
وأحيانًا — لا دائمًا — يضع راحته عليه قبل أن يرفعه.
حرارته في لحم الكفّ.
يبقى هكذا لحظة.
الكوب الدافئ يشبه يدًا أخرى.
لا يقول هذا لأحد.


(5)

حين يطول الصمت، يطرق الأشياء بإصبعه ليسمعها تردّ.
الجدار يردّ بصوتٍ خافتٍ بارد.
الخشب أعلى وأدفأ.
الزجاج رفيعٌ سريع.
لكلّ سطحٍ رنّةٌ تخصّه، ولكلّ رنّةٍ ما تقوله.
لا أحد علّمه هذا.
عرف أنّ البيت يردّ إن ناداه.
البشر لا يردّون دائمًا؛ الأشياء تردّ كلّما طرق.
حين يُسرّع، تتسارع.
حين يكفّ، يعود الصمت.
لم تتجاهله مرّة.


(6)

يعرف قمصانه بأصابعه.
ذو الخياطة الخشنة عند الرقبة لا يلبسه في الأيام الصعبة.
والناعمُ يقول شيئًا عن اليوم قبل أن يبدأ.
تختار له أمّه أحيانًا.
حين تُلبسه قميصًا لا يريحه، تكون أصابعها أسرع؛ تريد أن تنتهي من أمرٍ قرّرته دونه.
أصابعه على القماش تُخبره بما لم تقله.
القماش لا يملك نبرةً ثانية.


(7)

في صباحٍ، مدّ يده إلى حيث الكوب.
لا شيء.
السطح أملس، بارد، نظيفٌ أكثر من اللازم.
مشت أصابعه على الطاولة كما تمشي على جدارٍ فقد بابه، تبحث عن موضعٍ كان هنا بالأمس.
وجد الكوب أخيرًا، إلى اليسار، أبعد بكفّ، حيث لم يضعه.
حين بلغه، كانت القهوة قد بردت.
نظّفت أمّه الطاولة في الليل، وأعادت كلّ شيءٍ إلى مكانه الصحيح.

الصحيح عندها.

لكنّ للكوب مكانًا آخر؛ موضعًا اتّفق هو والكوب عليه دون أن يقولا.
ذلك الموضع لم يعد موجودًا.
الكوب لم يكذب.
يدٌ أزاحته إلى حيث يجب أن يكون.
بقي كفّه على السطح الأملس، حيث لا شيء.


(8)

من مكانه المعتاد، النافذة وراءه.
لا يحتاج أن يلتفت ليعرف متى تُفتح: الهواء في الغرفة يتغيّر، صوت الشارع يدخل بحجمٍ آخر، برودةٌ تمسّ جانب وجهه الأيسر.
النافذة تُعلن نفسها.
أحيانًا يدير وجهه نحوها.
هواء النافذة يجيء من مكانٍ لم يمرّ بأحد.
أمّا هواء الناس فدافئٌ متقلّب، يحمل كلامًا لم يُقَل.


(9)

مرّةً، جاء ضيف.
صوته عالٍ، وأصابعه تضغط على كتفه أكثر ممّا يلزم.
لم يكلّمه.
كلّم أمّه عنه، بصوتٍ خفضه نصف درجةٍ فقط، كأنّ نصف الدرجة تكفي ليصير الكلام فوق رأسه لا في الغرفة:

«ألا يلعب مع أحد؟»

أصدرت أمّه صوتًا خفيفًا، نصفَ موافقةٍ ونصفَ دفاع.
الكرسيُّ تحته كما هو.
الجدار بارد على راحة يده.
كانا أهدأ من الصوتين.
لم يقولا شيئًا عنه.


(10)

في الليل، قبل النوم، يضع كفّه على حافة السرير مرّة أخرى.
الخشب أدفأ ممّا كان في الصباح.
يحمل يومه: وزنَه حين استند، أصابعه حين مسح عليه، ما مرّ به.
يبقى.
الكفُّ على الخشب، والخشب لا يسأل عمّا حدث.
الوسادة باردةٌ بعد.
ستدفأ حين يضع رأسه عليها.
مثل كلّ شيءٍ لا يعده بشيء، ثم يفعل.

انتهى النصّ · نُشر 2026-06-24 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.