شذرات

طقوسٌ ضدّ الفوضى

مائدة بغطاء كتّاني أبيض عليها مناشف مطويّة وثلاثة أكواب وشمعة مضاءة وطبق ملح ومفتاح وصليب ووعاء خشبي في ضوء نافذة، وخلفها غرفة محترقة معتمة.
  1. #

    التفاصيلُ الصغيرة في البيوت، كطريقةِ طيِّ المناشف، أو ترتيب الأكواب، ليست مجرّد عاداتٍ منزلية؛ إنها ديانةٌ خاصّة نمارسها ضدّ الفوضى. كلّ بيتٍ فيه طقوسٌ سرّية يؤدّيها أهله دون وعي، لأنهم يعلمون، في مكانٍ ما، أن هذه الحركات الصغيرة هي ما يمنع المكان من أن ينهار.

  2. #

    نضع الملحَ على كلّ شيءٍ كي يصير طعمُه طعمًا. حتى الحقيقةَ، نطلب ممّن يقدّمها أن يملّحها قليلًا قبل أن نطيقها.

  3. #

    تضغط زرّ المصعد مرّتين وثلاثًا، كأنّ الإلحاح يستعجله. نكرّر الضغطَ على ما لا يسمعنا، لنشعر أننا نفعل شيئًا في انتظارٍ لا حيلة لنا فيه.

  4. #

    تقلب العملةَ لتقرّر، ثم تعرف ما كنتَ تريد من خيبتك حين يظهر الوجهُ الخطأ. لم نكن نسأل المعدن؛ كنّا نسأل أنفسنا، متنكّرين في صدفة.

  5. #

    ردّد كلمةً واحدةً عشرين مرّة، أيَّ كلمة، فتتعرّى من معناها وتصير صوتًا غريبًا في فمك. كم من يقينٍ نحمله لم يَعُدْ سوى كلمةٍ كرّرناها حتى نسينا أنّ لها معنى؟

  6. #

    متى آخرُ مرّةٍ كتبتَ شيئًا بيدك، لا على شاشة؟ خطُّك يشيخ هو أيضًا، يتغيّر سنةً بعد سنةٍ دون أن تنتبه، حتى تكاد لا تعرف توقيعَك القديم.

  7. #

    تجد دفترًا قديمًا بدأتَه بحماسةٍ وتوقّفتَ بعد صفحات. تقرأ آخرَ جملةٍ كتبتها، معلّقةً بلا نقطة، فتتساءل: من توقّف، أنا أم الذي كان يكتب؟

  8. #

    حين نقول «لا وقت لديّ»، لا نعني، في أغلب الأحيان، أننا مشغولون؛ بل أنّنا نختار ما نفعله. الوقتُ مسألةُ أولويّاتٍ مُقنَّعة بلغةِ الإمكان. ولذلك، أكثر ما يكشف علاقاتِنا الحقيقية هو ما نجد له وقتًا، لا ما نقوله عن حبّنا. اللسان يكذب كثيرًا؛ لكن الجدولَ اليوميّ نادرًا ما يخون.

  9. #

    الأعيادُ تُتعبنا لأنها تُجبرنا على الاعتراف بالزمن. في الأيام العاديّة ننجح في نسيان أننا نتقدّم نحو شيء؛ أمّا في العيد، فيتعالى صوتٌ لا يمكن كتمه: لقد مضى عام. ولهذا يخلط كثيرون بين الفرح والحزن في المناسبات: لأن كلَّ احتفالٍ هو، في جزءٍ منه، تأبينٌ صامتٌ لسنةٍ لن تعود.

  10. #

    الأشياءُ التي نحبّ الاحتفاظ بها ليست ثمينةً بحدّ ذاتها؛ بل هي مراسي للزمن. نحتفظ بتذكرةِ فيلمٍ قديم، أو ورقةٍ مكتوبة بخطّ أحدهم، لا لقيمتها، بل لأنها تُثبّت لحظةً لولاها لانجرفت. هذه الأشياء الصغيرة تُصبح، مع الوقت، أعمدةَ الخيمة الهشّة التي نسمّيها «حياتنا».

  11. #

    ما يبقينا، في النهاية، ليس الأفكار الكبرى، ولا القرارات الحاسمة؛ بل التفاصيل التي نُواظب عليها دون أن نلاحظها. كوبُ قهوةٍ في وقتٍ ثابت، مكالمةٌ قصيرة، جلسةٌ على شرفة. هذه الأشياء الصغيرة، التي تبدو لا شيء، هي ما يمنع الحياةَ من الانهيار في أيامها الصعبة. نحن أحياءٌ، في كثيرٍ من الأحيان، بفضل ما لا نحسبه شيئًا.