تجاوز إلى المحتوى
~/series/هدوء-لا-يعبرالكلمات التي تمنعنا من السؤال · نصّ 1 من 9
READ 0%10 MIN LEFTWORDS 1,774
FILE 084 / 118 · الكلمات-التي-تمنعنا-من-السؤال.md

§ مقالات · هدوءٌ لا يعبر · 1 / 9

الكلمات التي تمنعنا من السؤال

«كن نفسك»، «الواقعية»، «الاستقرار»

الكلمات-التي-تمنعنا-من-السؤال.mdFILE 084 / 118
النوعمقالات
التاريخ
المسودةهدوءٌ لا يعبر — النصّ 1 من 9
القراءة10 دقائق · 1,774 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
لوحة زيتية معتمة لرجل داخل إطار خشبي كالنافذة يسند رأسه إلى يده وعلى ذراعه سلسلة، وأمامه على الحافّة حزمة مفاتيح قديمة في بقعة ضوء.
FIG. 01 · 1672×941 · PNG

قبل أن أدخل، وضع أحدهم يده على كتفي، تنبّهتُ إلى دفئها قبل أن أتنبّه إلى الكلمات، وقال، بنبرة من يُهدي سرًّا: «كن نفسك.»

كان الباب أمامي مواربًا، ومن خلفه أصواتٌ وضحكاتٌ لأناسٍ لا أعرفهم. أومأتُ. قلتُ: «طبعًا.» ودخلت.

ولم يصل السؤال إلا لاحقًا، في الطريق إلى البيت، حين خفّ كل شيء: أيّ نفسٍ كان يقصد؟ ولماذا قالها قبل الباب لا بعده، ولا حين كنتُ وحدي في السيارة؟

لم تكن تلك الجملة وحدها. ثمة عائلة كاملة تشبهها: «خلّنا واقعيين»، «كل ما أريده هو الاستقرار». لا أحد يعترض عليها، فما لا يُسأل عنه، غالبًا، يعمل في الظل.

لكلٍّ منها مظهر الحكمة، ولكلٍّ منها الوظيفة نفسها: أن تُوقف السؤال قبل أن يُطرح، وأن تجعل المشكلة فيك لا فيما حولك، ثم تُسمّي ذلك نضجًا.

بعض الجمل لا تُقال كي تفتح الكلام، بل كي تُغلقه. وهذه محاولة لفتح ما صُمِّم كي لا يُفتح


كن نفسك.

جملة لا تحتمل الاعتراض. تقف في مكانها كأنها فرغت من كل جدل ممكن قبل أن تُنطق. لا أحد يقولها ثم ينتظر ردًّا. لا أحد يسمعها ثم يسأل: أيّ نفسي تحديدًا؟

تُقال في نهاية النصيحة، عادةً. بعد أن يُقدَّم كل شيء آخر، الملابس المناسبة، الطريقة المثلى للجلوس، ما ينبغي قوله وما ينبغي إخفاؤه، تأتي «كن نفسك» كأنها توقيع ختامي على وثيقة تناقضاتها مكتملة.

كأن أحدًا يقول: بعد كل هذا التدريب على ألّا تكون نفسك... كن نفسك.

وهي لا تُقال أبدًا لشخص يجلس وحده. لا تُقال في لحظة سكينة. تظهر فقط حين يكون هناك أداء مطلوب: مقابلة عمل، لقاء أول، منصة، كاميرا، جمهور.

أي أنها لا تُستدعى إلا في اللحظة التي تكون فيها «النفس» أقلّ ما يُطلب منك فعلًا. تُقال حين يكون المطلوب وجهًا آخر، لكنها تُغلّف هذا المطلوب بعبارة تبدو كأنها تُعفيك منه.

ووظيفتها الحقيقية أدقّ من ظاهرها بكثير. «كن نفسك» لا تعني: افعل ما يحلو لك. لا تعني: توقّف عن الحساب. تعني شيئًا أدقّ وأكثر تعقيدًا: أدِّ ما هو مطلوب منك، لكن بنبرة تبدو طبيعية.

لا تُظهر المجهود. لا تُظهر الحساب. أخفِ التمثيل داخل التمثيل، بحيث يبدو كأنه ليس تمثيلًا.

الجملة لا تطلب منك الأصالة — تطلب منك إتقان محوها.

وثمّة مشكلة أعمق: أيّ نفس بالضبط؟ تلك التي تستيقظ قبل أن تلتقي بأحد؟ تلك التي تفكّر أشياء لا تقولها؟ تلك التي تتردد، تحسد، تكذب أحيانًا لأن الصدق مكلف؟ تلك التي تجلس في الثالثة فجرًا وتتصفح هاتفها بلا سبب واضح؟

حين يقول أحدهم «كن نفسك» فهو بالتأكيد لا يعني هذه النفس. يعني نسخة منقّحة. نسخة اجتازت رقابة داخلية كافية لتبدو «طبيعية» دون أن تكون مزعجة. «نفسك»، لكن بعد التحرير.

ويتضاعف الالتباس: «النفس» التي يُطلب منك أن تكونها ليست شيئًا موجودًا سلفًا تعود إليه. هي نتاج تفاوض مستمر بين ما تريد وما يُسمح به وما يُكافأ اجتماعيًا.

أنت لا «تعود» إلى نفسك حين تسمع الجملة، بل أنت تُنشئ نسخة مقبولة ثم تلصق عليها كلمة «أصالة». الجملة لا تحرّرك من الأداء، بل تُعيد تسمية الأداء بوصفه حرية.

والمفارقة أن الجملة تزداد استخدامًا كلما ازداد الضغط نحو التشابه. لا أحد كان يحتاج أن يُذكَّر بأن يكون نفسه حين لم تكن هناك كاميرات ولا سيَر ذاتية ولا خوارزميات تُكافئ الاتساق.

الجملة لم تظهر من فراغ، بل ظهرت لأن «النفس» صارت منتجًا يحتاج تسويقًا، وصار من الضروري أن يبدو هذا التسويق كأنه ليس تسويقًا. «كن نفسك» هي العلامة التجارية لما يدّعي أنه بلا علامة.

جرّب أن تأخذ الجملة حرفيًا في أيّ موقف اجتماعي. جرّب أن تقول ما تفكر فيه فعلًا. أن تجلس كما تجلس حين لا يراك أحد. أن تصمت حين لا تملك ما تقوله بدل أن تملأ الفراغ.

ستكتشف بسرعة أن «كن نفسك» ليست دعوة بل اختبار: اختبار لمعرفة أيّ أجزاء من «نفسك» صالحة للعرض. الجملة تبدو كأنها تفتح بابًا، لكنها في الواقع ترسم حدوده.

والأعجب أنها تُستخدم كتفسير بأثر رجعي. حين ينجح أحدهم يُقال: لأنه كان نفسه؛ وحين يفشل لا يُقال الشيء ذاته، مع أنه ربما كان نفسه بالضبط.

إنها تُلصق بالنتائج الناجحة وحدها، كتأمين لاحق على قرارات كانت عشوائية أصلًا؛ تصلح تعليقًا على ما حدث، لا توجيهًا لما لم يحدث بعد.

ولها استخدام أقسى: الإسكات. حين يشتكي أحدهم من ضغط اجتماعي، من إحساس بالزيف, من إرهاق التكيّف المستمر، يُقال له: كن نفسك. كأن المشكلة كانت في نقص إرادة لا في بنية كاملة لا تسمح لـ«النفس» بالظهور إلا مُرشَّحة.

الجملة تنقل العبء من النظام إلى الفرد. تقول له: الحل فيك، لا فيما حولك. وبذلك تُنهي الحوار قبل أن يبدأ. لا أحد يردّ على «كن نفسك» بسؤال آخر. الجملة مصمّمة لإغلاق التفكير، لا لفتحه.

ومع ذلك، ومع كل هذا، ستُقال غدًا. وسيهزّ أحدهم رأسه بارتياح وهو يسمعها. وسيشعر، للحظة، أنه فهم شيئًا. ثم سيذهب ليُعدّ نفسه — لا ليكونها.

ما زلنا نقولها. ليس لأننا نصدّقها. بل لأن البديل، أن نسأل: أيّ نفس، وهل هي موجودة أصلًا، وهل يُسمح لها فعلًا بالظهور، سؤال لا تتسع له المحادثة.

والجملة تعرف ذلك. لهذا تبقى قصيرة.


«كن نفسك» يقولها لك الآخرون، وهي على الأقل تَعِدُك بشيء — حتى لو كان وهمًا. أما الجملة التالية فتقولها أنت عن نفسك، وهي لا تَعِدُ بشيء. إنها تمنع.

أنا إنسان واقعي.

أقولها كثيرًا. أقولها حين أرفض شيئًا لا أريد أن أعترف أنني أخاف منه. أقولها حين يطرح أحدهم فكرة تُزعجني لا لأنها مستحيلة، بل لأنها تكشف أنني توقفت عن المحاولة.

أقولها بنبرة هادئة، ناضجة، كأنني أنقذ من أمامي من سذاجته، بينما في الحقيقة أنقذ نفسي من أن أُسأل: ولماذا لم تفعلها أنت؟

«خلّنا واقعيين.» الجملة لا تصف الواقع. الجملة تُنهي النقاش.

لا أحد يقول «خلّنا واقعيين» قبل أن يقترح شيئًا. الجملة لا تأتي في البداية. تأتي دائمًا كردّ. كحاجز. شخصٌ ما اقترح، تحمّس، تخيّل، فجاءت «الواقعية» لتُعيده إلى مكانه.

أيّ مكان؟ مكاني أنا. المكان الذي قررتُ أنه الوحيد الممكن، لا لأنني فحصتُ الممكنات، بل لأنني توقفت عن فحصها وسمّيتُ هذا التوقف نضجًا.

الواقعي لا يصف الواقع، بل يصف حدود ما أطيق تخيّله. ثم يُسمّي هذه الحدود «واقعًا»، ويُسمّي ما خارجها «وهمًا»، ثم يجلس مطمئنًا، لا لأنه يعرف أكثر، بل لأنه أغلق الباب ورمى المفتاح وسمّى هذا حكمة.

و«الواقعية» لا تُستخدم أبدًا ضد السلطة. لا أحد يقول لمديره: «خلّنا واقعيين، أنت لا تعرف ماذا تفعل». لا أحد يقول للنظام: «خلّنا واقعيين، هذا لا يعمل».

الواقعية تُستخدم فقط نحو الأسفل. نحو من يحلم. نحو من يحاول. نحو من لم يتعلّم بعد أن يُسمّي عجزه فلسفة.

الواقعي، إذا دققت، لا يملك وصفًا للواقع. اسأله: ما هو هذا الواقع الذي تدافع عنه؟ سيقول: «الأمور لا تمشي هكذا». لا تعريف. لا تحليل. فقط: هكذا لا تمشي.

أما كيف تمشي فعلًا، فهذا ليس سؤاله. سؤاله الوحيد هو أن يُثبت أن طريقتك لن تنجح، لا أن يُقدّم طريقة تنجح.

الواقعية لا تُنتج فعلًا. تُنتج فقط قدرةً على النقض.

واللافت أنها كلّما نقضت أكثر، بدت أكثر رصانة. كأن الرفض المتكرر يتحوّل مع الزمن إلى خبرة. لا أحد يسأل: خبرة في ماذا؟ في عدم المحاولة؟ في الجلوس على الحافة ومراقبة من يسقط ثم القول: «قلتُ لك»؟

لأن هذا هو المنتج الوحيد لـ«الواقعية»: جملة «قلتُ لك» بعد كل فشل. وصمت مُطلق بعد كل نجاح.

الواقعي لا يفرح بنجاح ما حذّر منه. لا يقول: «كنتُ مخطئًا، الأمر ممكن». يقول: «هذه حالة استثنائية». أو يقول: «انتظر، لم تنتهِ القصة بعد».

كأن الواقعية ليست وصفًا للعالم بل التزامًا مسبقًا بأن كل شيء سينتهي سيئًا، والنجاح مجرد تأخير أنيق للكارثة.

والحقيقة أعمق: الواقعي لا يصف العالم كما هو، بل كما يحتاج أن يكون كي يبقى على حق. يحتاج العالم أن يكون ضيّقًا، صلبًا، مغلقًا، لا لأنه كذلك، بل لأنه إن لم يكن كذلك، فكل سنوات التوقف عن المحاولة تصبح فجأة بلا مبرر.

وهذا ثقل لا يُطاق. فيحتاج كلَّ من يحاول أن يفشل كي لا يصبح التوقف اختيارًا. ويحتاج السؤال ألّا يُطرح، لا لأنه ساذج، بل لأن الإجابة، أيّ إجابة، ستُكلّف أكثر من الصمت.

ماذا لو كان ممكنًا — وأنا فقط لم أُجرّب؟
لكنني إنسان واقعي.
أعرف أن هذا السؤال لا يستحق طرحه.
…
أعرف ذلك لأنني لم أطرحه.


في صمت الواقعي وعدٌ بمكان لا يطلّ منه سؤال. كانت «الواقعية» تحرس عجزًا؛ أما هذا المكان فيحرس ما هو أهدأ وأخطر: التوقف نفسه، مُحوّلًا إلى فضيلة. اسمه الاستقرار.

كل ما أريده هو الاستقرار.

جملة لا يختلف عليها أحد. تُقال في المقابلات الوظيفية، في جلسات الخطوبة، في عيادات الطب النفسي، في خطابات رؤساء الدول. تُقال وكأنها لا تحتاج إلى تفسير.

وربما هذا بالضبط ما يجعلها خطيرة: أنها لا تُسأل.

الاستقرار. أن تستقرّ. أن تتوقف عن الحركة. أن تصل إلى نقطة لا تحتاج بعدها أن تسأل نفسك إلى أين.

لكن لا أحد يقول: «أريد أن أتوقف عن الحركة». لأن الجملة حين تُعرّى هكذا تبدو مُقلقة. تبدو كشيء يقوله شخص مُتعب جدًا. أو ميّت.

لذلك اخترعنا لها كلمة ألطف: الاستقرار. المعنى نفسه، لكن بثياب نظيفة.

أنا أريد الاستقرار المادي. يعني: أريد أن أملك ما يكفي لكي لا أفكّر في المال. لكن التفكير في المال هو ما يجعلني أعمل. وأنا أعمل كي أستقرّ. أي أنني أعمل كي أصل إلى نقطة لا أحتاج فيها أن أعمل.

لكنني لن أتوقف عن العمل حين أصل، لأن التوقف سيُفقدني الاستقرار. إذن الاستقرار ليس نقطة وصول. هو وعد بنقطة وصول لا يُسمح لي بالوصول إليها.

أريد الاستقرار العاطفي. يعني: أريد علاقة لا تُقلقني. لكن ما الذي يجعل العلاقة علاقة إن لم يكن القلق؟ الشخص الذي لا يُقلقك لا تُسمّيه شريكًا، تُسمّيه زميلًا. أو جارًا. أو أثاثًا.

الاستقرار العاطفي يعني أنني أريد شخصًا يُشعرني بالحياة، لكن دون أن يُزعزعني. أريد زلزالًا مستقرًا. بركانًا بجدول مواعيد.

أريد الاستقرار النفسي. يعني: أريد أن أستيقظ كل يوم دون أن أتساءل ما الذي أفعله بحياتي. لكن هذا التساؤل هو الشيء الوحيد الذي يُميّز الإنسان الحيّ من النائم.

الاستقرار النفسي، إذن، هو أن أكون واعيًا بما يكفي لأختاره، وغافلًا بما يكفي لأتحمّله.

هنا يبدأ الانقلاب. لأن الاستقرار لا يعني أنك وصلت. يعني أنك توقّفت عن السؤال. من يقول «أنا مستقر» لا يُخبرك عن حالته، بل عن قراره بعدم فحص حالته.

الاستقرار ليس إجابة. هو رفض مُهذّب لطرح السؤال.

والمجتمع يُكافئ هذا الرفض. الشخص المستقر يُعامَل كناضج. والشخص الذي يسأل يُعامَل كمراهق. الشخص الذي يُعيد النظر يُعامَل كمُتردّد. والمتردّد لا يستحق الثقة.

لذلك نحن لا نُريد الاستقرار فعلًا، بل نُريد أن نبدو مستقرين. لأن البديل ليس القلق. البديل هو أن يَنظر إليك الآخرون كشخص لم يحسم أمره.

والحسم، يا للمفارقة، يعني أن تُغلق كل الاحتمالات إلا واحدًا، ثم تُسمّي هذا الإغلاق حرية.

الاستقرار الوظيفي: أن تبقى في مكان واحد حتى يُصبح المكان هو هويتك، ثم تخاف من المغادرة لا لأن المكان جيد، بل لأنك لم تعد تعرف من تكون خارجه.

الاستقرار الأسري: أن تُكرّر نظامًا لم تخترعه، وتُعيد إنتاج أدوار لم تفحصها، وتسمّي كل هذا «أساسًا متينًا».

الاستقرار السياسي: أن يتوقف الناس عن الاعتراض. ليس لأن المشاكل حُلّت، بل لأن الاعتراض صار مُكلفًا. الدولة المستقرة ليست بالضرورة عادلة. هي فقط هادئة. والهدوء، حين يُفرض، لا يُسمّى قمعًا. يُسمّى استقرارًا.

كل شيء «مستقر» في الطبيعة إما ميّت أو على وشك الانفجار. البحيرة الراكدة مستقرة. وكذلك القنبلة قبل ثانية من الانفجار. الفرق بينهما ليس في السكون، بل في ما يحدث حين تلمسهما.

وأنت، حين تقول «أريد الاستقرار»، لا تعرف أيهما تطلب. لكنك لن تسأل. لأن السؤال نفسه سيُفقدك ما تسمّيه استقرارك.

وهذا بالتحديد هو ما يجعل الكلمة تعمل: أنها تمنعك من فحصها. كلمة مُحصّنة ضد التفكيك. مصطلح يحمل في داخله تعليمات بعدم فتحه.


وأنا الآن — بعد كل هذا — ما زلت أريده.

وهذا، على الأرجح، هو الجزء الذي لا يُضحك.

انتهى النصّ · نُشر 2026-05-29 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.