شذرات

الكرسيّ الأبعد

لوحة زيتية لصالون سهرة يزدحم بمدعوّين تحت ثريّا مضيئة، وامرأة بثوب أبيض تجلس وحدها على كرسي بعيد قرب نافذة رمادية وظهرها إليهم.
  1. #

    كنتُ أدخل الغرفة وأعدّ الرؤوس التي التفتت. أعدّها كمن يعدّ نبضه بعد الجري — ليتأكد أنه لا يزال حيًّا. الآن أدخل الغرفة وأبحث عن الكرسي الأبعد. لا لأنني أختبئ، بل لأن المسافة صارت مريحة، كمعطفٍ قديم اتّسع بعد سنوات من الكتفين المشدودَين. الالتفاتات التي كانت تُطعمني لم تعد تصل إلى المعدة. شيءٌ ما امتلأ من الداخل — لا أعرف متى بالضبط، لكنني لاحظتُ حين توقفتُ عن حساب الخسارة في كل مرةٍ أغادر فيها دون أن يسألني أحد: إلى أين؟

  2. #

    كان صوتي يتغيّر حسب من أجالسه. أرفعه هنا، أخفضه هناك، أضيف طبقة من الجاذبية كمن يضع عطرًا فوق عرق. ثم جاء يومٌ سمعتُ فيه تسجيلًا لنفسي — صوتٌ لا أعرفه، ينطق كلماتٍ أعرفها، بنبرة ليست لي. الفزع لم يكن من الغرابة، بل من السؤال: أيّ واحدٍ منهم كنتُ أصدّقه؟ الآن أتكلم أقل. ليس زهدًا، بل لأن الصوت الذي بقي بعد أن أزلتُ الطبقات كان خافتًا — خافتًا بما يكفي لأسمعه أنا أولًا.

  3. #

    كنتُ أفسّر كلّ صمت بوصفه رفضًا. أملأ الفجوات بين الناس بأداء: مزحة في وقتها، رأي حادّ لا أؤمن به، اهتمام محسوب يُشبه الحضور.
    التحوّل لم يحدث كقرار. حدث كإنهاك. كعضلة رفضت الانقباض.
    لم أفهم ذاتي حين جلستُ أفكّر — فهمتُها حين توقفتُ عن تقديمها. ما بقي لم يكن عميقًا. كان فقط حقيقيًا بما يكفي لأتحمّله وحدي.

  4. #

    كان الإبهار يشتغل كطبقة إضافية بين جلدي والهواء. أرتديه قبل أن أُرى. أُحسن الظهور حتى في لحظات لا يراقبني فيها أحد — كأنّ هناك كاميرا مزروعة في السقف لم أستطع تعطيلها.
    ثمّ سقطت. لا الكاميرا، بل الحاجة إلى أن تكون موجودة.
    ما تبقّى ليس سكينة. ليس حكمة. هو فقط هذا: أن أجلس في غرفة دون أن أتساءل كيف أبدو فيها.

  5. #

    العلاقات التي كنتُ أبنيها كانت تشبه الجبس: سريعة التشكّل، هشّة من الداخل، وتحتاج رطوبة مستمرة كي لا تتشقّق. كنتُ أُرمّم الشقوق بكلام أكثر، ظهورٍ أكثر، وعودٍ أكثر — حتى صار الترميم أثقل من الجدار نفسه. الآن لا أبني. أجلس بجانب من يجلس، وأترك الصمت يفعل ما كان الكلام يفشل فيه. ما سقط من الناس لم يعد يوجعني كما كان، ليس لأنني صرتُ أقسى — بل لأن الأرضية التي أقف عليها لم تعد هي نفسها.

  6. #

    في المرآة القديمة كنتُ أبحث عن نسخةٍ يرضى عنها الممرّ.
    الآن أمرّ دون أن أتحقّق.
    ليس لأنني اكتفيت —
    بل لأن الممرّ لم يعد يعنيني بقدر ما تعنيني الخطوة.

  7. #

    كان الهاتف يُضيء فيتغيّر شكل الغرفة.
    صار يُضيء، فأُكمل ما كنت أفعله.
    ليس زهدًا — فقط أن الطاولة أمامي
    صارت أثقل ممّا يقوله أيّ إشعار.

  8. #

    الإبهار يحتاج تحضيرًا مُسبقًا، وجملًا مُعادة التدوير، وابتسامة تعرف متى تبدأ ومتى تنطفئ. أمّا الحضور — الحضور الفعلي — فلا يحتاج إلا أن تجلس بجسدك كاملًا في اللحظة دون أن تتقدّم نصف خطوة نحو الانطباع القادم. لا أدّعي أنّني شُفيتُ من القلق القديم، لكنّني صرتُ أتعرّف عليه حين يطرق — أفتح له، أُقدّم له كرسيًا، ولا أُعطيه المفتاح.

  9. #

    كنتُ أُعيد ترتيب وجهي قبل كل باب.
    الآن أفتح الأبواب بيدٍ واحدة، والأخرى لا تحمل شيئًا لأحد.
    الخفّة ليست فراغًا —
    هي ما يتبقّى حين تتوقّف عن ملء الهواء بصوتك.