يضع كفّه على المقبض، فتمرّ في معصمه لحظةُ ترددٍ لا يراها أحد، أقصرُ من أن تُسمّى خوفًا، أطولُ من أن تمرّ بلا أثر.
لم يفتح بعد، ومع ذلك يكون شيءٌ ما قد فُتح فيه: كأنّ أحدًا أشعل ضوءًا في غرفةٍ كان يسكنها في عتمتها الأليفة دون أن يراها.
لم يره أحدٌ بعد، لكنّ احتمال أن يُرى سبقه إلى الداخل، وسحبه من ظهره إلى خارج جلده.
ثم يفتح. ترتفع نحوه وجوهٌ قليلة، ثلاثةٌ أو أربعة، لا تنوي شيئًا، لكنها تكفي ليشعر أن الباب لم يُغلق خلفه على الغرفة، بل عليه هو.
وفي الممرّ القصير بين المقبض والكرسيّ الفارغ يحدث ما لا اسم له: يصير واعيًا بيديه.
كانتا قبل قليلٍ تفعلان ما تفعلانه دون أن تستأذناه؛ تفتحان الباب، تزيحان طرف الثوب، تحملان كأسًا.
الآن صارتا ثقيلتين، زائدتين، عضوين غريبين لا يذكر لِمَ خُلِقا. إن دسّ واحدةً في جيبه بدا متكلّفًا، وإن تركهما معلّقتين بدتا تنتظران أمرًا لا يجيء.
يجلس فيظنّ أن العبور انتهى، لكنّ الجلوس نفسه يصير مسألةً تحتاج إلى حلّ: الظهر مستقيمٌ أكثر من اللازم، أم منحنٍ كمن يعتذر عن وجوده؟
ثم يهبط عليه أصعب الأسئلة وأقلّها قابليةً للحلّ: ماذا يفعل بوجهه وهو ساكتٌ لا يتكلّم؟
الوجه حين يصمت يصير مساحةً مكشوفة، عليه أن يقرّر — وعيًا، يا للفداحة — كم يرفع زاوية فمه، ومتى يطرف، وأين يستقرّ بصره دون أن يثبّته على أحدٍ فيُفهَم تحدّيًا، ولا أن يفرّ به فيُفهَم انكسارًا.
لا أحد يحدّق به. هذا ما يعرفه عقله معرفةً باردةً بلا أثر.
ومع ذلك يشعر أن جلده صار زجاجًا، وأن كل ما حرص طوال الطريق على طيّه في الداخل طفا فجأةً إلى السطح: إلى جبهةٍ تندى، إلى رعشةٍ خفيفةٍ في الكفّ، إلى حرارةٍ تصعد في الوجنتين فتفضحه أمام نفسه قبل أن تفضحه أمام أحد.
ما الذي يجري هنا، تحت الجلد، في هذا القدر القصير من الأرض؟
في العادة لا نشعر بأجسادنا. نمدّ اليد فتمتدّ، ونخطو فنخطو، ويخرج الصوت دون أن نراقب مخرجه؛ الجسد في ألفته ينسحب كي يتيح لنا أن نفعل، كخادمٍ كريمٍ لا يطلب الشكر.
هو النافذة التي نطلّ منها على العالم، لا الشيء الذي ننظر إليه.
لكنّ احتمال النظرة وحده يقلب المعادلة: تنقلب النافذة فتصير واجهة. يصير لليد وزن، وللقدم صوت، وللوجه حرارةٌ لم نكن نعرف أنها فيه.
والصوت الذي كان يغادرنا كأنه جزءٌ من الهواء، صرنا نسمعه من خارجنا قبل أن يبلغ أحدًا، ولا فعلَ يحتمل أن يُراقَب وهو يولد.
لم نعد نعيش بأجسادنا، صرنا نراقبها.
ثم يبدأ الجسد يتكلّم نيابةً عنّا، وضدّنا.
ترتجف اليد لا لأنها ضعيفة، بل لأن شيئًا في الداخل صار أكبر من قدرتها على إخفائه ففاض إلى الأطراف.
يجفّ الحلق، فيصير الكلام — أيسر الأشياء — عمليةً تحتاج إلى تخطيط: متى أبتلع، كيف أبدأ، هل يخرج الصوت متشقّقًا فيشي بأن شيئًا غير طبيعيٍّ يجري؟
ويرتفع الدم إلى الوجه، والاحمرار وحده مفارقةٌ كاملة: هو في جوهره محاولةٌ للاختباء — ينكمش المرء، يتمنّى لو خفت قليلًا حتى لا يُرى — لكنّ الجلد، في اللحظة نفسها، يصبغ نفسه بأكثر الألوان صراخًا.
تريد أن تتلاشى، فيشتعل وجهك كإعلانٍ مضيء: ها هنا واحدٌ يخاف أن يُرى.
ولأنك تعرف أن الاحمرار يُرى، تحمرّ أكثر؛ ترتبك من ارتباكك، فيطوي الانكشاف نفسه على نفسه بلا قرار.
يسهل أن نقول إن الجسد خاننا، لكنها عبارةٌ استُهلكت حتى فرغت. الجسد لا يخون؛ الجسد يقول الحقيقة في اللحظة الخاطئة.
الاحمرار ليس كذبًا، إنه أصدق ما فينا، فضيحةُ صدقٍ لا نريدها.
والكفّ المبتلّ لا يفضح ضعفًا، بل يفضح أننا نهتمّ، أن العين المقابلة تعنينا إلى حدٍّ لا نطيق الاعتراف به.
ولهذا فإنّ ما يرعبنا في الارتجاف ليس أنه يكشف خوفنا، بل أنه يكشف حاجتنا. لسنا نرتجف لأن الآخر عدوّ؛ نرتجف لأنه مهمّ.
اللامبالاة وحدها لا ترتعش.
ولماذا نهب عينًا لا نعرف صاحبها هذه السطوة على أن تجعل اليد ترتجف؟
لأنها حين تقع عليّ تكشف فيّ ما لا أملك ردّه: أنني لم أعد مركز عالمي.
حين أكون وحدي تنتظم الأشياء من حولي، الباب بابي والمسافات تُقاس منّي؛ ثم يدخل أحدٌ وينظر، فأصير في لحظةٍ نقطةً في عالمٍ ينتظم حول عينه هو، شيئًا يُرى ويوضَع في خانة.
وهذا لا يصلني تعريفًا؛ يصلني في الرقبة، في انكماش الكتفين، في ريقٍ أبتلعه وليس هناك.
الخجل ليس انفعالًا، بل معرفة: أن أعرف، بالجسد لا بالعقل، أنني مرئيّ.
والأقسى أن العين لا تبقى في الخارج.
أحمل أسوأ ما أظنّه في نفسي فأعلّقه في عيون الناس، ثم أسكن أنا تلك الصورة، وأصير قاضيَ نفسي نيابةً عن جمهورٍ لم يصدر حكمًا أصلًا.
تنتقل العين الخارجية، التي ربما لم تنظر إليّ، إلى الداخل، وتستقرّ غرفةً ضيّقةً في الصدر؛ وحين تصير العينُ غرفةً في الصدر، لا أعود أخاف أن يراني أحد، بل أصير الرائيَ والمرئيَّ معًا، الحارسَ والسجينَ في زنزانةٍ واحدة.
وهذا تعبٌ من نوعٍ خاص: أن يفرّ المرء من العين الخارجية إلى داخله، فلا يجد ملجأً، بل عينًا أحدّ، ورثت أسوأ ظنونه به.
ما كان خارجًا يمكن مغادرته؛ أما هذه العين فتمشي معي، وتبقى ساهرةً حتى في خلوتي، تراقب طريقة جلوسي حين لا أحد هناك.
ومن غرفتها في الصدر تعيد العين تشكيل العالم.
لم يعد المكان مساحةً أتحرّك فيها بحرّية، بل خريطةً لاحتمالات الرؤية: الكرسيّ في الوسط أخطر من الكرسيّ قرب الجدار، لأن الجدار يحمي ظهري من العيون؛ الدخول المتأخر فضيحةٌ صغيرة، والخروج قبل الجميع يحتاج إلى حيلة.
أختار موضعي بحسابٍ خفيٍّ لا يراه أحد: من أين سأُرى، وكم وجهًا سيقع عليّ.
والزمن نفسه يفقد سلاسته، فلا يجري كنهرٍ متّصل، بل يتكسّر بين ماضٍ أجترّ فيه كلمةً متعثّرةً قلتها قبل أسبوع، وضحكةً لم أفهم سببها فحسبتها عليّ، ومستقبلٍ أتخيّل فيه الفشل بتفاصيله قبل أن يقع.
وبين هذا وذاك يضيع «الآن»؛ أجلس بجسدي في المجلس وأنا غائبٌ عنه، عالقٌ في شِقٍّ بين جملةٍ ماتت ولم أدفنها، وجملةٍ لم تولد بعد وأخاف منها.
وفي ثقافتنا نعرف هذه الغرفة بأسمائها.
نشأنا في ظلّ سؤالٍ واحدٍ يسبق كل فعلٍ ويتبعه: «وش بيقولون؟» ليس عبارةً عابرة، بل بنيةً كاملةً للوعي، عينًا زُرعت في الصدر منذ الصغر فصارت تنظر من الداخل.
المجلس الذي هو دفءٌ وانتماء هو نفسه الذي تُوزَن فيه الكلمة قبل أن تجفّ في الهواء؛ تصدر أحكامه من نظرةٍ جانبية، من ابتسامةٍ متبادَلة، من صمتٍ يطول بعد جملةٍ قلتها.
والعائلة التي تحمينا هي ذاتها التي تصنّفنا: الخجول، الثقيل، ابن فلانٍ الذي لا يُحسن الكلام.
والسمعة، تلك السلعة التي نحرسها بأعمارنا، ليست سوى الاسم المهذّب لخوفنا من نظرةٍ لم تُرمَ بعد.
لم نكن نخاف الفشل بقدر ما نخاف أن يُرى الفشل.
وهذا الميراث أقدم من المجالس كلها.
في جذورنا الأولى لم يكن الطردُ من الجماعة جرحًا في الكرامة فحسب، بل موتًا بردًا أو جوعًا أو افتراسًا؛ فصارت نظرةُ الجماعة تُقرأ حكمًا بالحياة أو بنقيضها.
ما زلنا نحمل هذا في الكتف: الرعشةُ التي تنتابنا أمام مجلسٍ من الزملاء في غرفةٍ مضاءة ذاكرةٌ قديمةٌ توقظها عين، لا عطبٌ طارئٌ في الطبع.
ثم جاء عصرٌ ضاعف العين حتى صارت كلَّ عين.
لم يعد المجلس غرفةً واحدةً بجدران، بل شاشةً مفتوحةً على وجوهٍ لا نعرفها، عينًا جماعيةً بلا أجفان، حكمُها محفوظٌ قابلٌ لإعادة العرض في أيّ وقت.
ومع عينٍ لا تنام، صار «ألّا تُرى» قريبًا من «ألّا تكون».
فكيف لكائنٍ تشكّل خوفه أصلًا في حضرة عينٍ واحدةٍ أن يحتمل عيونًا بلا عدد، تنظر دون أن تُرى؟
ها هي المفارقة كاملةً، وعليها يقف كل شيء: نحتاج إلى الآخر كي نكتمل، ونخافه لأنه قادرٌ على اختزالنا.
وُلدنا داخل عيون الآخرين قبل أن نعرف أسماءنا، عرفنا وجوهنا من ابتساماتهم وقيمة حضورنا من نبراتهم، وتعلّمنا أننا موجودون لأن أحدًا التفت إلينا.
لا ذاتَ قبل الآخر؛ نحن مسكونون به قبل أن نلتقيه.
ومع ذلك، فالعين نفسها التي صنعتنا قادرةٌ أن تختزلنا في لحظةٍ إلى كلمةٍ واحدة: مرتبك، ضعيف، غريب.
نعطش إلى البئر ونرتجف على حافّته.
لكنّ في الموقف وهمًا أكبر، عليه يقوم العذاب كله: أنّ في الغرفة عينًا واحدةً، شاملةً، يقظةً، مكرّسةً لمراقبتي وحدي.
والحقيقة أن لا أحد هناك يملك هذا الفائض من الانتباه؛ كلٌّ منشغلٌ ببقعة الضوء التي يظنّها مسلّطةً عليه.
لسنا في محكمةٍ فيها قاضٍ ومتّهم، بل في صفٍّ طويلٍ من المتّهمين، كلٌّ يحاكم نفسه ويظنّ سواه قاضيًا.
من هنا يتبدّل وجه الآخر.
حين أتخيّل العين الناظرة أتخيّلها عدسةً باردةً تصدر الأحكام، لكنّ الوجه الإنسانيّ، حين أنظر إليه حقًّا، ليس عدسة؛ إنه يناديني قبل أن يحاكمني.
فيه — في أيّ وجه — شيءٌ هشّ، مكشوفٌ مثلي، يطلب اعترافًا بأنه موجود، ويخاف بدوره أن يُرفض.
العين التي أخافها ليست إلهًا فوقي، بل عينٌ قلقةٌ أخرى تقيس مسافتها، وتخفي رعشتها، وتبحث في وجهي عن الأمان نفسه الذي أبحث عنه في وجهها.
لا أملك أن أنهي هذا بطمأنينة.
النظرة باقية، والآخر باقٍ، والجلد سيظلّ أحيانًا يفضح ما تحته، واليد قد ترتجف وأنا أمدّها للسلام؛ هذا ثمنُ أن يعرف المرء أن في العالم أحدًا غيره، وأن نظرته تعني شيئًا.
لكنّ ثمة فرقًا دقيقًا، وهو كل شيء: بين أن تبقى العين في العالم، حيث مكانها الطبيعيّ، وأن تنتقل إلى غرفةٍ في الصدر فتحكم من الداخل.
يجلس على الكرسيّ الذي بدا قبل قليلٍ أوضح من كل الناس.
يداه ما زالتا ثقيلتين، ووجهه أدفأ مما يحبّ، لكنه لا ينسحب.
تنزل يده أخيرًا على ركبته، لا لأنها غلبت الرعشة، بل لأنها كفّت عن مراقبة نفسها.
ويرفع عينيه، للمرة الأولى منذ دخل، لا ليتحدّى ولا ليفرّ، فيرى لا قضاةً، بل وجوهًا.
وفي إحداها رعشةٌ خفيفة، أصغر من أن تُلحظ، تشبه رعشته تمامًا.
