1
الطنين لا يتوقف. ياسين يعرف أن الصوت صادر من جهاز التنفس، لكنه يسمعه كأنه قادم من مكان آخر — من تجويف في الجدار، أو من خلف عظمة القص مباشرة. يقلّب صفحة الكتاب. الكلمات لا تعني شيئًا. يقرأ الجملة ذاتها للمرة الرابعة، لكنه يواصل تحريك عينيه لأن البديل هو أن ينظر إلى السرير.
دخلت الممرضة دون أن يسمع الباب. لاحظ ذلك من تغيّر الهواء — رائحة كحول طبي حادة اخترقت ركود الغرفة. راقبها من فوق حافة الكتاب وهي تتفقد المحلول الوريدي، تعدّل الأنبوب بأصابع معتادة على هذا النوع من اللمس. أصابع لا ترتجف.
أصدر والده صوتًا. ليس أنينًا بالضبط — حشرجة رطبة متقطعة، كحجر يُسحب على قاع نهر جاف. توقفت يدها لجزء من الثانية فوق صمام المحلول. جزء من الثانية فقط. ثم أكملت.
أغلق ياسين الكتاب بحركة واحدة. الصوت كان جافًا وحادًا. فعلها قبل أن يقرر أن يفعلها — سمع الصوت الصادر عنه كأنه صادر عن شخص آخر في الغرفة. نظرت إليه. لم تبتسم ولم تعتذر.
قال: «أنتِ تلمسين المحتضرين بخشوع مبالغ فيه.»
صمت. ثم أضاف — والإضافة جاءت متأخرة، كمن يلحق بجملة فلتت منه: «هل تحاولين مواساتهم، أم تعتذرين لهم عن شيء ما؟»
لم يكن يعرف لماذا صاغها بهذا الشكل. الجزء الثاني من السؤال خرج وحده، كسكين انزلقت من يد مبللة.
مريم نظرت إليه. نظرة طويلة، مستوية، بلا دفاع وبلا هجوم. ثم قالت: «وأنت. هل تقرأ لأنك تريد أن تقرأ، أم لأنك لا تريد أن تنظر؟»
أصابعه انقبضت على غلاف الكتاب. شعر بحوافه تنغرز في لحم راحته.
«أنا—»
«ليس بالضرورة أن تجيب.»
أنهت عملها. مسحت يديها بمنديل ورقي ورمته في السلة. عند الباب، استدارت نصف استدارة: «يسمعك. حتى لو لم يبدُ كذلك.»
خرجت. بقيت رائحة الكحول معلّقة في الهواء. نظر ياسين إلى الكتاب في يده، وأدرك أنه كان يمسكه مقلوبًا منذ دقائق. لا يعرف منذ متى بالضبط. أعاده إلى وضعه الصحيح ببطء، كمن يصحح خطأ لا يريد أن يعترف بحجمه.
2
مات الأب في الثالثة صباحًا. ياسين لم يكن في الغرفة. كان في الممر. أمام آلة البيع. ضغط الزر الخطأ ثلاث مرات — قهوة بحليب بدلًا من سوداء — وفي كل مرة كان ينظر إلى الكوب البلاستيكي يمتلئ بالسائل الخاطئ، ولا يتحرك لتصحيحه. وقف هناك يحمل ثلاثة أكواب بحليب لا يشربه، والأب يموت على بعد ممر واحد.
لاحقًا، سيقول لنفسه إنه كان يحتاج هواءً. سيقول إن الغرفة كانت خانقة. سيبني تفسيرًا نظيفًا ومعقولًا. لكن الآن، في هذه اللحظة، هو واقف أمام آلة بيع يحمل ثلاثة أكواب قهوة بحليب وأصابعه ترتعش.
حين عاد، كانت الملاءة البيضاء مسحوبة فوق الوجه. مريم تقف بجانب السرير بيدين متشابكتين أمامها.
«انتهى إذن.»
لم يكن سؤالًا. لكن صوته ارتفع قليلًا في نهاية الجملة — ارتفاعة لم يخطط لها. نظرت إليه. نظرت إلى الأكواب الثلاثة في يده.
«هل تحتاج—»
«لا.»
وضع الأكواب على الطاولة المعدنية. واحدًا تلو الآخر. ببطء مدروس ومفرط، كمن يؤسس نظامًا هندسيًا فوق سطح على وشك الانهيار. الكوب الثالث اهتز قليلًا حين وضعه. سحب يده بسرعة.
«لماذا ثلاثة؟»
«ماذا؟»
«الأكواب. لماذا ثلاثة.»
صمت. نظر إلى الأكواب كأنه يراها للمرة الأولى. فتح فمه، ثم أغلقه.
«لا أعرف.»
الكلمتان خرجتا بصوت مختلف عن صوته المعتاد. أخفض. أكثر خشونة. كحجر يُسحب على حجر.
مريم لم تعلّق. لم تبتسم. وقفت هناك في صمتها، على بُعد خطوة واحدة. ليس أقرب. ليس أبعد. خطوة واحدة محسوبة بدقة شخص يعرف أين يبدأ حقل الألغام.
بدأ كتفاه يرتعشان. ارتعاشة بطيئة، غير مرئية تقريبًا. لم يبكِ. لم يكن البكاء ممكنًا — ليس لأنه قوي، بل لأن الجسد أحيانًا يتجمد حين يكون الشيء أكبر من طاقته التعبيرية.
مريم لم تتحرك. لم تلمسه. بقيت في خطوتها الواحدة حتى توقفت الارتعاشة.
3
انتقلت بعد ثلاثة أسابيع. لم يدعُها. لم ترفض. حدث الأمر بتراكم بطيء: كيس ملابس نسيته بعد زيارة، ثم كتاب، ثم فرشاة أسنان. لم يعترض. لم يرحّب. ترك الأشياء حيث وُضعت كمن يراقب تجربة تجري في مختبره دون أن يتدخل. هذا ما أخبر نفسه به: أنه يراقب. أنه لا يشارك. لكن حين غابت ليلة بسبب مناوبة ليلية، وقف أمام فرشاة أسنانها في الحمام لدقيقتين كاملتين دون أن يعرف لماذا وقف أو لماذا بقي واقفًا.
الشقة كانت كما هي — أسطح ملساء، خطوط مستقيمة، كل شيء في زاويته الهندسية. هواء بارد يعبق برائحة ورق قديم. مريم لم تحاول تغيير شيء. فقط وضعت نبتة صغيرة ملوّنة على حافة النافذة ذات صباح.
ياسين نهض من كرسيه. لم ينهض فورًا — انتظر عشر ثوانٍ أولًا. عشر ثوانٍ نظر فيها إلى النبتة وإلى الضوء الذي يسقط على أوراقها. حين حملها، مرّ إبهامه على حافة ورقة — لمسة خفيفة لم تكن جزءًا من فعل النقل. توقف إبهامه هناك لحظة. ثم أكمل. نقلها إلى الزاوية خلف الخزانة حيث لا يصل الضوء.
«تفسد التماثل الهندسي.»
مريم كانت تطوي ملابسه. رفعت رأسها ونظرت إلى الزاوية المظلمة التي وُضعت فيها النبتة.
«ستموت هناك.»
«النباتات تموت في كل مكان.»
«ليس إذا سقيتها ووضعتها في الضوء.»
«كلام ممرضات.»
صمت. مريم عادت إلى الطيّ. لكن يديها أبطأت — ليس توقفًا، بل تباطؤًا كمن يحاول أن يتذكر شيئًا.
«ياسين.»
«ماذا.»
«لا شيء.»
أكملت الطيّ. كتفاها انخفضا مليمترات قليلة. ياسين رأى ذلك.
بعد أسبوع، وجد النبتة ميتة. التربة جافة ومتشققة. سحق ورقة يابسة بين إبهامه وسبابته — الصوت هشّ، خافت، كوعد لم يُحفظ. وقف هناك يتحسس الغبار الناعم بين أصابعه. ثم فتح يده ونظر إلى الأثر الأخضر الباهت الذي تركته الورقة على جلده.
لم يمسحه فورًا. انتظر. ثم مسحه.
4
عادت من المناوبة بوجه رمادي. لم تخلع حذاءها عند الباب كعادتها. مشت مباشرة إلى الكرسي وجلست على حافته ونظرت إلى يديها المفتوحتين في حضنها.
ياسين كان قد طبخ. رائحة الزعفران والتوابل كثيفة في المطبخ. وضع الطبق أمامها.
«كُلي.»
لم تتحرك.
«ماذا حدث.»
«طفل. ست سنوات.»
«كُلي.»
أكلت. أكلت كمن يبتلع حبوب دواء — بلعات ميكانيكية، بلا مضغ حقيقي، فكها يتحرك بإيقاع آلي فارغ.
مال نحوها من الجانب الآخر للطاولة. ذقنه يكاد يلمس سطح الخشب. «كم مريضًا فقدتِ هذا الشهر؟»
لم تنظر إليه. أمسكت الشوكة بقوة أكبر. «ثلاثة.»
«وكم أنقذتِ؟»
«لا أعدّ بهذه الطريقة.»
«لأنكِ تعرفين أن الحساب—»
«لأنه ليس حسابًا.»
رفعت رأسها. نظرت إليه مباشرة. فيها شيء لم يستطع تصنيفه. ليس غضبًا. شيء أبرد من الغضب وأدق.
«أنت تسألني عن الأرقام لأنك لا تستطيع أن تسألني عما تريد فعلًا أن تسأله.»
«أنا لا—» توقف. لم تكن هذه الجملة التي أراد أن يقولها. أراد أن يقول شيئًا عن ديناميكيات الإنقاذ، عن عقدة الذنب، عن آليات الدفاع — كل الكلمات النظيفة المعقمة التي يعرف كيف يرتبها. لكن ما خرج كان نفيًا عاريًا بلا تتمة.
«لا أعرف. لكنك لا تسألني عن المرضى.»
صوت الشوكة يحتكّ بسطح الطبق الخزفي. رنين معدني حاد. ياسين تراجع بظهره إلى مسند الكرسي. الحركة كانت أسرع مما ينبغي — كمن ابتعد عن لهب.
ثم ابتسم. ابتسامة ضيقة محسوبة — لكنها وصلت متأخرة. بفارق ثانيتين عن اللحظة التي كانت ستبدو فيها طبيعية.
«أنتِ تواصلين العمل ليس لأنكِ تؤمنين بجدواه. بل لأنكِ لو توقفتِ، ستضطرين للجلوس مع نفسكِ.»
مريم ابتلعت. بلعة واحدة جافة. لم يكن في فمها طعام.
«وأنت. لماذا طبخت الليلة؟»
«ماذا؟»
«طبخت أرزًا بالزعفران. لحم مطهو ببطء. هذا ليس عشاءً. هذا—» توقفت. نظرت إلى الطبق ثم إليه. «متى بدأت الطبخ؟»
«لا علاقة—»
«متى؟»
صمت. ياسين نظر إلى يديه على الطاولة. يدان جافتان، نظيفتان، عليهما أثر خافت من الزعفران تحت الأظافر. بدأ الطبخ حين سمع باب السيارة في الشارع تحت النافذة. قبل أن يعرف إن كانت هي. قبل أن يعرف عن الطفل.
«شكرًا على العشاء.»
نهضت وأخذت الطبق إلى المغسلة. فتحت الماء بقوة أكثر من اللازم. ياسين بقي جالسًا. نظر إلى أثر الزعفران تحت أظافره. ثم قبض يده وأخفاها تحت الطاولة.
5
الكوب كان أزرق داكنًا بمقبض مكسور أُعيد لصقه بخط أبيض ظاهر. أحضرته من بيت طفولتها. الشيء الوحيد الذي أحضرته. وضعته على حافة الطاولة القريبة من النافذة — في المكان ذاته الذي كانت فيه النبتة.
مرّ بجانب الطاولة. لم يكن ممرًا ضيقًا. كان يستطيع أن يتجاوزها بسهولة. لكنه لم يتجاوزها. لاحقًا سيعيد بناء اللحظة في ذهنه — سيقول إن كوعه لمس الكوب بالمصادفة. لكن المصادفة لا تفسر الطريقة التي توقف بها بعد السقوط — توقف وانتظر. لم يلتقط. لم يعتذر. انتظر.
سقط الكوب. لم ينكسر إلى نصفين. تفتت — تفتيتًا هادئًا ونهائيًا، كأنه كان ينتظر السقوط منذ سنوات.
مريم جثت على ركبتيها. بدأت تجمع الشظايا بيديها العاريتين. قطعة سيراميك صغيرة انغرزت في جلد ركبتها اليسرى — لم تتوقف.
«آسفة. كان في الطريق.»
وياسين — ياسين ركع.
لم يقرر أن يركع. لم تسبقه فكرة ولا نيّة. ركبتاه انثنتا وهو لا يزال ينظر إلى يديها بين الشظايا، وحين لمست ركبتاه البلاط البارد أدرك أنه صار على الأرض بجانبها. المسافة بينهما أقل من شبر. يستطيع أن يشمّ رائحة الكحول على جلدها ورائحة الدم من ركبتها.
مدّ يده.
ليس نحو الشظايا. نحو يدها هي — أو نحو المسافة بين يدها والشظايا، لا يعرف. أصابعه اقتربت حتى شعر بحرارة جلدها دون أن يلمسه. مسافة مليمترات. ثم —
تجمّد.
أدرك أنه على الأرض. أدرك أن يده ممدودة. أدرك ذلك كله دفعة واحدة، متأخرًا بثوانٍ، كمن يسمع صوت الطلقة بعد أن يرى الزجاج يتهشم. وحين وصله الإدراك لم يأتِ كفكرة — جاء كموجة باردة في قاع بطنه.
سحب يده. ليس ببطء. بعنف. كمن يسحب أصابعه من لهب مكشوف.
نهض. ركبتاه اصطدمتا بحافة الطاولة. الصوت أجفل كليهما. مريم رفعت رأسها ونظرت إليه — نظرة لم يستطع مواجهتها. ليس لأنها كانت نظرة اتهام. بل لأنها كانت نظرة شخص رأى شيئًا كان يُخفى عنه ولم يعلّق.
أراد أن يقول «لا تعتذري.» أراد أن يقول «أنا كسرته.» أراد أن يقول شيئًا يمحو الثواني الأخيرة — الركوع، اليد الممدودة، المليمترات.
لكن ما خرج — وخرج بصوت أعلى مما أراد، أعلى بدرجة واحدة أفسدت كل شيء — كان: «لا تخلطي بين مراقبتي لكِ وبين المشاركة.»
الجملة معلّقة في الهواء. جملة مصنوعة لسياق مختلف تمامًا عن رجل كان قبل لحظات على ركبتيه بجانبها ويده تبحث عن يدها. كلاهما يعرف ذلك. لا أحد منهما يقوله.
مريم نظرت إليه. يداها مليئتان بالشظايا. خط رفيع من الدم على ركبتها اليسرى.
«ياسين.»
«ماذا.»
«هل تريدني أن أغضب؟»
صمت. ياسين فتح فمه. أغلقه. فتحه.
«أريد—»
توقف. الكلمة الثانية لم تأتِ. بقي فمه مفتوحًا لجزء من الثانية أطول مما ينبغي — ثم:
«لا أريد منكِ شيئًا.»
لكن الـ «أريد» الأولى كانت قد خرجت. وحيدة. عارية. بلا نفي يسبقها. سمعها كلاهما.
«لا بأس.» قالتها وهي تنهض. مسحت ركبتها بظهر يدها. خط الدم لطّخ بنطالها الأبيض. «سأشتري كوبًا آخر. كان قديمًا على أي حال.»
مشت إلى المطبخ. ياسين بقي واقفًا. يده اليمنى تقبض على حافة الطاولة. نظر إلى المكان الذي كان فيه على الأرض قبل لحظات. إلى ركبتيه اللتين لا تزالان تحملان برودة البلاط. وإلى يده التي — لا. لم يمدّ يده. لم يركع. كان يراقب فقط. كان يراقب.
أعاد بناء اللحظة في ذهنه. نسخة أنظف. أكثر تماسكًا. لكن ركبتيه — ركبتاه لا تزالان باردتين.
6
في الأسابيع التالية، بدأ ياسين يطبخ أكثر. لم يكن واعيًا بالنمط فورًا. الطبخ كان فعلًا يقع في منطقة رمادية — يستطيع أن يفسره بطرق لا تلزمه بشيء: إنه يحب الطبخ. إنه يأكل وحده ويطبخ لنفسه. إنها تصادف أنها هنا حين يكون الطعام جاهزًا. كل هذه التفسيرات كانت صالحة ومريحة. صالحة ومريحة.
يعدّ لها القهوة صباحًا — بالهيل، كما تحبها — ويضعها على طاولة الليل قبل أن تستيقظ. ثم يعود إلى غرفة العمل ويغلق الباب. حين تطرق لتشكره، لا يردّ.
ذات صباح طرقت وقالت من خلف الباب: «القهوة كانت ممتازة.»
صمت.
«ياسين.»
«سمعتُكِ.»
«لماذا لا تشربها معي؟»
«لأنني أعمل.»
«أنت لا تعمل. أسمع صوت الصفحات. أنت تقرأ.»
صمت أطول. سمع نفسه يتنفس. ثم: «القراءة عمل.»
سمعها تتنفس من خلف الباب. زفير واحد بطيء. ثم خطواتها تبتعد. يده كانت على مقبض الباب. لا يعرف متى وضعها هناك. لم يفتح. لكنه لم يرفع يده فورًا. بقيت على المقبض حتى خفتت خطواتها تمامًا. ثم رفعها. وجلس. الكتاب مفتوح أمامه على صفحة لم تتغير منذ عشرين دقيقة.
ليلًا، بدأت مريم تنام على الأريكة. لم يطلب منها ذلك. لم تشرح. قالت فقط وهي تسحب بطانية من الخزانة: «يمكنني النوم هنا الليلة. إذا كان صوت تنفسي يزعجك.»
لم يقل شيئًا. أغلق باب غرفة النوم. استلقى في الظلام. بحث عن أصواتها — حفيف البطانية، صرير الأريكة القديمة. تنفسها الذي يتباطأ تدريجيًا حتى يستقر في إيقاع النوم.
لم ينم إلا بعد أن سمعه.
7
شهران. ستة أسابيع. ثلاثة أيام.
لم يكن يعدّ. لكن جسده كان يعدّ. أصبح يعرف جدول مناوباتها من ثقل خطواتها على الدرج: الخطوة المنهكة بعد مناوبة ليلية. الخطوة المتسارعة حين تكون متأخرة. الخطوة البطيئة المترددة حين تكون قد فقدت أحدًا.
في الليلة التي تأخرت فيها ساعة عن موعدها المعتاد — ساعة شعر خلالها بشيء في ذراعيه، قشعريرة بطيئة باردة لا تشبه البرد — في تلك الليلة بالذات، قال لها بعد أن دخلت:
«أنتِ لا تحبينني.»
قالتها وهي تخلع حذاءها، ظهرها نحوه: «ماذا؟»
«أنتِ لا تحبينني. أنتِ تحبين فكرة إنقاذي. هناك فرق.»
استدارت. نظرت إليه بعينين متعبتين. لم تبدُ مصدومة. بدت كمن سمع جملة كان ينتظرها.
«وأنت. هل تحبني؟»
صمت.
«هذا ليس عن—»
«أنا أسأل. هل تحبني.»
«أنا أحلل ديناميكية—»
«هل تحبني.»
صمت. صمت طويل ثقيل كرائحة الورق في الغرفة. ياسين فتح فمه. خرج صوت — ليس كلمة. مقطع واحد. بداية شيء. ربما بداية «نعم». ربما بداية «نحن.» ربما بداية كلمة ليست في القاموس. مقطع واحد رطب وقصير ابتلعه فورًا.
ثم: «هذا سؤال ساذج.»
لكن المقطع كان قد خرج. كان قد ملأ الهواء بين فمه وأذنها. وكلاهما سمعه. مريم لم تعلّق عليه. لم تطارده. تركته هناك معلقًا في الغرفة كشيء لن يُمسح.
ابتسمت. ابتسامة متعبة. «أعرف.»
نزعت حذاءها الثاني. مشت إلى المطبخ حافية. سمعها تفتح الماء. وقف وحده في الممر. القشعريرة التي بدأت في ذراعيه قبل وصولها لم تتوقف. انتقلت إلى صدره.
مريم نادته من المطبخ: «التربة كانت جافة جدًا. اعتقدت فقط أنها تحتاج إلى بعض الماء.»
«أنتِ تعتقدين أن قدرتكِ على التحمل تجعل منكِ قديسة. إنها فقط تجعل منكِ ضحية مريحة جدًا.»
صوت الماء من المطبخ. لا ردّ. ذهب إلى غرفة النوم وأغلق الباب. جلس على حافة السرير. وضع يديه على ركبتيه. اليدان ترتعشان.
8
في تلك الليلة، لم ينم. جلس في الظلام يستمع إلى صوت المدينة البعيد من خلف الزجاج المغلق. فكّر في والده — في الحشرجة الأخيرة التي لم يسمعها. في الأكواب الثلاثة. في مريم وهي تسحب الملاءة فوق وجه أبيه بيدين ثابتتين بينما هو يقف في ممر يحمل قهوة خاطئة.
فكّر فيها حافية على بلاط المطبخ. في المقطع الذي خرج من فمه قبل «هذا سؤال ساذج.» في ركبتيه على بلاط الشقة بجانب الكوب المكسور.
شيء في صدره يتمدد ويتقلص كعضلة مرهقة. شيء يشبه الاختناق لكن ليس اختناقًا. شيء لا يستطيع تحليله لأنه لا يريد. يريد فقط أن — لم يُكمل الجملة. حتى في رأسه لم يكملها.
نهض قبل الفجر. أخرج حقيبتها من أسفل الخزانة. يداه كانتا ثابتتين. ثابتتين تمامًا.
وضع فيها ملابسها. فرشاة أسنانها. وصل إلى الكتاب. أمسكه. وضعه في الحقيبة. ثم أخرجه. وضعه على الرف. يداه عادتا إلى الحقيبة. ثم عادتا إلى الرف. أخذتا الكتاب. وضعتاه في الحقيبة.
وقف ينظر إلى يديه كأنهما ليستا له. أغلق الحقيبة. وضعها عند الباب. ثم ذهب إلى المطبخ. وضع الغلاية على النار. بدأ يحضّر القهوة. بالهيل.
البخار يتصاعد. صبّ كوبين. حمل أحدهما إلى غرفة النوم. وقف عند طاولة الليل. وضع الكوب. حرّكه بأصابعه — مليمترات قليلة نحو حافة الوسادة. حيث يكون أقرب إلى رأسها حين تمدّ يدها وهي نصف نائمة. عاد إلى المطبخ. شرب كوبه واقفًا. غسله. وضعه في مكانه.
الحقيبة عند الباب. والقهوة على طاولة الليل.
9
عادت مريم مساءً. رأت الحقيبة. توقفت عند المدخل. أمسكت بإطار الباب بيد واحدة. ياسين كان واقفًا في الممر. يسدّ المسافة. ذراعاه على جانبيه. وجهه ساكن.
«اجلسي.»
«ياسين—»
«اجلسي.»
جلست على حافة الكرسي. هو لم يجلس. بقي واقفًا. المسافة بينهما أقل من مترين.
بدأ يتكلم. نبرة مستوية. خالية من الانفعال. كمن يشرّح جثة على طاولة معدنية.
«أنتِ لا تحبينني. لم تحبيني يومًا. أنا مشروعكِ. أنا الأخ الذي—»
صوته فعل شيئًا. ليس تلعثمًا. ليس بكاءً. تغيّر في الطبقة الصوتية — نصف نبرة أخفض. كأن شيئًا في الجملة خرج من مكان لم يقصد فتحه.
أكمل كأن شيئًا لم يحدث: «— لم تنقذيه.»
مريم لم تتحرك. لكن أصابعها — المتشابكة في حضنها — انفكّت. ببطء. إصبعًا عن إصبع. معطفها انزلق عن كتفها الأيسر. لم تلتقطه.
«تعودين كل مساء إلى هذه الشقة لا لأنكِ تريدينني—»
«ياسين.»
«— بل لأنكِ تحتاجين أن تثبتي لنفسكِ—»
«أنا أسمعك.»
«أنتِ لم تنقذيه في الماضي. ولن تنقذيني الآن. أنتِ فقط مدمنة على المحاولة الفاشلة.»
صمت. مريم نظرت إليه. بعينين لا غضب فيهما ولا لوم.
«وأنت.» صوتها هادئ. هادئ بطريقة مرعبة. «لمن حضّرت القهوة هذا الصباح؟»
فكّه انقبض.
«لا علاقة لذلك—»
«حقيبتي عند الباب. والقهوة على طاولة الليل. قرّبتها من الوسادة. أيهما أنت، ياسين؟»
ياسين خطا خطوة نحوها. خطوة واحدة. لم يكن يعرف لماذا. يده اليمنى ارتفعت — نحو كتفها، أو نحو المعطف المنزلق عن كتفها، أو نحو شيء ليس كتفها ولا المعطف. ارتفعت حتى صارت في الهواء بينهما.
ثم سقطت. سقطت إلى جانبه. لم يُنزلها — سقطت. كأنها نسيت لماذا ارتفعت.
مريم نظرت إلى يده. ثم إلى وجهه. لم تقل شيئًا عن اليد. نهضت. ببطء. كمن ينهض من كرسي جلس عليه سنوات.
«أنا لا أرحل لأنك طلبت مني ذلك.»
وقفت. سحبت الوشاح من مسند الأريكة.
«أرحل لأنني لا أستطيع أن أبقى في مكان—» توقفت. ابتلعت. ثم أكملت بصوت مختلف — أرفع، أرقّ، كأنه صوت شخص آخر يسكن فيها وخرج لحظة: «يحضّر لي القهوة ويقرّبها من وسادتي ثم يضع حقيبتي عند الباب.»
حملت الحقيبة. عند الباب توقفت.
«الجو بارد في الخارج. سآخذ وشاحي فقط.»
فتحت الباب. الوميض الأبيض لمصباح الفلورسنت في ممر البناية غمر وجهها بضوء قاسٍ، عارٍ.
أُغلق الباب.
10
بقي واقفًا في الممر. يده اليمنى لا تزال في الموضع الذي سقطت فيه — متدلية، مفتوحة الأصابع قليلًا، كمن أفلت شيئًا.
الشقة صامتة. لكن الصمت الآن مختلف عن صمت العزلة القديم — ذاك كان فارغًا كصفحة بيضاء. هذا صمت ممتلئ بكل ما كان هنا ولم يعد: حفيف البطانية. صرير الأريكة. صوت الماء في المغسلة. خطواتها على الدرج.
مشى إلى المطبخ. فتح الخزانة. كوبان في الرف. واحد له. وواحد كان لها. نظر إليهما جنبًا إلى جنب. مدّ يده نحو كوبها. لمس حافته بطرف إصبعه. لم يحركه. لم يسحبه. أغلق الخزانة.
ذهب إلى النافذة. الزاوية خلف الخزانة فارغة. لكن بقعة صغيرة من التراب الجاف لا تزال على الأرضية. جلس على كرسيه. فتح كتابًا. قرأ الجملة الأولى. ثم قرأها مرة أخرى.
الطنين عاد — ليس من جهاز تنفس هذه المرة. من الجدران. من الأنابيب. من مكان لا يستطيع تسميته.
فتح الكتاب. أغلقه.
في الغرفة الأخرى، كوب القهوة الذي حضّره لها هذا الصباح بارد تمامًا. بالهيل. لم يُشرب. قريب من الوسادة.
نهض. ذهب إلى المطبخ. أخرج كوبها من الخزانة. وضعه على الطاولة. وضع الغلاية على النار. ثم — يده فوق الموقد. الغلاية فارغة. لم يملأها بالماء. نظر إلى الغلاية الفارغة على النار.
لم يرفعها.
