§ شذرات
صوتٌ بلغة غيرك

الطفولةُ لا تنتهي بعمرٍ معيّن؛ تنتهي حين نكتشف، للمرّة الأولى، أن الكبار يخافون أيضًا. في تلك اللحظة بالذات يسقط سقفٌ غير مرئيّ كان يحمينا، ونبدأ بحمل ما كان الآخرون يحملونه عنّا. النضجُ ليس مهارة؛ هو فقدانُ الحقّ في ألّا نعرف.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 1 / 20الأطفالُ لا يسألون لأنهم لا يعرفون؛ بل لأنهم لم يتعلّموا بعدُ أن هناك أسئلةً لا تُطرَح. حين يكبرون، لا تزداد معرفتُهم بقدر ما تزداد قائمةُ الأسئلة الممنوعة. هذا ما نسمّيه «تهذيبًا»: تعليمَ الإنسان كيف يصمت عمّا يُزعج الآخرين أن يُسأل عنه.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 2 / 20في مكانٍ ما من الطفولة، قررتَ أنك لن تكون عبئًا. لم يخبرك أحدٌ بهذا صراحةً — ربما كان تنهيدة، أو نظرة، أو بابًا أُغلق بقوة أكثر من اللازم. منذ ذلك اليوم، وأنت تحمل نفسك كمن يحمل كأسًا ممتلئة في غرفة مزدحمة: بحذرٍ مُرهق، وخوفٍ من أن تسكب شيئًا على أحد.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 3 / 20كلّنا نحمل جملةً واحدة قيلت لنا في الطفولة، ونعيد ترديدها على أنفسنا دون أن نعلم. قد تكون مديحًا أو لومًا أو تحذيرًا، لكنها صارت النواةَ التي يتكوّن حولها خطابُنا الداخلي. اكتشاف هذه الجملة لا يُحرّرنا منها بالضرورة؛ لكنّه، على الأقلّ، يُعلّمنا أن نُصغي إليها من مسافة، لا من داخلها.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 4 / 20متى صار صوتُك، حين تلوم نفسك، يستعمل كلماتِ من جرحوك؟ ومتى توقّفتَ عن ملاحظة أنّ الذي يوبّخك في الداخل لا يتكلّم بصوتك تمامًا؟
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 5 / 20صوتٌ يرتفع في الغرفة المجاورة، لا علاقة لك به، فيتسارع شيءٌ فيك كان نائمًا منذ ثلاثين سنة. ليس الحاضرُ من أفزعك؛ الماضي فقط استعار صوتًا جديدًا.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 6 / 20الحديثُ الداخليّ ليس صوتًا نتكلّم به مع أنفسنا؛ بل هو النسخةُ التي يقدر أحدُنا على أن يقولها لنفسه دون أن يخاف. كلّ ما نعجز عن البوح به للآخرين يقوله ذلك الصوت الخافت، ولهذا يبدو أقربَ إلينا من كلّ الأصوات. هو الشاهدُ الوحيد الذي نثق بصمته.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 7 / 20السلطةُ الحقيقيةُ ليست تلك التي تُجبرك على فعل شيء؛ بل تلك التي تجعلك تريد أن تفعله وحدك. الأكثر قوّةً لا يأمر، بل يُشكّل الرغبة ذاتها، فتبدو لك اختياراتك حرّة وهي صدى لصوتٍ لم تُنصت إليه وعيًا. نحن مطيعون لأشياء كثيرة لا نعرف أنّها تحكمنا، لأنّها تكلّمنا بلغة «ما نريده».
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 8 / 20تتبع الإشاراتِ واحدةً واحدة، تنعطف حيث يأمر اللوح، فتصل بدقّةٍ إلى المكان الذي لم تخترْه. هل سألتَ، ولو مرّة، من نصب اللوحات؟
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 9 / 20اسمُك أوّلُ كلمةٍ مُلِّكتَها ولم تخترها، وأكثرُ ما يلتفت إليه فيك. تقضي العمرَ تجيب على نداءٍ لم توافق عليه يومًا، حتى تظنّ أنه أنت.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 10 / 20الطفل الذي كانه لم يمت. فقط توقّف عن الكلام. يظهر أحيانًا في ردّة فعل مبالغ فيها، في فرحة لا تتناسب مع حجم المناسبة، في طريقة إمساكه بكوب الشاي حين يكون وحيدًا — بكلتا يديه.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 11 / 20نحمل داخلنا موتى لم يُدفنوا: نسخًا قديمة من أنفسنا ماتت ولم نُقم لها عزاءً. الطفل الذي كنتَه وخذلتَه. المراهق الذي حلم ثم استيقظ. العاشق الذي آمن ثم توقف عن الإيمان. كلهم هناك، في قبو الروح، ينتظرون اعترافًا لن يأتي.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 12 / 20كل إنسان يحمل في داخله طفلًا متسائلًا ومراهقًا غاضبًا وشيخًا تعبًا — كلهم يتكلمون في الوقت ذاته، كلهم يريدون أن يُسمعوا. ما نسميه «صوتنا الداخلي» ليس صوتًا واحدًا — إنه جوقة مرتبكة، تحاول أن تتفق على أغنية واحدة.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 13 / 20تعرف أنك كبرت حين تتوقف عن انتظار اعتذارٍ يستحقه طفلٌ كنتَه. ليس لأنك سامحت، بل لأنك أدركت أن الذي كان يجب أن يعتذر، لا يتذكر أنه فعل شيئًا. وهذا أثقل من الغضب.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 14 / 20تربط حذاءَ أبيك ذات يومٍ كما كان يربط حذاءك صغيرًا. لا أحد يعلن أنّ الأدوار انقلبت؛ تعرف ذلك وحدك، من انحناءة ظهرك فوق قدميه.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 15 / 20نبني شخصياتنا من الأشياء التي رفضناها بقدر ما نبنيها مما اخترنا. كل «لا» قلناها حفرت مجرى. والماء الذي لم يمرّ من هنا — ذهب إلى مكانٍ آخر. لسنا فقط ما فعلناه. نحن أيضًا الشكل الذي تركه ما لم نفعله.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 16 / 20ما نُسمّيه «شخصيّة» ليس جوهرًا ثابتًا؛ بل هو تراكمُ ردود أفعالنا على ما آلمنا. نحن لسنا ما وُلدنا به، بل ما تعلّمنا تجنّبه. ولهذا، حين يُقال عن أحدٍ إنّه «هادئ» أو «عنيف» أو «حذر»، لا يُوصَف جوهرُه، بل تُوصَف الجراحُ التي نظّمت حياتَه.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 17 / 20الكذبةُ على النفس لا تعمل بالنفي؛ بل بالتعديل البطيء. لا نقول لأنفسنا «هذا ليس ما أشعر به»، بل نُعيد صياغة الشعور حتى يشبه ما نريد أن نشعر به. مع الوقت تصير الكذبةُ هي الحقيقة الوحيدة التي نذكرها، وتصير الحقيقةُ ذكرى غامضةً لشيءٍ كنّا نعرفه، ثم تركناه ينساق.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 18 / 20نسمع كثيرًا أن علينا «أن نكون أنفسنا»؛ لكنّ لا أحد يُخبرنا أن الذات ليست كيانًا نكتشفه، بل نحتًا نُنجزه يوميًّا. لا يوجد «أنا حقيقيّة» في الداخل بانتظار أن نحرّرها؛ هناك فقط سلسلةٌ من الاختيارات الصغيرة التي، مع الوقت، تصنع ما نُسمّيه «أنا». أن تكون نفسك يعني أن تقرّر، كلّ يوم، من تختار أن تكون.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 19 / 20أرحم ما فعلته لنفسي أنني توقفت عن مطالبتها بالاتّساق. أن أكون خائفًا وشجاعًا في الجملة نفسها. أن أحبّ ما يؤذيني دون أن أسمّي ذلك ضعفًا. النفس لا تُحلّ. تُصاحَب.
من مجموعة «صوتٌ بلغة غيرك» · 20 / 20
الرسالة
NEWSLETTERحين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.
بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.