§ شذرات
مصباحٌ لا ينطفئ

نظنّ أن الفهمَ يُخفّف الألم. فنقرأ ونحلّل ونُسمّي ما نعانيه بمصطلحات دقيقة. لكن التسمية وهمٌ أنيق: نبني فوق الجرح مكتبةً، فيبدو الجرح أصغر. الورق يحتجب الدم لكنه لا يمتصّه. المعرفة لا تُعالج، بل تُوسّع المسافة بيننا وبين ما نحسّه، حتى نتعلّم أن نصف الحريق بدلًا من أن نُطفئه.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 1 / 11أسوأ ما في الفهم أنه لا يُلغي الشعور، بل يُضيف إليه طابقًا آخر. تتألم، ثم تفهم لماذا تتألم، ثم تتألم لأنك تفهم ولا تستطيع شيئًا. الوعي لا يُنقذ. الوعي يُوسّع الغرفة ويتركك فيها وحدك.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 2 / 11الوعي حين يصير عبئًا يشبه ضوءًا لا ينطفئ في غرفة تريد أن تنام فيها. ترى كل شيء: الشقوق في السقف، الغبار على الحافة، التفصيلة التي كان يمكن ألّا تراها لو أن أحدًا أطفأ هذا المصباح اللعين. لكنّ يدك لا تصل إلى المفتاح. لم تصل يومًا.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 3 / 11حين يصبح الوعي عبئًا، تبدأ في الحنين إلى الجهل. إلى تلك الأيام التي كنت فيها تعيش دون أن تراقب نفسك، دون أن تحلل كل شعور، دون أن تسأل «لماذا أشعر بهذا؟» الآن، كل شيء يمرّ عبر مرشّح الوعي: فرحك مشكوك فيه، حزنك محلّل، تلقائيتك مفقودة. تعرف الكثير، ولا تستطيع أن تعود إلى البساطة.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 4 / 11نقول إنّنا نبحث عن الحقيقة. لكنّنا في الغالب نبحث عن نسخةٍ منها تُشبه ما نعرفه — دافئة كغرفةٍ مألوفة، لا كريحٍ تنزع عنك المعطف في شارعٍ لا تعرفه. المعرفة الحقيقية تُحدث شرخًا في صورة الذات، ولهذا نتجنّبها بإتقان ونسمّي التجنّب حكمة. كمن يحمل مصباحًا في كهفٍ ثمّ يغمض عينيه كلّما لمس الضوء ما على الجدران. ما نسمّيه بحثًا عن المعنى غالبًا ما يكون هروبًا منظّمًا منه.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 5 / 11الخوف من الفهم ليس جُبنًا. بعض الحقائق تأتي بلا مقابض — تمسكها فتمسكك. تفهم شيئًا عن أبيك، أو عن نفسك، أو عن سببِ فشلٍ قديم، فتكتشف أن الفهم لا يُغلق الباب، بل يفتح غرفةً أخرى كنتَ تتجنّب وجودها.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 6 / 11لا يخاف من الحقيقة. يخاف من أن يفهمها كاملة ثم لا يجد ما يفعله بها. أن تملك الخريطة ولا تملك ساقين — هذا نوعٌ من القسوة لا اسم له.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 7 / 11المعرفة التي لا تُلزم صاحبها تتحوّل إلى شكل مهذّب من الجهل. أن تعرف دون أن تفعل ليس حكمةً بل تأجيلًا يرتدي لباس الفهم. والخطر ليس في التأجيل وحده، بل في أن المعرفة غير المُلتزَم بها تُنتج وهمًا مضاعفًا: وهم أنك تجاوزت المشكلة لأنك رأيتها، والحقيقة أن الرؤية بلا فعلٍ تُثبّتك في موقع المتفرّج على ما تعرف أنه يحترق. الفهم الذي لا يغيّر شيئًا ليس فهمًا هو— هو مقعد أمامي للعجز.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 8 / 11الفعل يحتاج قدرًا من العمى. مَن يرى كل الاحتمالات يُصاب بشلل ليس كسلًا بل فائض رؤية. الوعي الحاد لا يُنتج قرارًا أفضل — يُنتج تردّدًا أعمق، لأنه يكشف في كل خيار ما يُخسَر بقدر ما يُكسَب. الفاعلون الكبار ليسوا أذكى من المتردّدين — لكنهم أقدر على تضييق حقل الرؤية في لحظة الفعل، على تجاهل ما يعرفونه مؤقتًا كي يتحرّكوا. الوعي الكامل ليس أعلى درجات الفهم — هو أعلى درجات العجز عن الحسم.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 9 / 11الضوءُ الذي يتسلّل من شقٍّ في الباب لا ينير الغرفة؛ بل يُبيّن ما كانت العتمةُ تُخفيه من ترتيب. الإدراكُ يعمل هكذا أحيانًا: لا يأتي فجأةً ولا كاملًا، بل كخيطٍ نحيلٍ يُظهر لنا، في لمحة، أننا كنّا نعيش بين أشياء لم ننظر إليها قطّ.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 10 / 11حين نُحدّق في شيءٍ طويلًا، يبدأ الشيءُ بالتفكّك. الكلمةُ التي نُعيد قراءتها كثيرًا تفقد معناها، والوجه الذي نتأمّله طويلًا يصير غريبًا. الإدراكُ لا يتحمّل الإطالة؛ لا بدّ له من حركةٍ وإيقاع. ولهذا، ما نظنّ أنّنا نفهمه «تمامًا» ليس ما نظرنا إليه كثيرًا، بل ما نظرنا إليه بالقدر الذي يسمح له بأن يبقى كاملًا.
من مجموعة «مصباحٌ لا ينطفئ» · 11 / 11
الرسالة
NEWSLETTERحين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.
بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.